حفل الادب العربى بالشعر ، وزخر بالشعراء فى مختلف عصوره ، وكان من ذلك ان فاق الشعراء الناثرين فى العدد ، وربما انقطع الشاعر لشعره دون ان تستهويه صغة الكتابة ، وربما كان الادب العربى بدعابين آداب الامم الاخرى فى هذه العناية بالشعر والانصراف اليه . ولم يكن هذا الانصراف الى الشعر والاهتمام به من لدن الشعراء وحدهم ، فقد شاركهم فى ذلك العلماء النقاد ، ومن بين هؤلاء علماء اللغة الذين استهواهم الشعر فوقفوا عليه وقفات ، واتخذوا منه مادة افادوا منها فى بحوثهم ودراساتهم ، فابو العباس المبرد ، وابو العباس ثعلب ، وابو الفتح ابن جنى ، من اصحاب النحو واللغة ، ولكنك لا تعدم ان تجد هؤلاء ممن عنوا بالشعر ، وكتبوا فى معانيه وقواعده ، ووقفوا من لغته وقفة طويلة . واشتهر الاصمعى من علماء اللغة الاقدمين ، الذى دون فرائد اللغة فى مجاميع تناولت ما قيل فى صنوف الشجر ، وافانين النبات والحيوان ، بعنايته بالشعر وروايته له ولعله قد فهم ان لهذا الفن لغته الخاصة ، ومن اجل ذلك فقد تحرج فى استخدام الشعر فى شرح لغة التنزيل على نحو ما فعل غيره من علماء اللغة كأبى عبيدة مثلا فى كتابه " مجاز القرآن "
والشعر العربى مصدر من اهم مصادر اللغة ، والمطولات من المعجمات تشهد بذلك ، فهى تزخر بالشواهد الشعرية ، ذلك ان علماء اللغة الاقدمين كانوا يثبتون الكلمة ودلالتها مقيدين ذلك بما قاله فلان او فلان من الشعراء الجاهليين والاسلاميين ، وربما شذ عن هؤلاء العلامة الزمخشرى فى استشهاده " بالمولدين " فقد استشهد بأبى نواس وغيره ممن جاء بعده بزمان طويل كما فعل فى " اساس البلاغة " ، وقد تجافى علماء اللغة الاقدمون الشعراء المولدين ولم يأخذوا باستعمالاتهم ، واخبار الاصمعى طريقة فى هذا الباب .
فاذا كانت اللغة عنصرا من عناصر الشعر المهمة ، فلا بد للشاعر ان يسلك فيها مسلكا خاصا ، ليستستطيع فيها ان يؤدى معانى بطريقة تختلف عنها فيما عدا الشعر من فنون القول ، ومعنى هذا عليه ان يختار فيتحرى الجميل المناسب ، والانيق الحسن ، ولم يسلم من هذا الاختيار وهذا التأنق الشعراء الاقدمون ، فقد اثر عن زهير بن ابى سلمى الشاعر الجاهلى انه كان كثير النظر فى شعره ، وحديث " الحوليات " معروف ، ومعلقة امرئ القيس ومعلقة طرفة ين العبد تشيران فى مقاطع عدة الى عناية واضحة فى هذه اللغة المختارة ، فانت ما زلت تطرب لقول امرىء القيس فى وصف الليل :
وليل كموج البحر ارخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الاصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار القتل شدت بيذبل
