الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

في مقومات الشخصية التونسية :، حول معاني المقومات والشخصية والامة

Share

في المقومات الثقافية

عندما يتجه البحث الى استكناه مقومات الشخصية التونسية تعترضنا صعوبة لا مناص من تخطيها وتذليلها وهو شرح معنى المقومات وان كان يظهر لاول وهلة واضحا لا يحتاج الى بيان . فعبارة مقومات تعنى ما تقوم وتنبني عليه الشخصية التونسية من أسس وهياكل . ولكنها تقتضى من التدقيق فى حدودها ونوعها . فهل سنقتصر على المقومات الجغرافية فقط أو التاريخية أو النفسانية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها مما ترتكز عليه حياتنا بصفة عامة فى مختلف الأزمان ومتعدد جهات أرضنا الطيبة . وهذا يدعونا الى أن نختار فترة معينة وجهة مخصوصة لنسلط عليهما أضواء من عين واحدة من عيون المعرفة . وهذا هو فى الواقع العمل العلمي البحت الذي يعتمد الدراسات المفردة التى يقوم بها عشرات الباحثين ثم يقع التأليف بين القاسم المشترك من خصائصها . عند ذلك يمكن أن نقرر أن هذا المقوم أو ذاك هو الدائم القار المتكرر على مر الدهور بالنسبة لشعبنا وأمتنا . وبما أن هذه الدراسات لم تستوف جميع فترات تاريخنا ولم تستوعب بالبحث كافة جهات أرضنا فانه من المتحتم أن نتجه الى الافتراض بصورة مبدئية وأن نقول بوجود مقومات قارة ثابتة لهذه الأمة ونقصر نظرنا فى نوع واحد من المقومات يتحكم بصورة أو بأخرى فى غيره من المقومات أو هو يكون نتيجة وحوصلة المقومات الاخرى .

لقد استقر رأى علماء الاجتماع على أن : " أفراد المجتمع مجبرون - رغم الفوارق الموجودة فى السلوك الناتج عن الفوارق المتأتية عن مختلف الادوار التى يقومون بها - على أن يساهموا فى مجموعة ضخمة من النماذج الثقافية وان يقبلوا سلما من القيم المشتركة . وان تواتر هذه النواة الثقافية هو الذي يتيح لأفراد المجتمع امتلاك نوع مشترك من الفهم ويتيح للمجتمع البقاء رغم تجدد عناصره المطرد (1).

كما انه من المفروغ منه انه : "لا يمكن لمجتمع ما أن يدوم ردحا من الزمن ولا أن تسير أحواله بصورة مرضية لحظة واحدة اذا لم يتوفر فى الثقافة المربوطة به بعض الشروط : إذ عليها أن تملك تقنيات قادرة على تلقين نسق قيمها لأفرادها الجدد وأن تهيئهم لأخذ مناصب معينة فى صلب هذا الهيكل . كما أن عليها أن تحمل تقنيات قادرة على مكافأة كل سلوك يرضاه المجتمع وإحباط كل سلوك لا يستسيغه ، ثم من الواجب ان تكون نماذج السلوك منسجمة الواحدة مع الاخرى حتى لا يحدث التضارب وتنشأ القطيعة وحتى يقع منع كل ما من شأنه أن يفسد هذا الأنموذج ذاك السلوك . وهكذا فان كل المجتمعات اتخذت لنفسها ثقافات خضعت لهذه الشروط وهذا لا يشك فى أمره رغم أننا لا نملك الى اليوم سر تكون هذه الظاهرة ( 2 ) .

وهذا دليل على أنه مهما كانت وجهة نظر الباحث ومهما كان اتجاهه فانه لن يستقيم له البحث اذا هو لم يقرأ حسابا للظاهرة الثقافية ، بل إنه يمكن أن نمضى الى ابعد من هذا وان نعتبر الظاهرة الثقافية هي المتحكمة فى بقاء المجتمعات إذ لا يمكن لمجتمع ما ان يكتب له البقاء أو على الأقل الازدهار اذا هو قصر نظرته فى الحياة على الناحية الاقتصادية أو غيرها مجردة عن اختيار نوعي لفلسفة أو مذهب معين . فالاقتصاد مثلا مهما تحكم فى ضمان رزق أفراد المجتمع لابد أن يوجد لنفسه توازنا ما وهذا التوازن لا يتأتى إلا عن طريق معايير ثقافية وجملة من القيم بدونها لا يستقيم أمر .

وهذا يجرنا إلى الاقرار بأن الاقتصار على المقومات الثقافية للشخصية التونسية يمكن أن يكون انطلاقا لموضوعنا على أنه ليس من المستبعد أن نحتاج فى تحليلنا الى عناصر جغرافية وتاريخية واجتماعية وغيرها .

وفي انتظار ذلك ننتقل الى العنصر الثاني من موضوعنا وهو عبارة شخصية والشخصية التونسية بالذات .

بين العقلية والشخصية

فنحن اذا قلنا الشخصية التونسية فاننا نعني ضمنيا إنتسابنا إلى أمة تسمى الأمة التونسية . وكما أن الفروق بين العقلية فقط والشخصية معروفة

لدى العارفين بعلم النفس فان الفروق بين مفهوم الشعب ومفهوم الأمة متداولة أيضا .

