بين يدى الآن العدد الجديد من مجلة المنهل التى تصدر بجدة . وكلنا يعرف قيمة المنهل الثقافية والفكرية وتاريخها الحافل بالنشاط الادبي في المملكة العربية السعودية طوال ستة وعشرين عاما .
وبعددها الصادر فى أول شهر المحرم الجارى تبدأ مجلة المنهل عامها السابع والعشرين بموضوعات قوية وبحوث فكرية قيمة لتغذى القارئ العربى بثقافة راقية وعلم وفير . .
ومثلما احتفينا باليوبيل الفضى للمنهل فى مثل هذا الموعد من السنة الفائتة يسعدنا ان تظل المنهل منهلا عذبا للفكر والادب ونهئ مؤسسها الاستاذ عبد القدوس الانصاري على ما يبذله لتحسين أبواب المجلة ورفع مستواها باستمرار .
وقد تضمن هذا العدد من المنهل موضوعات شتى ودراسات أدبية وفكرية قيمة منها دراسة ممتعة عن ) الكوميديا الالهية ( للاستاذ ياسين السماديسي . . وفي هذا البحث يعرض الكاتب الى ناحية طالما شغلت اهتمام المفكرين والباحثين وهى تبيان المصادر التى استقى منها الشاعر الايطالى دانتى موضوع رحلته الشهيرة فى عالم الفكر والخيال . . ولقد كان الشبه الذى يبدو بين ) الكوميديا الالهية ( للشاعر الايطالى وبين ) رسالة الغفران ( لابي العلاء المعرى ، سببا فى تصدى كثير من الباحثين
عن مصادر ) الكوميديا الالهية ( المصادر الحقيقية لها .
وفي هذا البحث للاستاذ ياسين السماديسي ، ينقل رأيا لمستشرق اسبانى هو ) آسين بلاسيوس ( . فلقد وضع هذا المستشرق كتابنا قيما أسماه ) الاسلام والرواية الالهية ( يؤيد فيه الرأى القائل بان الشاعر الايطالى ) دانتى ( قد اعتمد على المصادر الاسلامية فى وضع رائعته الفكرية الشعرية ، مثلما اعتمد الغرب فى كثير من جوانب ثقافته على الحضارة الاسلامية التى نهل اهل الغرب من معينها واستمدوا منها مقومات ودعامات حضارتهم الحديثة . .
ولم يعوز المستشرق الدليل ولا البراهين ، فلقد أسهب فى استقصاء وتتبع المنابع الاسلامية التى نهل منها الغرب حضارته بل لقد توسع فى هذا الباب بعيدا فكشف عن أسباب تغلغل الفكر العربى فى اوروبا عن طريق كثير من الوسائط والعلائق بين العرب والشعوب الاوروبية ومنها التجارة والحروب الصليبية وحكم العرب فى اسبانيا وصقلية . وعن طريق هذه الوسائط واحتكاك العرب بأوروبا استطاعت الحضارة العربية الاسلامية ان تبسط نفوذها على العالم الغربى القديم وكان لدانتى الشاعر الايطالى الكبير نصيب من هذا المعين الاسلامى الدافق الذي ظهر واضحا فى رائعته الادبية العظيمة ) الكوميديا الالهية ( .
هذا وفي العدد المذكور من المنهل دراسات قيمة اخرى جديرة باهتمام القارىء العربى منها مقال عن ديوان القلائد للشاعر السعودى محمد السنوسى كتبه الاستاذ محمد سعيد العامودى ومقال آخر لسعادة الشيخ احمد بن ابراهيم الغزاوى ومقالات كثيرة اخرى لكتاب المنهل الممتازين
اما الآن فلنتتناول مجلة اخرى من المجلات العربية وهي مجلة الفكر التى تصدر فى تونس .
موسيقى تونسية ان وجدت
مجلة ) الفكر ( من ارقي المجلات العربية مستوى فى تونس واكثرها عناية بالبحوث الفكرية والأدبية والفنية ، وهى تصدر عشر مرات فى السنة باشراف مؤسسها ومديرها الاستاذ ) محمد مزالي ( .