ستقول لعل الصورة حضرية تلك هى تشبيه الليل بموج البحر ، وما أظن ذلك فالشاعر بدوى وبداوته ظاهرة فى سائر القصيدة المعلقة ، وليس فى ذلك شك ، ولكنى ارى ان هذا التشبيه جاء نتيجة الاختيار والتأمل والبحث فى مادته وتركيبه ، ليأتى على شىء جميل يخدم المعنى ، وهكذا فلغة الشعر خاصة يبلغ اليها بالتأنى والبحث والاختيار ، ولو كان ذلك فى الشعر القديم ، كما حدث عند هؤلاء الجاهليين ذوى الطبع والاصالة . و " سدول " الليل و " ستور " الظلام من العبارات التى لم يخلق نضارتها الاستعمال ، ولم ترزأ بالشيوع ، فما زلنا نرى الشعراء الشبان يجدون فى استعمال الشاعر الجاهلى صورة جميلة خليقة بالاستعمال كما فعلت نازك الملائكة فى قصيدتها " صوت الامل " فى ديوانها " عاشقة الليل " :
سرينا . . سر يا زورق الامل العذب وان اسدلت
ستور الظلام
ولولا " زورق الامل العذب " لسلمت الشاعرة الى هذا القديم الجميل ، والشعراء الشبان ابعد ما يكونون عن التقليد ، وربما تنكروا للكثير من آثار القديم . وعبارة امرىء القيس لا تكتفى بوصف الليل الطويل مشبها اياه بموج البحر ، وانما تعرض لهموم الشاعر وآلامه فى هذا الليل الذى بلغ من الطول بحيث خيل للشاعر ان نجومه شدت بيذيل وهو الحبل المعروف بحبال غلاظ احكم فتلها . فوصف طول الليل وما يقاسية الشاعر الحزين من المعانى الشعرية التى اختير لها من المادة اللفظية والطريقة فى الاداء اطار فنى يفصح عنها فى قالب جميل فيه اختيار جيد ، وفيه صنعة انيقة ، ولا اريد بالصنعة هنا ما شاع من معناها الاصطلاحى فى كتب النقد فى الكلام على المصنوع والمطبوع ، وفى الكلام على افانين " البديع " . وقد ذكرت ان طول الليل من المعانى الشعرية ، وهذا المعنى قد احتال عليه الشعراء فادوه بطرائق مختلفة ومن ذلك قول احدهم :
ازيد فى الليل ليل ام سال بالصبح سيل
ذكرت اهل دجيل واين منى دجيل
فقد احتال على التصريح بطول الليل فلجأ الى هذه الطريقة من التعبير ، وهكذا فلغة الشعر تجنح الى التلميح الذى هو ابلغ من التصريح كما يقولون ، ولهذا جاء اسلوب الكناية واساليب الاستعارات المختلفة ، كما تجنح الى الايماءة الخاطفة ، والهمسة اللطيفة ، فلم يشأ الشاعر ان يقول بطول الليل صراحة فعدل عن ذلك بقوله مستفهما عن هذه الحقيقة استفهاما يترك السامع سائرا مع الشاعر فى حزنه واكتئابه ، ولعل من جميل التعبير والاداء قوله " ام سال بالصبح سيل " ومن هذا الباب قول الآخر :
ايها الراقدون قوموا اعينونى على النوم حسبة وائتجارا
حدثونى عن الصباح حديثا اوصفوه فقد نسيت النهارا
ولنرجع الى شاعرنا الجاهلى امرىء القيس الذى قيل انه اول من وقف على الديار ، ووقوف الشاعر بالديار صار سنة تتبع وظلت منهجا للشعراء فى سائر عصورهم وهذا نوع من انواع التقليد المقيت ، وقد وقف امرؤ القيس على الديار وقفات عاطفية فقد قال :
وقوفا بها صحبى على مطيهم يقولون لا تهلك اسى وتجمل
وقد استعار هذا البيت الشاعر طرقة بن العبد وضمنه فى قصيدته عادلا عن الكلمة الاخيرة فى البيت الى نظيرة لها هى " تجلد " مما هى لا تبعد عن المعنى ، وانا لا اقول ان هذا البيت قد اندس فى شعر طرفة من عبث الرواة ، او انه من باب توارد الخاطر ، ولكنى اعزو ذلك الى ان طرفة اعجب بهذه اللغة وهذه الطريقة من الوقوف فاستعارها .