ولكن رغم ذلك فانه ليس أعقد من هذه المفاهيم التى اختلف فيها العلماء وراح كل واحد منهم يعتمد فى سن تحديداته على تجارب خاصة . على انه يحسن بل يجدر أن نختار من بينها ما يلائم بحثنا إذ ليس همنا هو التعريف بالنظريات فقط بل غايتنا القصوى هى خدمة فكرة معينة . ولهذا فانى اعتبر مفهوم العقلية يتماشى مع مفهوم الشعب ومفهوم الشخص فقط بالنسبة للفرد فاذا هو سما وأصبح يمتاز عن غيره فى المجتمع بخصال تجعله نسيج وحده أمكن إطلاق عبارة شخصية عليه وليس فى هذا معنى العين من الأعيان بل أقصر تعبيري على التحديد النفسانى إذ كم من عين من الأعيان معروف بماله أوجاهه أو سلطته ولا يملك شيئا من الشخصية وكم مغمور فقير ولكنه يتمتع بشخصية فريدة . كذلك فانه يمكن أن نقصر كلمة عقلية على الشعب أو المجتمع فاذا هو سما وارتقى الى درجة أمه جاز لنا ان نطلق عليه عبارة شخصية .

" فالعقلية " ، اذن ، هى نوع من التأليف الديناميكى الحى لكل مجتمع . فهو ديناميكى الى اقصى درجة لأنه متأصل فى كل فرد من أفراده ويكون الدافع لسلوكهم وتفكيرهم ، وكذلك فهو يتحكم فيما يخلقونه إذ بحسبه توضع مشاكلهم ومشاغلهم ( 3 ) .

" ذلك انه من الملاحظ أن وراء كل الفوارق الموجودة بين الأفراد تكمن نوع من الثمالة النفسانية قارة مكونة من الاحكام والمفاهيم والمعتقدات التى يتبناها كل أفراد المجتمع الواحد . وهذه المجموعة هي التى تكون الهيكل العقلي النوعى لكل حضارة " ( 4 ) .

فالعقلية اذن بالنسبة لشعب من الشعوب أو لمجتمع من المجتمعات هي القارة الباقية على مر الدهر لا تتغير فى جوهرها بل تتحول وتتشكل بصور عديدة ولكن تبقى هى المسيرة المتحكمة ، وقد تتفاقم أو تتضاءل حسب الظروف والملابسات زمن الحرب أو السلم وهى الكامنة فيها العيوب والمحاسن وإن كانت هذه الخصال تنقلب من الحسن الى القبح حسب التغيرات والمؤثرات التى تنشأ

عن تأثير بطل من الأبطال . وهكذا فان العقلية هى التى تكون بمثابة طابع المجتمع المميز له .

غير أنه يمكن أن يلاحظ المتتبع لهذه المظاهر أن المجتمع او الشعب عندما يمر بفترة تخلص كثيرا ما تتلون عقليته وتتشكل فى أشكال عديدة تجاه ميادين الحياة المختلفة . فنجد مثلا أن عقليته تتكيف بصورة خاصة عند ممارسة المسائل الدينية وتبرز فى ثوب آخر عند تصديه للقضايا السياسية كما انه تدفعه طبقة اخرى من عقليته الى النظر فى مشاكله العلمية والمهنية نظرة مختلفة بحيث أننا نجد هذا المجتمع او هذا الشعب يخضع فى الظاهر الى عقليات متنوعة وإنما هى فى الواقع عند إنعام النظر ملامح لشخصية واحدة .

ذلك أن " الشخصية بالنسبة لمجتمع متكامل منصهر فى أمة ما هو مجموع العناصر النفسانية التى يشترك فيها كل أفراد ذلك المجتمع والتى تظهر فى مظهر أسلوب معين من الحياة متشابه أصلى على مقتضاه ينسج كل فرد نمط حياته " ( 5 ) .

واذا أردنا أن ننظر الى هذه العناصر النفسانية من الناحية العملية ومن ناحية بروزها فى سلوك الفرد نقول : " إن القيم السلوكية فى متنوع أنسياقها والتي يشترك فيها جميع أفراد المجتمع تظهر فى أشكال مختلفة من السلوك يربط بينها نظام قار . فهذه العناصر هى عناصر الشخصية وهى التى تكون نوعا متكاملا لتشكل المجتمع . وان هذا التشكل هو الذي يضفى على المجتمع أنماطا من الفهم وضروبا من القيم المشتركة ويجعله يقف من الناحية العاطفية مواقف موحدة تجاه ظروف تمس بالقيم المشتركة " .

وإنه لمن العسير جدا أن ينفذ الباحث الى كيفية تطور الشخصية ونموها وتغيرها لأن ذلك يقتضى أن يظفر بسنة واحدة يطبقها على مختلف المجتمعات وهو أمر لا يمكن أن يكون إلا على حساب نوعية هذه المجتمعات . ذلك انه ليس من غرضنا أن نبحث عما يوحد بين جميع المجتمعات الانسانية وهو مطلب قد بدأه ابن خلدون ومضى فى تقصيه علماء الاجتماع بل غرضنا هو أن نضبط ما يميز مجتمعا عن اخر وأمة عن اخرى وهو صلب موضوع الشخصية فى دوامها وحركيتها . على انه وان عسر تقصى كيفية سير هذه المجتمعات فى مظهرها الدائم المتميز أى فى شخصيتها فانه يمكن أن نستشف محتواها

ونظامها ومنجزاتها فى أوقات معينة لنتبين الأمور القارة التى تربط بين هذا كله .