وبين يدى الآن العدد السابع من ) الفكر ( وهو حافل بالمواضيع الادبية والقصائد والقصص . ومن حسن الحظ ان فى هذا العدد دراسة عن اتجاهات الشعر التونسي الحديث للاستاذ محمد الحليوى ، اذ ان المستمعين يهمهم ان يطلعوا على نهضة الادب والشعر بنوع خاص فى البلد العربى الشقيق
وفي المقال الذي هو تكملة لدراسة سابقة فى هذا الموضوع يحدثنا الاستاذ الحليوى عن اتجاهات الشعر فى فترة الكفاح والجهاد عندما كان الشعب التونسى الشقيق يثور فى وجه الاستعمار مطالبا بحريته واستقلاله . . فيقول الكاتب بأن الشعر التونسى فى هذه الفترة قد صور معركة الكفاح تصويرا رائعا وسجل مشاعر الشعب المناضل وخلد بطولاته وبث فى النفوس روح التضحية والفداء . .
وهو في هذا المقال يستعرض نماذج ادبية لمختلف الشعراء . ونراه وهو يعدد
الشعراء الذين يستشهد بشعرهم يكثر من الاستشهاد بنماذج من ) الشعر الحر ( على الرغم من أنه يقول فى نفس المقال عندما ذكر اسم الشاعر ) عبد المجيد المطوى ( وعلى الرغم من البحث كما يدل العنوان يشير الى ان الموضوع هو ) اتجاهات الشعر التونسى الحديث ( نراه يقول :
واستمع اليه يصف لقاء الفتية مع المغتصبين فى هذا النثر الذى لا نجرؤ على نعته بالشعر لانه تحلل من كل قيود الشعر :
وأخيرا تاه الليل الضرير
فى مفازات النهار العريضة
فجاء الاغراب الاشقياء
وبين ايديهم معدات الحفر
ومن خلفهم جنود غلاظ
تداعب ايديهم الخشنة
بنادقهم الصلبة . .
ودوى الرصاص ،
رصاص الاغراب الاشقياء
لكن الجموع العزلاء لم تعرف التقهقر والهزيمة
فتقدمت تتحدى البنادق والآلات الصماء
وعلى الرغم من عدم اعتراف الكاتب بالشعر الحر يورد نموذجا آخر لشاعر تونس يصف ليلة من ليالي الرعب التى قتل فيها السفاحون جماعة من الثوار الاحرار . اما الشاعر فهو ) الشاذلى زوكار ( واما الابيات فهي التالية :
الآن قد طلع الصباح . .
والآن قد طلع الصباح . . لا شئ غير
صدى النواح
ودم الضحايا في المدينة والسفوح
شفق يشع وراءه نور جديد . . سيفور
فى تلك الجراح
ويزيل رعب الليل والخوف الشديد . .
وينير هاتيك البطاح
ويستمر الكاتب فى عرض نماذج من الشعر الذي صور كفاح الشعب التونسي ويورد طبعا بعضا من الشعر التقليدى ولعل من ابرز الاتجاهات فى الشعر التونسى فى تلك المرحلة من حياة الكفاح نشوء لون جميل من الشعر طالما اشتاقت قيثارة الشعر العربى الى الترنم به وترتيله واعنى به الشعر القصصى . . ولعل الكاتب قد اجاد حين ابرز رائعة الشاعر التونسي ) منور صمادح ( التى يروى فيها حكاية الجهاد البطولى فى اسلوب مشوق يذكرنا بأسلوب عمر بن ابي ربيعة مع اختلاف الموضوع طبعا . .
وفي العدد كذلك بحث جديد قيم عن ) الجاحظ السياسي ( للاستاذ احمد خالد ، وفيه يلقى الكاتب ضوءا ساطعا على اتجاهات الجاحظ الشعوبية والسياسية من خلال آثاره المختلفة .
والآن هيا بنا الى القاهرة . . ومن القاهرة نشترى العدد الثالث من مجلة ) الكاتب ( الشهرية التى بدأت بالظهور منذ ثلاثة أشهر . .
أول ما يطالعنا فى هذا العدد بعد الموضوع السياسي عن مشكلة لاوس قصة تاريخية جميلة تستطيع ان تعتبرها قصة وتستطيع ان تعتبرها بحثا تاريخيا وتستطيع ان تعتبرها بحثا اجتماعيا فى آن معا . . والقصة هى : ) مع الاميرة عائشة فى قصر الحمراء ( للاستاذ سامي الكيالي . . وحوادثها تدور فى مدينة غرناطة بالاندلس فى أواخر عهد الحكم العربي بأسبانيا . . فالكاتب ينقلك إلى جو ممتع رائع تختلط فيه السياسة والعواطف والمكائد والدسائس بالاضافة إلى صورة أمينة لواقع حياة العرب فى أواخر ايامهم بالاندلس . .
ومقال آخر قيم حفل به هذا العدد وهو : ) فى البحث عن اصل الجمال ومعناه ( للدكتور سعد المنصورى . .