وقد اهتموا بفصاحة الكلمة فى الشعر والنثر وقيدوا ذلك بصفات ، فقد قال الشيخ الجرجانى فى " دلائل الاعجاز " ( 1 ) : " وقصارى تفاضل الكلمتين لا يكون اكثر من كون احداهما مألوفة مستعملة والاخرى غريبة وحشية ، او تكون حروف هذه اخف وامتزاجها احسن ، ومما يكد اللسان ابعد " . وقال ايضا : " ( 2 ) من المعلوم ان لا معنى لعبارات البلاغة والفصاحة والبيان التى
ينسب فيها الفضل والمزية الى اللفظ دون المعنى غير وصف الكلام بحسن دلالته وتمامها ، ثم تبرجها فى صورة هى ابهى وازين واحق بان تستولى على هوى النفس وتنال الحظ الاوفر من نيل القلوب ، ولاجهة لاستكمال هذه الخصال غير ان يؤتى المعنى من الجهة التى هى اصح لتأديته ويختار له اللفظ الذى هو به اخص ، واحرى بان يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية " .
وقد عابوا من الشعر ما شذ عن هذه الصفات ، وابتعد عما رسموه من حدود ، فقد عابوا على الفرزدق قوله :
وما مثله فى الناس الا مملكا ابو امه حتى ابوه يقاربه
فتعقيد البيت وسوء بنائه يبعده عن لغة الشعر الانيقة ، كما عابوا على المتنبى التجاؤه للوحشى الغريب فى قوله :
مبارك الاسم اعز اللقب كريم الجرشى شريف النسب
فلفظ الجرشى مما لا تحتمله لغة الشعر الرقيقة العذبة ، والمتنبى الذى زخر شعره بنماذج البليغ والفصيح ، واتخذ منه علماء البلاغة امثلة عالية ، قد اعطى نماذج اخرى مما هو بعيد عن حدود الفصاحة والبلاغة كقوله مثلا :
فلا يبرم الامر الذى هو حالل ولا يحلل الامر الذى هو مبرم
فقوله " حال ويحلل " مما لا يستقيم والبناء الشعرى الجميل ، ومثل هذا قوله ايضا :
وقلقت بالهم الذى قلقل الحشا قلاقل هم كلهن قلاقل
فحديث القلقلة مما لا تسيغه الاذن الموسيقية التى تتطلب من الشعر لغة عذبة مأنوسة ، واين هذا من عناية البحترى بديباجته والتزامه بصنعته الفنية كما فى قوله :
وحسناء لم تحسن صنيعا وربما صبوت الى حسناء ساء صنيعها
الا ترى ان التوفر على السين والصاد فى مادة البيت اعطت هذه اللغة المأنوسة جرسا ساحرا ووقعا ممتعا . وليس غريبا على البحترى هذه الطبيعة
الفنية فقد توفر عليها ، وسعى اليها وهى ظاهرة فى كثير من شعره اليس هو القائل :
اتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد ان يتكلما
وقد نبه النوروز فى غلس الدجى اوائل ورد كن بالامس نوما
يفتقها برد الندى فكأنما تبث حديثا كان قبل مكتما
وما احسن ديباجته فى رثائه للمتوكل فى القصيدة التى اعجب بها النقاد الاقدمون وقالوا فيها ما قيلت مثلها هاشمية والتى يقول فيها :
ولم ار مثل القصر اذ ريع سربه واذ ذعرت اطلاؤه وجآذره
واذ صيح فيه بالرحيل فهتكت على عجل استاره وستائره
وكأنك حين تقرأ هذه الابيات تحس ان البحترى قد اعمل فيها فنه فجاءت كاللوحة الفنية يعمل فيها الفنان يده الصناع ، فهو يبحث عن مادة هذا البناء السليم فيتخير الالفاظ ثم يخضعها الى تجربة اخرى فينظمها فى سلك واحد حتى تأتى قارة فى مكانها ، مستوية فى قواعدها ، مأنوسة باخواتها ، ولا اريد ان ادع ابا عبادة دون ان اشرك القارىء فى الاستمتاع بهذه اللغة الانيقة فى قوله :
اعيدى فى نظرة مستثيب توخى الاجر اوكره الاثاما
ترى كبدا محرقة وعينا مؤرقة وقلبا مستهاما
ومثل هذه العناية وهذا التخير نجدهما فى شعر كثير الذى يقول فى عزة :
وانى وتهيامى بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمبتغى ظل الغمامة كلما تفيـأ منها للمقيل اضمحلت