وان امر الشخصية محير بالنسبة لكثير من الناس وخاصة الأذكياء منهم والنخبة المطلعة المثقفة . ذلك أن كل متعلقات الشخصية تجدها مبثوثة مسلما بها عند عامة الشعب لأنه يحبها ويشعر بها ويتجاوب معها فى نفسه ودخيلته ولا يتنحي عنها ويقاوم من أجلها وتجدها أيضا ممعقلة عند الذين اكتملت ثقافتهم ووجدوا توازنهم الذاتي وتجاوبوا مع الحياة حياتهم وحياة امتهم بعقولهم وقلوبهم . وان فى حديث الشخصية مع العقل والذكاء لبابا ينبة المثقفين والنخبة الذين آلوا على البابهم لانفوسهم أن يحيوا فقط بعقولهم وان يمارسوا شؤون حياتهم وحياة أمتهم بذكائهم وعلمهم المقطوع عن أصله المنبت كما يحلو لبعضهم أن يقول . واني لهذا الباب لوالج تذكيرا وتنبيها واشفاقا ولقد قال أحد العلماء عن الذكاء هذه الملكة التى تخول للانسان الفهم وتجعله قادرا على إدراك الروابط الفكرية وهي سليلة ملكة أخرى هى أيضا تتيح للانسان الفهم وإدراك الروابط الفكرية ألا وهى العقل قال أحد العلماء عن الذكاء والشخصية :

" غريب أمر هذين الزوجين : أحدهما قلب برجلين وهو الشخصية . والقلب له ما يكره وما يحب وله شهواته ومخاوف وسرعان ما تحمله رجلاه الى الامام أو الى الوراء . الشخصية تحس ولكنها لا تعرف ولا ترى : ولهذا فواجب عليها أن تلجأ إلى الذكاء . إذ هو الذى ينير الطريق ويبصر عندما تختلط السبل . فهو أى الذكاء يهدى الى الطريق ولكنه لا يقرر الاتجاه ذلك أن الشخصية هي التى تحول الاتجاه الى وجهة أو اخرى ، تحوله نحو المستقبل أو الماضى ، نحو الواقع أو الخيال . كما أن الشخصية هي التى تقرر الحاجة الى المجهود والاستمرار فيه . بينما الذكاء فى صحوه عاجز إذ هو يمتطى الشخصية كالمقعد على ظهر ضرير .

ولا شك انهما وليدا الطبيعة والضرورة . فنحن نجدهما منذ نشأة الحياة متأصلين فيها منغلقين فى خلية واحدة ومن الصعب التفريق بين الواحد والآخر . ثم انفصلا بعد ذلك ليقوم كل واحد منهما بوظيفته وارتقى احدهما وهو الذكاء الى القمة .

" وان فى هذه التفرقة بين الوظائف لعين التقدم . حتى أنه إن عن لاحداها أن تقوم مقام الاخرى كان التأخر . فاذا لم ترض الشخصية بأن ترغب فقط

وأخذت رغباتها مأخذ الاحكام وقع الذكاء في الاسر وتعذر عليه أن يرى الواقع كما هو ولم يسمح له الا بأن يجعل موهبته الجدلية فى خدمة قرارات اتخذت بصرف النظر عنه . عند ذلك تنغلق الشخصية ، عن اختيار ، فى ذاتية تكون جميع الاخطاء والمبالغات ممكنة ضمنها .

ويمكن أن يقع العكس ويكون الذكاء هو الطاغي . فيحجر عند ذلك على الشخصية أن تصدع بحاجاتها وتضطر الى اخفائها . وتنقلب المدوالات التى تفرضها الحياة الى مكافحة للأفكار ليس للمداولات فيها حظ العثور على حل . وتحل التمارين الفكرية محل التعبير عن الاحساس . ويفقد الذكاء وجهته وقد حرم من الاتجاه الذي تسطره الشخصية . ويظل بدون جدوى يبحث خارجيا عن مبررات للاختيار والعمل والحال أنهما كانا من الواجب أن ينبعا من الباطن . ويأتي يوم تتحكم الشخصية فى الذكاء وهو فى غفلة . وذلك من فرط ما أحكمت الشخصية التقية . وسبب ذلك هو أنه كلما وقعت أزمة بين الذكاء والشخصية أوجدت قطيعة بينهما أو حل الواحد محل الآخر كان الخسران للذكاء . إذ أن الشخصية الملتهمة فى أصلها ، والمزعزعة لمراقبة الذكاء هي طاغية من الطغاة وكذلك الذكاء الممعن فى الافكار الموغل فيها المنكر لضروب العاطفة والحاجة البدائية ينتهى أمره الى أن يصبح شبه ملك ولا ملك . وفائدة الذكاء تكمن فى ان يقبل ويفهم ويتعاون " ( 6 ) .

كل هذا للدلالة على انه لا يمكن للفرد ان يسيطر عليه ذكاؤه دون شخصيته من دون أن يختل توازنه وان تبطل فاعليته وكذلك لا يمكن أن يسيطر على أمة تصريف أمورها بذكاء وعقل مع هضم مقومات شخصيتها من دون ان تفقد فاعليتها وتصبح أعمالها عقيمة وتتحول احوالها الى اضطراب . ولنا فى تاريخ الحديث أكبر دليل على ذلك . إذ الحركة الوطنية فى أولها عند الاحتلال وبعده بقليل ارتكزت على ما في الأمة من مقومات شخصيتها ولكن ذلك لم ينفعها ثم لما تخرجت نخبة أدركت نعمة العقل والذكاء وتدرعت بما فى أصالتها من مستحكم الشخصية فكانت حركة الشباب التونسي ومقارعتها الاستعمار وانتصاراتها التى كان مآلها غضب المستعمر وعسفه . ثم بعد الحرب العالمية الاولى برز الحزب الحر الدستورى الذى سمى فيما بعد القديم وحافظ على شخصية الأمة ولكنه لم يستعمل العقل والذكاء فى مكافحة المستعمر حتى برز

الحزب الجديد بقيادته الحكيمة التى قرنت العقل والذكاء والاستجابة الى دفائن الشخصية التونسية فكان التوازن والانتصار على المستعمر .