فبعد ان يستعرض الكاتب اختلاف اذواق الامة الواحدة في تقدير القيم الجمالية وكذلك اختلاف الامم فيما بينها لمعايير الجمال عندها وارجاع اسباب ذلك كله الى اختلاف البيئات فيما بينها يشير الى ان هناك قيما جمالية تلتقى عندها كل الامم رغم اختلافها . . ويقول الكاتب في ذلك :
تطورت فكرة الجمال وازدادت عمقا وتعقيدا فى وقت واحد . . خاصة عندما ميز الفلاسفة بين شكل المادة وجوهرها . . الشكل المتغير الذي لا يستوعب الا بالحسن ، والجوهر الثابت الذى لا يحس الا بالفكر المطلق ، وعندما اصبحت فكرة الجمال عندهم هى الاتحاد بين الجوهر والشكل . والجمال الذى نحسه فى شكل ما هو جمال جزئي غير متكامل ، لان الجمال الكامل هو الاتحاد الكامل بين الحقيقة الابدية وكل ما يمكن ان يوجد من اشكال . . وتدرجت فكرة التمييز بين الجوهر والشكل الى ان جوهر الشئ غير مقيد بمادته او شكله . . فالمهندس مثلا يرى جمال البيت قبل ان يبنيه المقاول ، لان القيمة الجمالية للبيت غير مرتبطة بما يبنى من طوب او حجارة ، والا كانت الحجارة في حد ذاتها جميلة . . والفكرة التى حددت شكل البيت واكسبته جماله قد وحدت فعلا قبل ان يبنى ، وجدت فى خيال الفنان وفي فكره ، فالفكرة هى التى حملت اصل الجمال وليس البناء المتغير بتغير الزمان والمكان . . والفنان عندئذ هو من تتولد فى مخيلته اسباب الجمال وعناصره قبلما يخرجها الى الناس فى اشكال الفن المختلفة . .
موسيقى
ومن القاهرة ايضا نشترى العدد الاخير من مجلة " كتابي " وفيها بحث قيم عن الفيلسوف الاسلامى الكبير الغزالي كتبه الاستاذ عبد الجليل حسن .
فى هذا المقال القيم مقارنة بين الغزالي وعدد من فلاسفة الغرب امثال ديكارت وكانت وهيوم ، ويقول الكاتب عن الغزالي وهو يقارن فلسفة الشك عند الغزالي وديكارت :
لقد اتخذ الغزالي الشك منهجا للوصول الى الحقيقة . والشك عنده هنا منهج عقلى ونفسى . وهذا هو الفرق بينه وبين شك الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي جاء بعد الغزالي بخمسمائة عام . اذ ان شك ديكارت ذهنى عقلي فقط يتيح له تخليص الذهن من الآراء السابقة حتى يطمئن الى حقيقة واحدة هى وجوده من خلال شكه . فهو يبنى مذهبه على قوله : " انا افكر فأذن انا موجود " اما الغزالي فيقيم شكه على هذا المنهج العقلي الذي يتخلص من الآراء السابقة غير مسلم الا بالحقيقة الجلية الواضحة ، ولكنه يفترق عنه فى أنه أعمق منه ارتباطا بالنفس وتأثيرا فيها ، لانه يخلص من شكه " بنور
قذفه الله تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح كنوز المعارف " كما يقول الغزالي .
وكذلك يقف الغزالي موقفا مشابها من الفيلسوف الالمانى المشهور ) ايما نويل كنت ( حين اثبت عجز العقل عن معرفة كنه الاشياء .
اما كلام الغزالي عن السببية وتحليله لها فيكاد يكون بنصه كلام الفيلسوف الانكليزى ) ديفيد هيوم ( . فالغزالى حين يقول متحدثا عن المعجزات :
" إذا انت ادنيت قطعة : من القطن من النار فاحترقت ، فليس هناك ما يجعلك تقول ان النار هي سبب الاحتراق ، اذ كل ما تستطيع ان تقوله هو انك شاهدت القطن يحترق عند ملامسة النار له . فهناك مجرد تعاقب حادثتين واقترافهما معا . ولا حق لك فى ان تزعم ان الحادثة الاولى هي سبب الثانية كما يقول قانون السببية فالعملية هذه ليست سوى تتابع لحوادث حكمنا بسبب العادة والمألوف وتكرر المشاهدة بأن الاولى منها سبب للثانية .
وهذا عين ما قاله الفيلسوف الانكليزى دفيد هيوم " بعد الغزالي بأكثر من ستة قرون .

