لقد بينت في مقال سابق (1) أن الذى يفرق بين الكاتب والكاتب ليس هو الأسلوب فقط بل أكثر من الأسلوب هو بناء للغة جديد ينفرد به الخلاق الحق ويسن من جرائه نمطا جديدا تتبارى فيه الأقلام بشتى الأساليب وعديد الظلال .
ويظهر هذا حليا فى باب الشعر إذ لا يمكن أن يبز الشاعر الشاعر إلا بقدرته على بناء اللغة (2) بناء جديدا يعتمد على نوع من " كيمياء الكلمة " ويستجيب حتما الى طبيعة الشعر الخاضعة الى نوع من الموسيقى والايقاع واللحن والتوافق والقافية وغيرها من الخصائص التى لا يكون الشعر شعرا إلا بها .
وإذا كان أهل الاختصاص بالنسبة للشعر الفرنسي وصلوا بطرق علمية أو تكاد الى التفريق بين الشعر الحق وبين النثر الشبيه بالشعر وذلك بالاعتماد على ما سممى بــــ Le Nombre d'or واستعمال مضاعف انتوفن فان أهل العربية وجدوا أنفسهم أما ( Galvanometre d'Einthoven ) ظاهرة غريبة قديمة وهي استنباط أبنية قارة للشعر تتمثل فيما يسمى بأوزان الخليل . ونحن لا نعلم سر اختيار العرب للبحور المعروفة ولكنه من واجبنا أن نسلم بأنهم ضيقوا على أنفسهم تضييقا كبيرا حتى أنه يمكننا أن نحصر أبنية الشعر العمودى فيما يقرب من 67 بناء .
فالمسألة ليست راجعة الى التفعيلة فقط بل هى ترجع الى الوزن بأتمه . فالبحر الطويل مثلا بما فيه من تفريعات ( ثلاث ) يمثل ثلاثة قوالب جاهزة يتبارى فيها الشعراء . ولقد حاولت أن انظر فيما غربله التاريخ من قصائد عربية ثبتت خاصة لما فيها من موسيقى موفقة واكتمال بنائها الشعرى فوجدت أمرا غريبا . إن الوزن الواحد يقول فيه الشاعر المتقدم فى الزمن ويأتى من بعده محاولا استكماله فنيا فاذا اتفق لأحدهم أن يستفرغ ما فى ذلك الوزن من طاقات إيقاعية وموسيقية فانه يغلق الباب على غيره وينتهى أمر ذلك الوزن . ويصبح كل شاعر يصوغ شعره فيه مقلدا وظلا لغيره . خذ مثلا وزن الطويل وعروضه مفاعلن وضربه مفاعلين تجد ثلاث محاولات كبيرة . أولاها قصيدة أبى نواس :
ألا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر
ثم قصيدة ابن الرومى :
بكاؤكما يشفى وإن كان لا يجدى فجودا فقد اودى نظيركما عندى
ثم أخيرا قصيدة أبى فراس :
أراك عصى الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهى عليك ولا أمر
ولو تمعن القارئ فى قصيد أبى فراس لوجد أن التزام بعض الزحافات فى الحشو واختيار القافية وتجانس الحروف وتناغمها كل هذا أعطى للقصيد إيقاعا ولحنا وموسيقى متناهية فى السبك والصياغة .
وبعدها انتهى أمر هذا الوزن وكل شاعر ينزل للمغامرة فيه انما يعرض تجربته للفشل .
مثال آخر لقصيد أبى تمام فى بحر البسيط الذي عروضه فعلن وضربه فعلن :
السيف أصدق إنباء من الكتب فى حده الحد بين الجد واللعب
وهو الذى سار على ألسن الناس حفظا وتقليدا .
ثم جاء بعده أبو فراس فقال :
أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد جل المصاب عن التعنيف والفند
فلم يزد شيئا .
كذلك وزن البسيط الذى عروضه فعلن وضربه فعلن فقد تبارى فيه الشعراء حتى جاء ابن زيدون وأغلق باب النظم فيه بقصيدته :
أضحى التنائي بديلا من تداننا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ويمكن أن نمضى فى الأمثلة الى حد بعيد ونقر هذه الظاهرة فى الشعر العربى التى يدعمها فى ظني مفهوم المعارضة فى الشعر عند العرب وهى ظاهرة لا نجدها فى الشعر الاجنبى .