ونحن في كفاحنا من أجل التقدم يجب أن لا يغيب عنا هذا الدرس الناجح القريب منا ويجب أن نعمل بذكائنا وعلمنا وعقلنا فى نطاق شخصيتنا بمقوماتها المتنوعة من دين ولغة وحضارة وكل ما يميز الأمة التونسية عن غيرها من الامم . عند ذلك يكون خلاصنا من الجهل والفقر والانحلال ونكون قد نمينا أعز ما نملكه فينا . أما إذا نحن تنكرنا ، بداعى المصلحة والعقل والعلم فقط لمقوماتنا من دين ولغة وحضارة فان علمنا وعقلنا وذكاءنا لا ينفعنا فتيلا وتذهب ريحنا فى الاندماج و " التفتح " الكاذب والانحلال كشأن بعض الأمم التى تجتاز الآن ازمة من أفظع الأزمات .

فى معنى الأمة التونسية

وحقيق بنا بعد هذا أن ننظر فى الأمة التونسية . هل هى بحق أمة ؟ أم هى كما يقول البعض شعب فقط لم يرتق الى درجة الأمة وهو فرع من أمة أشمل وأكبر وهي الأصل سواء كانت الأمة العربية أو الأمة الاسلامية أو الأمة العربية الاسلامية ، أو الأمة المغربية . أم هى كما يعن لمن رام الحاق شعبنا وربطه بالعالم الغني مجرد معبر لحضارات عديدة متفتحة وبالتالى هو خليط لا نوعية له فى الواقع وليس له الا أن ينصهر في العالم بكل ما يملكه من طاقات على الانسجام فى الغير وتقبل غرائبه وعجائبه .

وليس الذى أقوله هو كما يقولون من قبيل فتح الأبواب المفتوحة بل هو الذي تحتم بحثه الأزمات التى تمر بها الطبقة المثقفة التونسية وهو السبب الأصلى فى ترددنا أو عجزنا عن التغلب على الصعوبات الناجمة عن مركبات النقص وعن التفصى من الانكباب على قضايانا الأصلية درسا وتقصيا وعن الهروب من مر النظر الى أنفسنا وجها لوجه .

ولهذا قبل أن نفصل القول في مقومات شخصيتنا يجب أن نبت فى هذه المسألة ونتفق على المفهوم والمدلول اللذين يجب أن نعطيهما لهذه المجموعة من الناس الموجودة على رقعة من الارض تسمى البلاد التونسية أو إذا أردنا قلنا : هل يحق لنا أن نطلق على الشعب التونسي اسم أمة ونسفه فى آن واحد احلام المتمغربين والمتمشرقين وادعاءاتهم .

ونتساءل مع المتسائلين متى يحق لشعب أن يطمح الى تكوين أمة وما هى

شروط ذلك . لقد اتفق الفلاسفة وبالاخص علماء الاجتماع على انه لا يمكن لشعب أن يصبح أمة الا اذا " أظهر بصفة مستمرة حية ، ارادة جماعية للعيش عيشة مشتركة واذا عرف كيف يكون لنفسه الهياكل اللازمة لوجوده كأمة قائمة الذات وكذلك اذا هو أمكن له ان تكون له نوع من الثقافة ونوع من القدرة على أن يحكم نفسه بنفسه ويدير شؤونه " هذه أهم الشروط المتعارفة التى يجب ان تتوفر في شعب من الشعوب ليصبح أمة بأتم معنى الكلمة .

واذا كان من البديهى بالنسبة للكثيرين التسليم اليوم بأن هناك أمة تونسية فانه من العسير على الكثيرين أن سلموا بأن هذه الأمة موجودة منذ القدم وان هناك مدا متواصلا مسترسلا يعمل فى أناة وبطء وربما فى تعثر أحيانا ليتم في هذا القرن العشرين على صورة أمة مكتملة .

هو سؤال فى سؤالين اذن أن ننظر فى الشعب التونسى هل توفرت فيه الشروط المذكورة من جهة ومن جهة اخرى أن نبحث عن مراحل توفر هذه الشروط . فلنبدأ بالشرط الاول وهو حرصه حرصا مستمرا حيا فى ارادة جماعية على أن يعيش عيشة مشتركة .

اذا أعوزتنا المصادر الدقيقة التى تدل زمن السلم على توفر هذه الارادة فى الشعب الذى سكن هذه الرقعة من الارض وتسمى بافريقية منذ زمان قبل الاحتلال الرومانى أى فى عهد قرطاج فان هذه الارادة نجدها مبلورة واضحة فى الحروب التى شنها هذا الشعب على الدخيل وهذا لا يحتاج الى الافاضة فيه لأن كتب التاريخ زاخرة به من تكتل افريقية بعاصمتها قرطاج ضد الزحف الروماني المنظم الى الثورات التى لم تنفك تنخير الامبراطورية الرومانية والمتمثلة فى تكتل الافارقة القاطنين بافريقية الى خروجهم على الفاتحين العرب في أول الامر وتكوينهم بعد اسلام لدويلات تابعة للامبراطورية الاسلامية ، الى انفصالهم عنها واستقلالهم وتشييدهم لامبراطوريات كادت توحد الأمة الاسلامية آنذاك ، الى اقتصارهم على الاكتفاء بشؤونهم والدفاع عن حوزة وطنهم ، الى وقوفهم في وجه الاحتلال الفرنسى واقامة دولة مستقلة .

هو مد وجزر ، يبين ويغمض ، يتضح ويلتبس فى هذه الفترات كلها ولكنه فى الواقع ، إذا نحن انعمنا النظر في تاريخ هذه البلاد ، مائل صامد وان قلقلته الزعازع وللبست هذه الظاهرة خاصة بالبلاد التونسية بل ان جميع الشعوب العربية والاسلامية مرت بهذه المراحل وقد حكمت فيها الرقعة الجغرافية التى عزلت لبطء المواصلات قبائل كاملة وحتمت عليها أن تعيش

معا فانصهر منذ الازال بعضها فى بعض وطبعت بذلك ولم تفدها المذاهب والأديان والايديولوجات لتتجمع مرة واحدة رغم الحضارة الواحدة . سنة الكون وسنة الحياة التى لا نجد من قوة عليها الا عندما نسلم بها ونحاول فهمها وتحليلها . انظر بلاد فارس ومصر والعراق والجزيرة العربية وغيرها من بلدان الدنيا . فكانه كتب على هذا العالم ان يكون بين جزر ومد ويحتفظ رغم الاختلاط والتمازج والانصهار بكل ما يجعله مجزأ مقسما ليتفاعل وليحيا .