الا تراه عدل عن الهيام الى التهيام لحاجة فى نفسه ، ثم التزامه اللام والتاء فى القصيدة كلها ، وليس هذا توفرا على فن لزوم ما لا يلزم من الوان البديع فعصر الشاعر لم يكن يعرف تلك الالوان التى وصلت حد الالاعيب ، ثم انظر كيف علق معنى البيت الاول على الثانى وهو الذى دعوه بالتضمين وهذا مما لا يحمد فى بناء القصيدة عندهم ، ولكنى لا اومن بهذا الذى يقولون . قصورة المبتغى ظل الغمامة ليتفيأ ظلالها للمقيل ثم تضمنحل نفيسة ممتعة تؤلف مع البيت الاول حالة عاطفية تفصح بالالم والحسرة والحب
ومن عنايتهم بالديباجة لتجئ سليمة نقية ذات بناء فنى جميل ، توخيهم ان تجىء مطالع القصائد جميلة مؤثرة ، يهتز لها السامع فيأنس بها ، ويستمتع ويتأثر لتأثر الشاعر سلبا أو ايجابا ، ومن هذه العناية انهم اشترطوا ان تجئ المطالع بحيث تستبعد فى بنائها ما يوهم السامع انه مخالف مقتضى الحال . ومن اجل ذلك عابوا على ابى تمام قوله :
على مثلها من اربع وملاعب اذيلت مصونات الدموع السواكب
فقولة " على مثلها " مما يوهم انه دعاء بالشر ، واستعمال حرف الجر " على " معروف بهذا فى الاساليب الفصيحة القديمة ، ولكنك حين تقرأ قول ابى الطيب :
لعينيك ما يلقى الفوآد وما لقى وللحب ما لم يبق منى وما بقى
تحس بهذه العناية فى هذا المطلع الجميل فى بناء ملتئم النظم ، ملتحم الاجزاء ، فقد اثر عن الجاحظ انه قال ( 3 ) : " اجود الشعر ما رأيته متلائم الاجزاء ، سهل المخارج فتعلم بذلك انه افرغ افراغا واحدا " .
والى مثل هذا ذهب الامام المرزوقى فى مقدمته على شرح الحماسة فقد قال : " وعيار التحام اجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن ، الطبع واللسان وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال . وان يشاكل اللفظ معناه ويعرب عن فحواه كما يقول الجاحظ ( 4 ) وللكلمة عندهم مكان فى حد ذاتها ومنزلة اذا اجتمعت الى غيرها والى هذا اشار الشيخ عبد القاهر الجرحانى فى دلائل الاعجاز ( 5 ) : انك ترى الكلمة تروقك فى موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك فى موضع آخر كلفظ الاخدع فى بيت الحماسة :
تلفت نحو الحى حتى وجدتنى وجعت من الاصغاء ليتا واخدعا
فان لها ما لا يخفى من الحسن ، ثم انك تتأملها فى بيت ابى تمام :
يا دهر قوم من اخدعيك فقد
اضجت هذا الانام من خرقك
فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير اضعاف ما وجدت لها هناك من الروح والخفة " وعلق على ذلك ابن الاثير فى المثل السائر فزعم ان سبب ثقل اللفظة فى بيت ابى تمام مجيئها على التثنية بخلاف بت الحماسة الذى جاءت فيه على الافراد ، على ان الآمدى ( 6 ) لا يذهب هذا المذهب وعنده ان اللفظه كانت مستدعاة فى بيت الحماسة للكلام الذى قبلها حيث كان ذكر وجع الليت يستدعى وجع الاخدع فكان لفظ الاخدع رشيقا ، وهو فى بيت ابى تمام مغصوب للقافية ، اذ لا مناسبة فى استعارة الاخدع للدهر فى هذا المقام
وتعليق ابن الاثير لا يخلو من التفاتة حلوة ذلك ان هيئة الكلمة تقرر ما لها من الحسن والوقع ، وانا اميل الى رأيه فى ان التثنية فى هذا البيت لكلمة " اخدع " غير موفقة ، ومثل ذلك ما حصل لاحمد شوقى فى قصيدته " زحلة فهو يقول فيها :
وتأودت اعطاف بانك فى يدى واحمر من خفريهما خداك
فما اظن ان تثنية " الخفر " وهو كلمة من كلمات المعنى ، مستدعاة لتستقر فى مكانها انيقة رشيقة ، ولكننا نقرأ للحسن بن هانى فنطرب ايما طرب لقوله :
أجارة بيتينا أبوك غيور
وميسور ما يرجى لديك عسير
فقد جاءت تثنية " بيت " جميلة مونقة ، وربما قلت ان آفة " الوزن " هى التى فعلت ذلك ولك ان تقول ذلك ، غير انى احسها موفقة وما اظننى بدعا فى هذا النظر .