ذلك أن الشعراء العرب اذا هم ظفروا بنموذج كامل فى وزن من الاوزان وآمنوا بأنه لا فائدة فى الصياغة فيه بقافية أخرى انضموا الى الذى نبغ فيه وباتوا يعارضون قصيدته . فعارضوا مثلا قصيدة ابن زيدون : أضحى التنائى وقصيدة الحصرى : يا ليل الصب وغيرها .
لذا فانى أميل الى الاعتقاد بأن كل وزن من أوزان الشعر العربي لا يمكن أن نستكمل فيه العدة الفنية إلا مرة واحدة اذ هو لا يحتمل أكثر من قافية واحدة تقد على قده ذلك أن القافية تتحكم في نوع الحروف وموسيقاها وقديما قال الخليل بن أحمد عندما سئل عن أشعر بيت عند العرب : " البيت الذى يكون أوله دليلا على قافيته " .
ومعنى هذا أن الخليل وهو الذى فهم الفهم الصحيح ما يقتضيه الوزن يرى إن أحرف البيت الواحد يتجانس بعضها مع بعض فى القبح أو الجمال .
وقد قال إليوت :
" إن موسيقى البيت ليست مسألة تخص البيت الواحد بل تتعلق بالقصيد بتمامه " هذا بالنسبة للشعر الذي يعتمد على المقاطع فقط فما بالك بالشعر الذي سجن فى الأوزان .
لهذا أطرح هذا السؤال : هل يمكن أن نجد فى الشعر العربي العمودى القديم والحديث 67 قصيدة مختلفة الوزن من نوع " يا ليل الصب " و " أضحى التنائى " فى اكتمال روعتهما الفنية ؟
أترك الجواب للقارئ الكريم للبحث فى هذه المسألة .
غير أن شعراء الأندلس القدامى ضاقوا بهذه القيود من جهة وغرقوا أيضا فى محيط ، الحياة فيه غير شبيهة بحياة المشارقة فهى تعطيهم ألوانا من الموسيقى والايقاعات لم يعرفها أهل العربية قبلهم فشقوا طريقا آخر فى الشعر عددوا به ابنية الشعر العربي رغم محافظتهم على البناء الاصلى .
فهم في حقيقة الامر لم يتلاعبوا بالتفعيلة بل تلاعبوا بالقافية وفكوا أنفسهم من أسرها بدراية كبيرة جعلتهم يدخلون على 67 وزنا المعروفة أبنية جديدة منغمة لا تخرج فى غالبها عن عبقرية العربية رغم تطعيمها بعناصر أجنبية . فكانت التجربة موفقة الى حد بعيد .
تم وقف الاستنباط الى هذا الحد حتى ظهر ما يسمى بالشعر الحر وطغا على الشعر العربى فى أيامنا هذه . وإن لى فيه رأيا أعرضه على القارىء الكريم : ذلك أنى عندما قرأت الكثير من هذا النوع من الشعر قسمته الى قسمين :
- قسم موسيقى موفق فى جملته . - وقسم متعثر لاهث متقطع الأنفاس لا يمكن نسبته الى الشعر بل الى صب من الكتابه يتحس وجوده ويبحث لنفسه عن مكان بين الشعر أو النثر .
فالقسم الاول المنغم يمكن ارجاعه بسهولة الى الشعر العمودى أو الى الموشح . خد مثلا قصيد " لو " لنزار قبانى تجد ان جميع المقاطع تعد ست نفعيلات من الرجز مع جوازاته وقافية واحدة . ولو حشرت كل مقطع فى بيت واحد لجاز ذلك . أو خذ قصيد " الى وشاح أحمر " أو غيره تحده قريبا من صياغة الموشح لذا اعتقد أن الشعر الحر الموفق لم يخرج عن البادرة التى قام بها الاندلسيون فى قديم الزمان .
وبعد هذا يقول القائل ماذا بقى للشعراء الذين يشقون دربهم في عالم الشعر اليوم ؟ أقول إن المجال فسيح أمامهم لأن لهم :
- أولا : ما بقى من أوزان الشعر العمودى التى لم يستكمل فيها الشعراء القدامى العدة الفنية .
- ثانيا : باب الشعر الحر ربيب الموشح .
ثالثا : إيجاد أبنية جديدة مستنبطة من مقاييس موسيقية موجودة فى الشعر العامى وفى المحيط الذى يحيونه غير خارجة عن عبقرية اللغة العربية . وهذا أصعب من المجال الأول والثاني ويتطلب قدرة وموهبة جبارة ولا يتأتى إلا للقيل القليل .
هذا رأى فى لغة الشعر العربي أعرضه على القراء الكرام للمناقشة والبحث (*) .