الارادة الجماعية للعيش بصفة مستمرة حية موجودة على هذه الرقعة فى أعنف مظهر وهي لم تفتر في فترة الا لتشتد فى فترة أخرى ولا تضعف في دولة الا لتقوى عند قيام دولة أخرى .

لننتقل الى الشرط الثاني وهو : هل ان هذا الشعب عرف كيف يكون لنفسه الهياكل اللازمة لوجوده كأمة قائمة الذات أو إذا أردنا هل أمكن له أن تقر عناصر سياسية واقتصادية مستقلة بذاتها كفيلة بتنظيم الحياة ؟ إن ذلك من السهل التدليل به اذ أن التلاحم الذي وجد عند قيام الدول القوية والتفاف الناس حولهم لدليل على وجود هذه القدرة فمادولة قرطاج البونيقية ثم الرومانية وما الامارات العربية التى انتصبت في بداية الفتح الاسلامى والممالك المنبثقة من الاهالى المنسجمة معها بمؤسستاتها ونظامها الكامل الا دليل على أن هذا الشعب يعرف كيف ينظم نفسه ويلتف حول حاكميه فى رعاية هياكل متمدنة ذات فاعلية كما انه عرف كيف بثور عليها عند اختلال التوازن بينه وبينها وعندما تصبح مصلحته ثانوية بالنسبة لحاكميه . ولهذا فانه لو فرضنا أن هذا الشعب لم يشعر شعورا واعيا عصريا كما نفهمه اليوم بأنه أمة بأتم معنى الكلمة فانه على الاقل ، والاحداث التاريخية موجودة واضحة ، تشير الى ذلك ، كان يحس حاد الاحساس بانتمائه الى مجموعة يجب الدفاع عنها والذود عن حياضها وهذا بين فى صمود هذا الشعب أمام الرومان ثم العرب الفاتحين ثم عرب بني هلال ثم السبان ثم الاتراك ثم الفرنسيين وفى كل هذه الفترات فانه لم يذب وابقى على كيانه رغم تقبله الاسلام والعربية وانصهاره فى هذه الحضارة العظيمة التى بات لا يعتز بها فقط بل يثريها ويغذيها برافده الغني النوعى .

فقيام الدول المتعاقبة على هذه الارض واستقلالها فى كل مرة ينبئ بان هناك طاقة فى البلاد قادرة على تكوين الهياكل الاقتصادية والسياسية ورعايتها ورعاية استقلالها ولو الى مدة محدودة .

هذان العنصران اذن الارادة على العيش بصفة جماعية والقدرة على ايجاد هياكل لازمة لوجود الشعب كأمة يكونان الدعامة التى تقوم عليها الامم وهي إذا اردنا البذرة التى منها تنمو الشجرة العظيمة التى تظل وتحمي كل افراد المجموعة . ولكن هذا لا يكفي اذ يقتضى توفر عنصرين آخرين وهما وجود نوع من الثقافة ونوع من القدرة على ان يحكم الشعب نفسه بنفسه ويدير شؤونه .

أما عن نوع الثقافة فان الامر يدعوا الى أن نضع هذا السؤال : هل يصح التسليم بوجود ثقافة تونسية مستقلة عن الثقافات العربية الاخرى لها خصائصها ونوعيتها ؟ وهل يكون هذا إلا ضربا من الخيال أو المغاله لا يقوم على أى أساس علمي موضوعي ؟ لندقق الامر اذن ولنحاول ضبط انتساب الكيان التونسي إلى المجموعة الواسعة وهي المجموعة العربية الاسلامية ولنحدد مكان تونس في هذا العالم . وانه لا يستقيم لنا ذلك الا اذا نظرنا فى معنى الحضارة ومفهوم الثقافة وحددنا ما تشمله كل كلمة من هاتين الكلمتين من معطيات .

قال فاستون بوتول العالم الاجتماعى المعروف : " الحضارة هي مجموعه اشمل يمكن أن تحتوى على عدة ثقافات . ذلك ان الحضارة مجموعه عامه تغلب عليها المعارف العلمية والتقنية وأهم المذاهب الفلسفية . اما الثقافات وان هي تفرعت عن الحضارة التى اليها تنتسب فان الفروق بينها تظهر فى التقاليد الجمالية والتاريخية والاسطورية ".

لهذا فانه يمكن لأمة ما أن تنتسب الى حضارة بصفة عامة وتكون لها ثقافتها المتميزة فالحضارة الغربية تشمل أمما عديدة وبالتالي ثقافات متنوعه مثل الثقافة الفرنسية والاسبانية والالمانية والايطالية والانقليزية وغيرها . ولكنها فرع من اصل تشترك في جملة من المعارف والتقنيات بها تسيطر على الطبيعة وتنظم حياة اجتماعية معقدة تخضع لمفهوم العمل الاجتماعى وبعبارة أوضح فان هذه الامم تشترك في جملة من العناصر الاقتصادية والقضائية والثقافية والاخلاقية والدينية .