وقد غلب على كثير من عيون الشعر جانب اللفظ فتعلق به السامعون واعجبوا به ، واتخذه النقاد امثلة للطلاوة المستعذية ، والاناقة المستملحة وهذه الاناقة وهذه الطلاوة لا يكمن وراءها معنى دقيق ، وانما هى خواطر خفيفة حلوة ومن ذلك قول جميل : ( 7 )
فيا حسنها اذ يغسل الدمع كحلها
واذ هى تذرى الدمع منها الأنامل
عشية قالت فى العتاب قتلتنى
وقتلى بما قالت هناك تحاول
فالعبارة انيقة عذبة وهى منسجمة الاجزاء ، سهلة البناء . ومثل ذلك قول جرير : ( 8 )
ان الذين غدوا بلبك غادروا
وشلا بعينك ما يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لى
ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وهذه اللغة المونقه التى هى لغة العاطفة الصادقة او قل هى لغة الشعر ينساب اليك فتطرب له وتتعلق به ، وربما احتملت هذه اللغة الزيادة فى مادة البناء على أن هذه الزيادة لا تدخل فى باب الحشو المستكره ومن ذلك قول جرير : ( 9 )
أتنسى اذ تودعنا سليمى
بفرع بشامة سقى البشامة
وأنا أريد أن أقفك ايها القارىء - على قول الشاعر " سقى البشام " لتستشعر جمال هذا الدعاء بالسقى ، والدعاء بالسقى من ملتزمات الادب القديم كما تعلم ، ولكن هذا الدعاء جاء مكملا مادة البناء تكملة تطلبها الأسماع ، وتهفو لها النفوس ، ولا أريد ان اترك هذه الاشارات دون ان اعبد عليك الابيات المشهورة والتى نسبت الى غير واحد من الشعراء ( 10 ) هى :
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا ولا ينظر الغادى الذى هو رائح
أخذنا باطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطى الأباطح
وهذا أداء حسن أقيم على مادة لغوية عذبة تشير الى خاطرة سهلة من خواطر المعنى . وهكذا فمن الاشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعانى ، الحسنة
الرصف ، السلسة الالفاظ التى قد خرجت خروج النثر سهولة وانتظاما ( 11 ) والى هذا أشار الرصافى :
وأرسلته نظما يروق انسجامه
فيحسبه المصغى لانشاده نثرا
ولا بد من الوقوف على هذه العبارة الاخيرة ، وهى ان الشعر السلس يخرج حروج النتر ، وهذه تشير الى ان الشعر محتاج للعمل والنظر والاختيار ما دام مفيدا بوزنه وقافيته . وحتى اذا تعددت قوافيه وتغير الوزن فيه فهو فن محتاج للخبرة والدربة وادامة النظر وما اظن تجربة الشعراء الشبان فى منحاهم الجديد مجنبة لهم للكثير مما عاناه الشعراء " الملتزمون "
على ان اللغة فى شعر الشعراء الجدد مادة اكتسبت طرافة وجدة ، وربما كان لهم دلالات جديدة لالفاظ قديمة فقد توسعوا فى المجازات والاستعارات كما اشرت فى الكلام على شعراء الشباب فى موضع آخر . فالشاعر هو الذى تتطور على يديه اللغة وهو الذى يمد الالفاظ بمعانى جديدة لم تكن لها كما تقول نازك الملائكة ( 12 ) ، وهى تعرض للغة فتزعم انها ابتليت باجيال من الذين يجيدون التحنيط وصنع التماثيل ، فصنعوا من الفاظها " نسخا " جاهزة ووزعوها على كتابهم وشعرائهم ، دون ان يدركوا ان شاعرا واحدا قد يصنع للغة ما لا يصنعة ألف نحوى ولغوى مجتمعين.
