الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

في مرب النغم، أو خواطر حول الموسيقى العربية

Share

لعل أبرز ما تختص به الموسيقى الاوربية الكلاسيكية - من بين خصال عدة - ميزة التصوير والتخييل وبراعة النسج والتأليف فهى ليست مجرد تعبير عن عواطف وأحاسيس - كما هو شأن الموسيقى عندنا - بل هى مع ذلك وفوق ذلك تخاطب كلا من العقل والخيال

ان الموسيقار الكلاسيكى لا يكتفى بالتعبير عما تثيره فى نفسه مشاهد الحياة واحداثها من فرح وغم وغضب وارتياح وقلق وحماس . . عواطف مجردة وخلاصة أحاسيس منقطعة عن دواعيها غير موصولة ببواعثها وأسبابها انه لا يقتصر على اشعارنا بمحض السرور والرضى والغضب وانما همه ووكده ان يشعرنا بالواقع الذى حرك احساسه - لا الجو النفسى المجرد فحسب - ان يغمسنا فى هذا الواقع ، لكن عن طريق الرمز والتمثيل والايحاء ، حرصا منه علم التعبير عن شخصيته التعبير الاكمل وحتى نشاركه بكياننا كله مشاركة ندرك فيها احساسات الفنان وأخيلته وخواطره وميوله

نعم  التعبير عن الشخصية تعبيرا كاملا ذاك هو هدف هذا النوع من الفن ومطمحه البعيد . واذا قلنا الشخصية فهى الشخصية المثقفة وما تستتبعه الثقافة الراقية من قوة الوعى وشدة التعقيد واتساع أفق الفكر

فلا غرو أن تتطلب مثل هذه الموسيقى من المستمع موقفا شديد الاختلاف عن موقف عامة الناس من موسيقاهم ، وتقتضى منه كيفية خاصة من الاصغاء ومشاركة غير المشاركة المعتادة فى فن السماع .

وحسبك - لتحقق ذلك - تجربة يسيرة بسيطة ففي حين ترى امكان سماء الموسيقى العربية - او الاوربية الخفيفة - وأنت مشغول الذهن مقسم الخاطر فتستطيع أن تتذوقها الى حدما دون كثير عناء او مشقة ، يمتنع ذلك عليك تماما اذا رمت أن تصيب - فى مثل هذه الحال - شيئا من الموسيقى الكلاسيكية ، فهى الفوضى والنشاز والضوضاء ان لم توفق الى النفاذ الم رموزها وأسرارها . . أصوات متصادمة غليظة نابية صارخة معولة تتوقف فجأة لغير داع وتجمح تارة فتركب رأسها وترتفع الى ما هو أشبه بالزلزال والانهيار .

ان هى الا محض دوى صورة تافهة زرية لا تعنى شيئا نشاز لا مبرر له . قعقعة تزعج النفوس وتؤذى الاسماع .

وما ذلك فى الحقيقة الا دليل على ان الانسجام العاطفى أيسر وأقرب منالا من الانسجام الخيالى أو العقلي ، فكيف اذا كان الانسجام المطلوب هو انسجام الكيان كله وتضافر الملكات جميعا .

قد كلف الفنانون الاوربيون الموسيقى فوق طاقتها وما كادت أن تنوء به . لقد أرادوها لغة جامعة تفي بجميع الفنون . فيها الرسم والرقص فيها القصة والشعر بل فيها أيضا خطرات من حكمة ونفحات من فلسفة فاحتاج هواتها كى يتذوقوها ملء نفوسهم ويستوعبوها غاية الاستيعاب الى التوفيق بين قوى النفس من شعور وخيال وشىء غير قليل من حدة الذهن وتجمعه واكتنازه . كالقصيد من الشعر العالى الرفيع لا قبل لك بأن تظفر بحسنه الا اذا نظرت اليه - ساعة الانشاد - نظرة تأليف وتحليل معا فلا تشغلك الكل عن الجزء ولا يذهلك التفصيل عن الجملة ، فيجتمع في نفسك حذر اليقظة ولين الاستسلام . . . شئ من قسوة العقل والكثير من سماحة العاطفة وتوثب الخيال