هذا بالنسبة للحضارة الغربية والثقافات المتفرعة عنها . فهل تصح هذه القاعدة بالنسبة للحضارة العربية الاسلامية وما ينتسب اليها من أمم وشعوب ذلك أن الامر بالنسبة لهذه الحضارة أشد تعقيدا . لأن الحضارة العربية الاسلامية طبعت صنفين من الشعوب : صنفا أثرت فيه هذه الحضارة وتمسك بلغته مثل الأمة الفارسية والهندية والباكستانية والاندنوسية وغيرها وصنفا

نهض بهذه الحضارة عن طريق اللغة العربية . فمن السهل عند ذلك أن نقول ان ايران تنتسب الى الحضارة العربية الاسلامية او الاسلامية فقط ولها الى ذلك ثقافتها العريقة فى القدم المتميزة بتقاليد جمالية وتاريخية وأسطورية ولو أن هذه الحضارة الاسلامية لم يبق منها فى الواقع إلا أشلاء من المعارف العلمية والتقنية طغت عليها الحضارة الغربية وصمد فيها عنصر الدين بتغلغله في النفوس وتمكنه من العقول . وعلى كل فان نظر أهل الحضارة العربية الاسلامية الى الكون يختلف فى جوهره عن نظر أهل الحضارة الغربية . ورغم أن الحضارة العربية الاسلامية انبثقت من عناصر مختلفة عديدة تراكبت على العنصر العربى البحث وفرضت نفسها بحكم تنوع عناصرها على أمم عديدة فان ثقافات هذه الامم كانت من القوة ومن الاستحكام ما جعلها تستقل بسرعة عن مركز الخلافة وتحافظ على لغتها وتقاليدها وتاريخها وتكون جزءا مستقلا عن الثقافات الاخرى قائم الذات وظهر ذلك سياسيا فى انفصال فارس عن الخلافة واستقلال الهند وغيرهما من الامم الاسلامية الاخرى وخاصة الأمة التركية .

ولكن الأمر أشد تعقيدا بالنسبة للصنف الثاني وهو الذى حافظ على الحضارة العربية الاسلامية ولم يفرط فيها وصمد بها فى وجه كل غاصب وتمسك أيضا باللغة العربية . فاذا كان من المفروغ منه انتساب الشعوب العربية الى حضارة واحدة فهل يصح القول بأن كل شعب من هذه الشعوب له ثقافته المتميزة النوعية والحال أن عنصرا آخر يضاف الى ما اتصفت به الامم الاسلامية الاخرى وهو اللغة . فهل اشتراك الشعوب العربية فى لغة واحدة ينتفي معه وجود ثقافات متميزة ؟

عوض أن نبحث فى مميزات كل ثقافة من الثقافات الموجودة فى كل بلد عربي ، وهو مما يبعدنا عن موضوعنا ويقتضى دراسة مستفيضة لكل المظاهر الثقافية الخاصة بالبلدان العربية وضبط الفروق بينها ان كانت فاننى أعكس الامر وأتساءل هل ان التقاليد الجمالية الموجودة في مصر هى نفسها الموجودة مثلا فى المغرب الاقصى : أى هل أن الفن المعمارى برسومه واتجاهاته وما يرتضيه المغربي في بيته من ضروب الجمال هو نفسه الذى ينشده المصرى ؟ وهل أن ما طبع به تاريخ المغرب البلاد هو نفسه الذى طبعت به مصر تاريخها وهل الاساطير الموجودة فى المغرب هى نفسها الموجودة فى مصر . ان الناظر من أول وهلة الى الشعب المغربى والشعب المصرى يجد انهما وإن إتحدا فى الحضارة أى فى الدين واللغة فانه لا يمكن له أن لا يلاحظ الفروق بين التقاليد الجمالية والتاريخية والاسطورية الموجودة فى مصر وفى المغرب . وهذا تعبر عنه فى أبسط مظهر العادات واللباس

وخاصة اللغة أو اللهجة إذا أردنا وأعني اللغة الدارجة فى كل القطرين اذ هي التى تأثرت أكثر من غيرها بنوعية الثقافة الموجودة فى كلا البلدين وهى التى تحملت طيلة القرون والقرون الجزر والمد الذى اقتضته شخصية كل من البلدين .

وقس على ذلك الفروق بين الجزائر ومصر والشام وتونس ، وإلا كيف يمكن تفسير استقلال كل بلد عن الآخر بقطع النظر عن الظواهر السياسية اذ هي ترتكز فى أغلب الاحيان على عناصر ثقافية بحتة . وثقافة كل شعب هي التى لم تمكن الدين الاسلامي واللغة العربية من أن تجمع هذه الشعوب رغم الظواهر في أول الامر المنجرة عن قوة الاسلام وجاذبيته وما هو مصدر الخلافات والنزاعات ان لم يكن منشؤها اختلاف الثقافات والا كان من المفروض أن تتحد هذه الشعوب وقد وحدتها دول عظيمة مثل دولة الموحدين فى المغرب العربى الكبير وقبلها الدولة الاموية والدولة العباسية فى المشرق . ولقد انتشر الاسلام كما لم ينتشر قبله دين وتمكنت اللغة العربية فى شعوب لم تعرفها من قبل ومع هذا فان العالم العربي لم يجد وحدته المنشودة لفرط ما تنوعت في صلبه الثقافات وهي قوته فى الواقع التى غذت حضارة كاملة وجعلت منها الحضارة العربية الاسلامية . ولكن نهر الحضارة العربية الاسلامية الذي حدثنا عنه أحمد أمين الذي تغذى بأنهار الثقافات الاخرى من هندية وفارسية وعربية ويونانية لا يمكن لمائه أن يبقى طاميا ولا يتيسر لمياهه أن تحمل معها الحياة والرخاء الا اذا بقيت الانهار الاخرى تغذيه وتعطيه من نفسها وقد بقيت . وهو السبب في انها لم تغض ولم يجف مجراها وظلت الى أبد الأبدين تطعم بثقافاتها نهر الحضارة العربية الاسلامية .