ويحسن بنا ان نعود للشيخ الجرجانى ليست الشاعرة الثائرة بقوله ( 23 ) : " واذا عرفت هذه الجملة فهاهنا عبارة مختصرة وهى ان تقول المعنى ومعنى المعنى ، تعنى بالمعنى المفهوم من ظاهر والذى تصل اليه بغير واسطة و"بمعنى المعنى " ان تعقل من اللفظ ثم يفضى بك ذلك المعنى الى معنى آخر كالذى فسرت لك " .
فالقدرة الايحائية للكلمة العربية ، والتى يريد الشبان ان يبعثوها طريقة على نمط جديد قد فطن لها الاقدمون الطيبون. ومعنى المعنى الذى ذكره الجرجانى ما يدرك بالحس المرهف والخيال المحلق والفكرة النافذة فانت تقرأ قول الخنساء ( 14 ) تنوح وتبكى اخاها فتقول :
وقائلة والنعش يسبق خطوها
لتدركه يا لهف نفسى على صخر
الا ثكلت ام الذين غدوا به
الى القبر ماذا يحملون الى القبر
وتقف عند اداة الاستفهام " ماذا " لتذهب غائصا فى " معنى المعنى " الذى يهمس فى قلبك همسا رقيقا ، ومثل ذلك قول الآخر :
لم انس يوم الرجل عبرتها
وطرقها فى دموعها غرق
وقولها والركاب واقفة
تركتنى هكذا وتنطلق
واريدك ان تقف معى على اشارة الشاعر " هكذا " لتستشعر الجمال الذى يدعك فيه ، ومن هنا تبدو وجاهة قول الشيخ الجرجانى - رحمه الله -
ولا بد من كلمة اخيرة اعود فاقول فيها ان للشعر لغته الخاصة التى يتطلب منها ان تكون مستوفية الشروط التى اشترطوها لتستقيم فى مكانها جميلة نضيرة ، وهو بحكم قيوده محتاج الى العمل والنظر وكد الذهن والى نوع من الاصطفاء والاختيار ولا اريد ان اسرف فى هذه الناحية فانفى عن الشعراء البديهة المنطلقة والادراك السليم والاهتداء الى مواطن الحمال بالفطرة السليمة ولا اريد ان اخط منهجا كالذى اختطه " العلوى " فى صناعة الشعر ( 15 ) فى قوله : " فاذا اراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذى يريد بناء الشعر عليه فى فكره نثرا ، واعد له ما يلبسه اياه من الالفاظ التى تطابقه ، والقوافى التى لا توافقه ، والوزن الذى يسلس له القول عليه . فأذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذى يرومه اثبته ، واعمل فكره فى شغل القوافى بما تقتضيه من المعانى على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه ، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه ، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله ، فاذا كملت له المعانى وكثرت الابيات وفق بينها بابيات تكون نظاما لها وسلكا جامعا لما تشتت منها " .
وما اظن احدا لا يدرك عقم هذا المنهج ، وانه يجعل من صناعة الشعر صناعة تشبه صناعة النجار اذا اراد ان يصنع كرسيا فانه يستحضر الادوات والمواد ويبدأ فى هذه العملية الآلية التى يضيع فيها الفن ، وتنعدم السليقة .
