حديث جرى بينى وبين شاعرة بلجيكية فى الملتقى العالمى السابع للشعر المنعقد ) بكنوك ( بلجيكا من 2 الى 6 سبتمبر 1965
فى " ملتقى الشعراء " كانت قبلة ال متطلعين ، وكعبة القصاد
كانت تمر فتستثير وراءها زمرا من العشاق والرواد
تختال فى " الصالون " تحسب أنها بلقيس " فى جمع من العباد
الطيب يعبق حولها ، ووراءها ينداح كالنهر الرصين الهادى
يهفو الشعاع لجيدها فيرده طوق من " الألماس " للأبعاد
ويعود للخدين يلقى بالسنى فيضيع فى الاشعاع والايقاد
ويحوم بالشفتين فى تهويمة ويطوف بالعينين فى اجهاد
ويذوب فى تطريز طرف ردائها ويموت خلف قوامها المتهادى
كانت تمر ، فأبطأت فى السيراذ لمحت على وجهى شموس بلادى
وتوقفت حينا ، وأشرق وجهها اشراقة الأفراح فى الأعياد
وتبسمت ، فاذا السنى متدفق تخبو لومضته " ثريا " النادى
وتقدمت منى بخطوة جؤذر يحتار بين تردد ، وتمادى
ودنت ، وحيت ثم قالت : " شاعر ؟ " فأجبتها : " الشعر نبض فؤادى "
أحيا به وله . فلولاه لما هتفت مطوقة على الأعواد
ولما عرفنا الحب فى اضرامه يحتد فى الأحشاء والأكباد
أنا - شاعر يا هذه - وقصائدى أغلى محاصيلى ، وأفضل زادى
ضمنتها المكنون من حبى ومن فرحى ، ومن حزنى ، ومن أحقادى
أنا - شاعر يا هذه - وقصائدى لمطامحى ، ولأمتي وبلادى
وهفت محدثتى لسرى وانبرت منقادة لفضولها المزداد
واسترسلت : " من اى منبثق اتي ت بلاعج من شمسه وقاد ؟
وبعثت فى " بحر الشمال " وغيمه لمعا من الآصال والآراد
أمن الشام حملتها ؟ أو من ربى لبنان ؟ أم من مصر ؟ أم بغداد ؟ "
فمسحت عارا أيقظته بجبهتى وطويت أحشائى على أنكادى
وأجبتها : " من كلها ان شئت ، لا تمييز ! فهى منابتى ومهادى
لى فى مدى اصقاعها رحم تش د ، ولحمة تبقى على الآباد
نسبى العروبة - يا جميلة - اننى متأصل الآباء والأجداد
لكننى أقبلت من أرجائها من رقعة مرموقة الأمجاد
من شبر أرض - يا جميلة لم تفو هى باسمه فى جملة التعداد
لا لوم ! - يا حسناء ان لم تذكرى فى ما ذكرت منارة الارشاد
وجنينة فيحاء تعبق بالشذى الطير ضيف قضيبها المياد
نزل الربيع بها وحط رحاله مستوطنا من سالف الآماد
نزل الربيع ، وطاف فى أرجائها يكسو بحلته الربى والوادى
أنا - يا جميلة - من بلاد خصها ربى بمحض العز والاسعاد
الشمس تنسج من أشعة نورها لتلفها فى أجمل الأبراد
والبدر يحنى ظهره لعناقها متمسحا بالسهل والأنجاد
والبحر يلثم رملها الفضى من شطآن " جرجيس " الى " رواد "
أقبلت - يا حسناء - من بلد على هضباته هتف الحمام الشادى
ونما به الزيتون يبسط ظله للطير بين روائح وغوادى
من " تونس الخضراء " جئت بلادكم متزودا بمحبتى وودادى
وبدا على الحسناء جد بالغ وعلا محياها اهتمام بادى
وكسا الوقار مع الدلال جبينها فالتفت الأضداد بالأضداد
ودعوتها لأريكة متروكة تحتل ركنا من زوايا النادى
جلست ، وردت خصلة من شعرها قد أفلتت من قبضة " الشداد "
واسترسلت " عفوا ! فان حماقتى وسخافتى قد راحتا برشادى
ونسيت أن بلادكم ذكر على شفة النزيل معطر الترداد
حملت الينا ريحه أمجادكم في خوض معركة وكسب جهاد
وعنادكم فى خلق كل مجدد من طارف الأمجاد غير معاد
بنزرت كانت كانت عندنا مثلا لما ابديتمو من حنكة وعناد
كانت ختاما للهوان ، ومنتهى أمد الخنوع ، وعهد الاستعباد
ورئيسكم . . ؟ " فأجبتها " لا تخطئ ! بل روحنا المنساب فى الأجساد
فلو ان عينك - يا جميلة - غلغلت فى عمق كل حشاشة وفؤاد
لرأيته بين الحنايا مشرقا فى القلب ، اشراق الشعاع الهادى
هو حظنا البسام وهو طموحنا ورجاؤنا الآتى من الأبعاد
هو هتفة الصبيان في ألعابهم هو دعوة المتبتل العياد
انا حملناه على هاماتنا للحكم ، بل للنصح والارشاد
ولقد تحمل عبئنا في شرخه واللهو يدعو ، والشباب ينادى
ومضى يضحى بالصبى ومراحه لخلاصنا فى عزمة وجلاد
أو مثل هذا لا يحب ويفتدى ؟ من من ذويه لا يكون الفادى ؟
تعنو الشعوب مخافة أو رغبة فى الانقياد لشهوة القواد
ويساس أغلبها بقوة قاهر يعتز بالسفاح والجلاد
يتصبر المظلوم . . لكن صبره مهما تمطط سائر لنفاد
كم من رؤوس أينعت فى غيها فى الزور ، فى التضليل ، فى الافساد
هي كالسنابل ، ان يحن ميقاتها ترخ الرقاب لمنجل الحصاد
يا ويح من قهر الشعوب بجوره فالله للجبار بالمرصاد
أما بلادى فالمحبة شرعها خلصت من الأضغان والأحقاد
شاد السلام بأرضنا دارا له شماء ، ذات ركائز وعماد
دستورنا حب وطهر سريرة جلبا الينا أعين الحساد
هذى طوايانا ، وتلك خصالنا وبذاك عودنا " حبيب " بلادى
ومضت تحدق فى الفضاء كأنها طفل يناغي الحلم قبل رقاد
واستيقظت من حلمها المبتور اذ نادى لعقد الاجتماع منادى
قالت ونحن نسير " قد حدثتنى فاهجت شوقى واحتثثت مرادى
لكأنني فى رحلة مسحورة الحلم فى أبعادها منطادى
شوقتني لجنينة مخضرة ولشاطئ يفتر للرواد
ولجبهة شماء أشرق نورها فى عالم متلحف بسواد
شهدت لها الدنيا ، ومجد مجدها فى العالمين ، أحبة وأعادى "
فأجبتها " انا اذن فى تونس فى جنة الدنيا على ميعاد "
كنوك ) بلجيكا ( فى 65/9/3