وبالنسبة لتونس فانه ليس من الصعب أن نبين ما لها من تقاليد جمالية خاصة بها ومن رواسب تاريخية تجرها ومن بقايا أساطير متميزة حملتها عن الشعوب التى نزلت بأرضها . أليس لها نوعيتها فى صلب المغرب العربى المتميز عن المشرق العربى . أليس ما بقى فى ذاكرة أهلها من الاحداث القديمة التى صنعها الرومان والوندال والخوارج والنرمان والاسبان والاتراك والفرنسيون ما يجعلها تحمل تقاليد تاريخية خاصة . ثم أليس فيما بقى من لباس أهلها وحليهم القديم وفنهم المعماري وعاداتهم ما يجعل من هذه البلاد تتميز عن غيرها فى تقاليدها الجمالية . ثم أخيرا هلا نجد فى أساطيرها ما يميزها عن أساطير غيرها من البلاد العربية . كل هذا يدل على ان لتونس ثقافة نوعية متميزة . ويحق لنا ان نقول بكل موضوعية : الثقافة التونسية كما نقول الثقافة المصرية والجزائرية والمغربية والعراقية واللبنانية وغيرها .

وكما رأيتم فانه لا ضير من أن تتمسك كل أمة من الامم العربية بثقافتها وتنميها بما تحفظه وتحذقه من الثقافات الاخرى لتغذى نهر الحضارة العربية الاسلامية والا كيف يتصور المتصور اليوم ازدهار الحضارة العربية الاسلامية في خضم الحضارات الموجودة الآن . فالنهضة والتجديد والمعاصرة لا يمكن أن تأتي كلها عن مفهوم خاطئ لما بقى من الحضارة العربية الاسلامية التى انتفى عنها كما قلنا عنصر هام وهو المعارف العلمية والتقنية الخاصة بها وهي لن تزدهر الا اذا نحن هضمنا بحكم الثقافات المتنوعة التى نحملها ، الحضارة الغربية وبقينا نحن ، ولم نذب في غيرنا ثم زودنا حضارتنا بهذا الزاد وتكون عند ذلك قد جددنا ما يجمع بيننا وجعلناه عنصر حياة لا عنصرا ميتا أو شبه ميت .

وهكذا فانه بحق لنا أن نقول بأن الشعب التونسى له نوع من الثقافة خاص به نزيده على العنصرين اللذين مر النظر فيهما ويبقى العنصر الرابع الذي به نقيم الدليل على ان الشعب التونسى يكون أمة بأتم معنى الكلمة وهو قدرته على أن يحكم نفسه بنفسه ويدير شؤونه كما عن له . وهذا يقتضى وجود دولة اولا وسيطرة أهل البلاد على مقاليد الحكم ثانيا .

اما وجود دولة منظمة ترتكز على مجموعة من الناس مستقرين فى أرض معينة تخضع الى نظام اجتماعي وسياسي وقضائى جمع بين يدى سلطة لها القوة القاهرة فهو أمر لا مراء فيه منذ الاحقاب والاحقاب .

ذلك انه وان كانت هذه الرقعة من الارض تعد مدنا كبيرة خاضعة الى حكم منظم منذ القديم ، فان وجود قبائل عديدة فى السهول والبسائط تارة وفي الجبال والمرتفعات تارة اخرى كان باعثا على تقلقل هذه الدول وانهيارها بسرعة . على ان التاريخ احتفظ لنا بنماذج من الحكم المنظم المستقر يحسن التعرض اليها للتذكير .

لقد حفظ لنا التاريخ المؤسسات العمومية التى اقامتها قرطاج لتسيير شؤونها وقد أشعت بفضل نظامها المحكم على حوض البحر المتوسط وعلي الرقعة التى تحيط بالمدينة وعرفت كيف تسيطر على القبائل وتخضعهم لمشئتها بالارهاب تارة وبالتعاون المثمر تارة اخرى . ولقد كان لهذه الدولة شأن عظيم في أحكام تجارتها وتصريف موارد ثروتها مما جعلها تطمع فى الاستيلاء على غيرها من البلدان . وهذا لا يمكن ان يتأتى لها لو لم يكن لها مع أهل البلاد الذين انصهروا ولا شك ، فى نظامها ، سياسة هى المرونة والحكمة والدهاء وماذا يكون عدد هؤلاء الفينيقيين الذين نزلوا بقرطاج وأسسوها حتى

كان لشأنهم ذلك الشأن لو لم يندمجوا مع العناصر الحية فى هذه البلاد ؟ والتاريخ لم يحدثنا عن نزوح أو هجرة تعد بعشرات الآلاف من الفينيقيين ولهذا فانه سرعان ما اصبح لقرطاج مؤسساتها ونظامها الاجتماعى والسياسي واشعاعها الثقافي لتكون الدولة البونيقية (7) المتميزة القوية .

ثم لما انهارت هذه المحاولة الاولى فى تكوين دولة عظيمة منظمة تتجاوب فيها طبقات المجتمع الذي ترتكز عليه ، على الأقل فى مجابهتها للعدو ، وضربها الرومان الضربة القاصمة كانت سيطرة الاستعمار الرومانى وتنظيمه للبلاد ولكن على حساب الاهالى ثم بعده حكم الوندال ثم البيزنطيين . وكان خلال تلك الفترة الصراع الحاد بين المستعمر وأصيل البلاد وكانت محاولات الصهر التى باعت بالفشل حتى مع من انساقوا الى حضارة الرومان وكتبوا بلغتهم وحذقوا ثقافتهم إذ بقوا متشبثين بلغتهم الأم البربرية البونيقية معتزين بوطنهم ، محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وأكثر من ذلك محتفظين كأشد ما يكون الاحتفاظ بحربتهم . ورغم ذلك فان الدولة لم تكن بايديهم بل هى موجودة لتراغبهم وتتسلط عليهم بألوان من العسف والظلم ومختلف انماط الاهانة والذل .