انها حال من " الهداية " والتوفيق وسط بين اليقظة الذهنية النيرة الحادة وبين ضفاف اللاوعى المعتمة ، حالة من التوازن الرائع الدقيق الذى لا تكاد تستقر عليه النفس طويلا ، وانما هو كسب مستمر وظفر متجدد مستعاد فكان العسر وكان الغموض الذى يبلغ أحيانا حد الانغلاق والامتناع مما دعا الكثير من الناس ، وحتى المثقفين ، الى استهجان هذا النوع من الفن ونكران فضله ، فهو عندهم ضرب من اللهو العقلي المترف . . لغة اصطلاحية وقف على فئة قليلة من الخواص اصطنعها لهم بعض الفنانين تحذلقا واغرابا أما عسرها وخفاؤها فأمر لا طائل تحته ولا موجب له فهو العبث يقع جزافا واعتباطا .

ولا غرابة ولا اشكال فى الامر اذا أدركنا موقف الموسيقار الكلاسيكى من فنه ومن الوجود معا وعرفنا الطريقة التى يتوخاها لتحقيق مرامية وأهدافة

من حيث الموقف فقد طمح الفنان الغربى جهده الى ان يرفع موسيقاه الى مستوى الكون أجمع أعني أن يتسع فنه للانسان كله والطبعية بأسرها فيحفل بما لا يحصر من المعاني عدا واختلافا فمن أنسام مترنحة عابئة تلاطف السمع والنفس ومياه تئن قطراتها كأنها البلور الناطق الحى الى زلزال أرعن وانفجار أهوج حتى تميد بك الارض ويرتج الفضاء

هذا التجاوب القوى والتعاطف العميق مع الطبيعة هو من ميزات الفن الكلاسيكى الرئيسية وهو من العوامل التى أكسبته خصوبته وغزارة مادته ونضارة ألوانه .

ان هذا الفن ليس مقصورا على الانسان وعواطفه بل هو يتجاوز الانسان ويتخطاه فيشرف على العالم الخارجى ويعطينا منه صورة شعرية رمزية بل قد يشعرنا بملامحه وخطوطه وأشكاله وظلاله وانواره فى حال انسابها وتدافعها واهتزازها وسكونها وكأننا نبصر هذه الرؤى فى شبه هالة أو ضباب نورانى ، من خلال حجب تشف وتكثف ، تزول وتبعث على رسلها كأنها ألاعيب السراب أو تهاويل السهاد

انه " مسرح " زاخر بالحركة والاحياء والاشياء لا صوت مفرد ، مناجاة منعزلة ، عناء منسدة آفاقه كما هو الحال فى الموسيقى العربية وفى كل موسيقى تغلب عليها وتطغى الغنائية الصرفة

وما أحوج موسيقانا العربية المحبوسة القوى المكبوتة الانفاس الى مثل هذا الانفتاح الرحب المشرق والى شىء من التهوية فتطلق من برجها العاجي وتقلع عن الهذيان المستمر بأهواء النفس ونزواتها والبكاء المرير على أوصابها وكلها . . نغمة واحدة مكرورة لا تنفك تحوم حول الحب فى اضيق معانيه حتى يسأم ويحتوى ويزهد فى سماعه . ( 1 )

انها بأشد الحاجة الى خلع حدود فرديتها الضيقة فتبرز الى النور وتعانق الوجود وتضحى غذاء ملقحا للفكر منعشا للروح لا أفيونا مخدرا للقوى باعثا على النوم مغريا بالنزول الى سراديب الاحلام المبذولة واللذاذات الآسنة المريضة .

أما نظر الفنان الكلاسيكى الى الموسيقى ، أما مفهومه الفنى فبين الاختلاف والتمييز عن النظر الشائع بيننا .

أليس غاية ما يطلب من الموسيقى عندنا أن تطرب ، أن تؤنق الاسماع . . أن تأخذ بمجامع الفؤاد ، أن تريح الاعصاب وتشرح الصدور وتنزل علي القلب ، كما يقال ، بردا وسلاما .