ولم يلبث بعد هذه الفترة التى فقد فيها أهل البلاد حكم انفسهم بأنفسهم ان جاء الفتح العربي يحمل معه دينا دوخ الامبراطوريات ولغة بدأت تشق طريقها بين اللغات العريقة فى الحضارة مثل الفارسية واليونانية واللاطينية وسرعان ما انصهرت جموع البربر فى البوتقة العربية الاسلامية بصورة اندهش لها المؤرخون الغربيون ولم يجدوا لها سببا يرضى مرارة الفشل الذي منيت به الحضارة الغربية على ايدى الرومان فى سعيها لترويم أهل هذا الارض .

ونشأت بعد ذلك الدول العظيمة مثل دولة الاغالبة ودولة الفاطميين ودولة بني حفص . وبدأت تظهر فيها علائم التنظيم والسلطة المحكمة . واذا كان الصراع بين دولة الاغالبة والبربر مستمرا انذاك ومناواة البربر للفاطميين بعد نصرتهم مستحفلا فى الفترة المعنية فان ذلك لا يمكن ان يدل الا على تصميم ليس بعده تصميم من أهالى هذه البلاد فى حكم انفسهم بأنفسهم وادارة

شؤونهم كما طاب لهم . إذ كانوا يرون ، وهذا ما تقره الأحداث ، ان هذه الدول لم تقم الا على كواهلهم ولهذا فهم أحق الناس بالسيطرة على الحكم فيها فان استوسق لهم الأمر فذاك والا فهو العصيان والتمرد والثورة حتى وان كانت الدولة منبثقة منهم مثل دولة الصنهاجيين .

وهذا التصميم على حكم انفسهم بانفسهم بقى متحكما فيهم وكثيرا ما لاحت بوارق الامل فى تحقيقه منذ ان انصهر القوم فى قرطاج ثم بعد ذلك فى العرب الفاتحين والعرب الزاحفين من بني هلال وسليم . وان انطفأت معالمه احقابا واحقابا فى عهد الرومان والوندال والبيزنطيين ، فقد بقى يتراءى فى الصراع القائم بين البربر والمستعمر .

ولقد وجد أهل البلاد فى حكم بني حفص ما يرضى هذه الرغبة وشعروا بأن الحكم بأيديهم حتى أتاهم وأتانا الاسبان ، صدى للرومان وغيره من الاقوام الزاحفة كالنرمان ، مذكرا اصحاب هذه الارض بان ادارة انفسهم بانفسهم لم تستوسق لهم وانهم لم يصلوا ، كما ظنوا ، الى نهاية المطاف فى تحقيق رغبتهم الكامنة في أنفسهم منذ فجر التاريخ وهي حكم أنفسهم بأنفسهم وأكثر من ذلك فان الكارثة ستطول وتطول بحكم البايات ثم الاستعمار الفرنسي .

وأخيرا برزت هذه الرغبة كأشد ما تكون فى تصميم الشعب بكامله على تحرير بلاده من المستعمر وكان ما كان وانتهى الامر بتكوين دولة لها لأول مرة فى تاريخ البلاد صفة الدولة بأتم معنى الكلمة لأنها ترتكز على شعور المواطنين بأنهم يكونون أمة قائمة الذات لها لغتها ودينها وذكرياتها الممتدة فى التاريخ ومصالحها العاجلة والآجلة ورد فعلها المشتركة الموحدة تجاه نفس الاحداث .

فكأن مفهوم الدولة لم يتم ولم يكتمل فى هذه البلاد الا عندما اكتمل مفهوم الأمة وبرز للعيان فى وحدة شاملة ضد الاستعمار الفرنسى .

لهذا فان التونسى لم يشعر فى فترة من فترات تاريخه بانه يحكم نفسه بنفسه مثل هذه الفترة . ولم يشعر شعورا حادا بمسؤوليته فى الاحداث السارة منها والسيئة مثل شعوره اليوم وهو دليل على انه ينتمي الى كيان قائم الذات مائل للعيان قد ارتقى من المفهوم الضيق للشعب الى المفهوم الواسع الشامل الذي تقتضيه عبارة أمة .

إذن بهذه المحاولة التى أردتها موضوعية وصلت الى النتيجة المرجوة وهى

اننا نكون أمة هي الأمة التونسية وانه يحق لكل منا ان يتصور امته على نحو ما تصور جورج بومبيدو رئيس جمهورية فرنسا ، الأمة الفرنسية عندما قال :

" لا أظن انه يمكن اعتبار الأمة مجرد تجمع عدد من الناس على رقعة من الأرض ، فى فترة معينة . . . . ولا اقصر فهمى للأمة فى مجرد الالتفات الى ماضيها واستعراض اطوار تاريخها - ففرنسا هى بالنسبة لى جميع العظماء الكتاب منهم والساسة - ولكنها ايضا خمسون مليونا من الناس يعيشون فى حدود مضبوطة ولهم لغة موحدة ومؤسسات ونمط من العيش خاص بهم . ولقد بين رينان ( Renon ) ان الأمة ليست رابطة تخضع للجنس ولا للغة ولا الدين فقط إذ هى هذا كله ولكن مع شئ آخر يمكن زيادته . هذا الشئ لا يمكن استشفافه ولا لمسه . وهو يتجسم فى نوع من التعبير ولكنه موجود وكل واحد منا يحس به فى قرارة نفسه . ولى انا شخصيا مفهوم بيولوجى للأمة . فهي عندى كائن حى . وهى بهذا لها ماض وحاضر ومستقبل وهى فى تطور مستمر . فيمكن ان يكون هناك تحول بطئ للأمة نفسها وللصورة التى ننظر اليها من خلالها وعلى كل للصورة التى نرى من خلالها علاقاتها مع العالم الخارجي " .

اشترك في نشرتنا البريدية