ما ذلك مبتغى الفنان الغربى وليس ذلك بمقنعه فهو ليس يهدف الى الاطراب والتأثير قدر ما يهدف الى التعبير والتخييل أو هو على الاصح يوفق بين هذين الاصلين لكل فن رفيع خالد أعنى الجمال والحقيقة . نسيج رائع لحمته الواقع وسداه حلية الفن . انه يمزج بين العنصرين أحكم مزاج وأدقه حريصا على الا يفرط شيئا - مهما تكن ضآلته - وألا يضحى بالحقيقة من أجل البهرج

فالغاية القصوى هى المعنى ، أو الدلالة معبرا عنها حسب أصول الفن وما الحقيقة ؟ وما الواقع ؟ جم لا يحصى من التجارب تنتظم شتى الاحساسات

والمواقف والصور والمشاهد والاخيلة والاطياف مما تقصر عن تسجيله الحياة الواحدة مهما خصبت وامتدت .

لذا نجد الموسيقار - على غرار صنوه الكاتب أو الشاعر الكلاسيكى - لا يلفظ أحاسيسه مادة خاما كما يجيش بها صدره موسومة بطابع الفرد مكشوفة النسبة تستروح منها نزعات الفنان الخاصة فيأنف الذوق من سفورها ويضيق ويحرج من عريها . لا بل هو يعمد الى السيطرة على انفعال قصد استغلاله ويسعى الى تحويل هذا الانفعال الى لغة صقلها الفن تهذيببا وتداولها الذوق تنسيقا .

انه يمتنع من البوح الصريح والمناجاة المباشرة ويتحامى جهده أسلوب السرد والحكاية ، ولن تراه يتعجل تيار القريحة ان آلمه وألح عليه ضغطه فعمد شأن الضعاف من الفنانين الى التحرر . . . الى التخلص فى أوجز وقت ، وكيفما كانت الحال ، من دفق العواطف وزحمها فيلين لها ويفتح دونها باب البوح والافضاء على مصراعيه

انه - على العكس من ذلك - يغذى قلقة ويخصبة و يتنمية ملتذا اياه موسعا فى أفقه ويفقده في النهاية غلظة " الأنا " وقساوتها ويضمن لفنه  مزيدا من القوة والفاعلية - مع اقتصاد فى الوسائل واحتشام فى الصياغة - بأن يتقمص الكائنات جميعها وينطق على لسانها ويختفى وراءها فيكون بذلك للانسان والطبيعة أصدق ترجمان ويكسب الموسيقى من الثراء والعمق والشمول ما لا يكاد يتفق للفنون الاخرى

يعرض لك - مثلا - أن تصغى الى مسرحية غنائية opera ) ( فيخيل لك بل تحس - لا سيما عند سماع الكورس (choeur)  -  كأن شيئا يطوف فى الفضاء ويرود مصوبا مصعدا . أى شىء هو ؟ عربات مجنحة ، تحليقة أسراب خفية من عمالقة الطيور .

ثم الاحساس بأنك تندمج شيئا فشيئا وتنسلك فى هذه الدورة الموقعة الموزونة كأنها رقصة الافلاك ، ويتسرب اليك دوارها الرفيق

واذا بالانغام تخرقك وتتخللك . . كائن شفاف أنت . . لا كثافة ولا ثقل ويحمل التيار الصوتى قهرا فتسفل صعدا وترتفع الى هوة بعيدة القرار .

احساس أخاذ بليغ حاد بالفضاء أبعاده الثلاثة . فضاء يمور مورا ويخفق حركة دائمة .

والصمت في الموسيقى السنفونية ! رهبة الصمت وجلاله او بشاشته وأنسه . صمت يعمق ثم يعمق ويغور ويتسع ويموج بالاسرار فكأنه

الهيكل المظلم تترنم أرجاؤه همسا لا يكاد يبين أقرب الى الوهم منه الى الحس . . كالحفيف أو الصدى المكبوت الذاوى ، فكأنك تلمس ، تجس " حجم " الصمت وتقيس وتدرك سمكه واتساعه ومداه .

لقد تفطن الفنانون الغربيون منذ زمن بعيد الى ما فى الاصوات - علاوة على صبغتها وقيمتها الجمالية - من طاقة ايحائية ( خاصة اذا نسقت على هيئة محصوصه وأحكم نسجها ) واستغلوا هذه الميزة أبعد استغلال وأخصبه مما لم تنتبه اليه نحن الشرقيين حتى فى ميدان الادب الا القليل منا وقد ضاع صوته ولم يكن له أثر يذكر ( 2 )

هذه الظاهرة هى ارفع ميزة فى الفن الكلاسيكى وهى شبيهة بصفة " النتوء " او " العمق "( Relief - perspective ) فى الرسم

ولم تتم هذه الخصلة الا بفصل ما أوتينه هذه الموسيقى من تعدد العناصر وتباينها وتشابكها وانتظامها فى هندسة دقيقة معقدة رائعة الاحكام ( Contrepoint - harmonie , fugue ) ثرية بالصور والاوزان . .

كاللوحة متناسبة ألوانها رغم اختلافها وتباعدها متآلفة ظلالها وانوارها . . وكالبناء تروعك فخامته وتكاد تنوء بعظمته ولكنك تطرب وترتاح الى تناسق نسبه وأحجامه وانسجام خطوطه وأشكاله

فلا بدع اذن أن تكون القطع الكلاسيكية - وعلى الاخص السنفونبات معينا لا ينضب من غريب الاخيلة ومتنوع الاحاسيس وطريف المفاجآات . . خلقا يجدد فى كل آن . . . " لغزا " يبسط ويحل معا فى كل لحظة . وليس ثمه شىء ثابت نهائى الا النغمة الاصلية تضيع وتدرك من خلال الكثرة الموحدة والشتات المنظم

وانك لتشهد - وانت فى أوج سماعك - انبثاق الالحان وتفتحها ونشوء النغمة الموافقة المطلوبة انتظرتها مليا - فى غيابات نفسك - واستبطأتها ورجوتها فاذا هى تتحقق وتتجسم وعليها طابع الجدة والغرابة ومسحة الطرافة والبكارة وان كنت قد توقعتها فى مثل اليقين شأن العاشق المتأكد من مجئ حبيبته ولكنه ينتظرها فى حيرة ولهفة فاذا طلعت عليه فكانها زفت اليه عرضا . . .

نعم " لعبة الانتظار والمفاجأة تلك هى الموسيقى ( كما عرفها بعض ألادباء الاوربيين ) وان أصدق ما يقال فى روائعها ما أنشده النواسى . قال :

تأمل العين منها              محاسنا ليس تنفذ

الحسن في كل جزء         منها   معاد   مردد

فبعضـــه     يتناهى            وبعضـــه      يتولد

وكلمات عدت فيــــه          يكون بالعود  أحمد

ملحق لما ورد فى المقال من تعليق وشواهد

جاء فى المثل السائر - ج 1 ص 178 : " وبعد هذا ، فاعلم ان الالفاظ تجرى من السمع ، مجرى الاشخاص من البصر ، فالالفاظ الجزلة تتخيل فى السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار . والالفاظ الرقيقة تتخيل كاشخاص ذوى دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج ٠٠

وجاء أيضا فى الجزء 2 من نفس الكتاب ص 369 : " اذا خاض ( أى المتنبى ) فى وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى تظن الفريقين قد تقابلا والسلاحين

قد تواصلا " غير أن الاديب الوحيد الذى أحس بهذه الخاصة الايحائية فى الموسيقى وأبدع فى التعبير عنها هو ابن الرومى وقد سبق الى هذا المعنى الشاعر الفرنسى Buddeire  انظر قصيدته  Correspondances

قال واصفا احدى القيان :

ذات صوت  تهزه كيف شاءت        مثلما هزت الصبا غصن بان

يتثنى فينفض الطل عنه                 فى تثنيه مثل حب الجمان

ذلك الصوت فى المسامع يحكى    ذلك الغصن فى العيون الروانى

اشترك في نشرتنا البريدية