ليست ( الحرية ) مطمح الافراد أو الجماعات البشرية وحدها ؛ فالرغبه في التحرر من ربقة الصائد ، وقفص الطفل ، وحصار العابث ، لم تزل شأن الكاسر والطائر والقطة والنملة على السواء ؛ بل هى ظاهرة الشجرة الفينانة ، اصلها ثابت وفرعها في السماء ، شامخ طليق . هي ظاهرة النبات - مهما جل أو حقر - لو حبس عنه النور والهواء لجست عنه الحياة ، واصبح هشما هضيما ، أو خشبا من الخشب ، قصاراه ان يظل طعمة للنار زمنا ، ويتخذ وقودا للناس والحجارة ... ثم يصبح رمادا ضئيلا حقيرا تذروه الرياح .
وليست الحرية من مستحضرات عصر بعينه من اعصر التاريخ ، أو جيل من أجيال البشر ، فهي تبدأ منه أو تنتهى اليه ؛ بل هي قديمة قدم العالم ، عرفها الناس الذين ( ... ولدتهم أمهاتهم احرارا ) منذ عرفوا الحياة ، والفوا العيش في دروبها .. فمن يومئذ آثروا الانطلاق على القيد ، والحرية على العبودية ، والاستقلال على ما عداه من ضروب الاستغلال باي عنوان .
بيد ان من مفارقات هذا البشر الذي يهيم بالحرية ، ويتعشق الانطلاق ، انه - في الآن نفسه - يميل الى بسط يده على الآخرين ، ويهفو الى ضرب سلطانه عليهم ، ويسعى لحرمانهم مما يتمتعون به من الخيرات لخير نفسه وذويه ، متذرعا الى ذلك بشتى الوسائل .. بالحيل والمخاتلات ، او بالحروب المبيدة الطاحنة ، وهكذا بدأ صراع الانسانية الاولى بمعركة " قابيل وهابيل " في قصص الاديان ، اذ سولت لاحدهما نفسه " قتل آخيه ، فقتله ، فاصبح من النادمين . . "
واختلفت على البشرية قرون ، مهرت بعدها في ميداني صراعها الجنسي ، هذا الصراع الذي يحتدم حينا بعد حين بين مختلف عناصرها ، فى ميدان الذرائع " الحيلية " التي عرفت أمدا باسم ( السياسة ) وقد تعرف باسم ( الديبلوماسية ) او " حرب الاعصاب " او " الحرب الباردة "
وفي ميدان المعدات الحربية ، التي لم تزل قوى الكون العوبة في سبيلها ، يعبث بها كل من قدر عليها . ليبيد بها جنسه ، ويخرب بتسخيرها الكون نفسه ؛ والتي لم تزل في تطور متصل الحلقات ، منذ ان كانت لا تعتمد على غير الحجارة ، حتى فتتت البشرية هباءات الكون ، وانشأت منها قنابرها " الذرية " ، واختها " الهيدروجانية " ؛ " .. . ويخلق ما لا تعلمون " .
قال الله : " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " فقال الناس : " بل لتقاتلوا " وكذلك استسلمت البشرية الى " قانون الغاب " ولم تجد من " شريعة الحيتان " خلاصا . حتى ادا كان " الانتخاب الطبيعي " لم يكن " البقاء للاصلح " بل كان " البقاء للاقوى " ولم يحم الضعفاء من الاقوياء ذلك النزوع المتأصل في الانسان الى التحرر ، ولا كان لهم في حبه الانطلاق واق .
منذ ماز الانسان بين الضعف والقوى ، نسي الاقوياء من بنية ان "الحرية" طلبته الاولى والانطلاق بغيته ، والاستقلال عن الآخرين آكد ما يثبت وجوده ، ويحقق كيانه ؛ فاحتملوا من عناء البحث ما احتملوا ليزدادوا قوة وبأسا ، ويضائلوا من خصمهم الضعيف ما استطاعوا ، فيزيدوه على ضعفه ضعفا ، كي يحققوا لانفسهم السيادة ، ويضمنوا لها البقاء ومن يومئذ بدأ استبعاد الانسان للانسان ...
بدأ هذا الاستعباد صغيرا حقيرا لا يؤبه له ، بدأ بالاستعباد الفردي في الحروب فاذا في الافراد طبقتان : طبقة السادة السراة ، وطبقة " العبيد " و " الاماء " ونفق " سوق الرقيق " فاستمرأ تجاره هذا اللون من العيش ، ولم يعد بوسعهم ان تنتظروا والحروب ليجدوا العبيد ، فاصطنعوها اصطناعا من جهة ، واحدثوا نظام " القرصنة " إن كان يصح أن تجتمع القرصنة والنظام ...
وما هي الى جولات بين المحيطات وتجارب اجراها الانسان على بني جنسه حتى نبتت فى راسه الخرب .. " فكرة ..." :
انه تصيد الجماعات المتنقلة بالجواري المنشآت في البحر كالاعلام . . فاخضعها لسلطانه ، وباعها في اسواق الرقيق وجعل منها اعبدا وإماء .. تصيدها بالضبط مثلما يتصيد الحيتان السابحة في الماء ، والطير المحلقة في الجواء . . وقد طالما صاد الاسفنج وهو راسب في قاع البحر ، والطيور وهي قابعة في اوكارها ، أفلا يستطيع أن يصيد الانسان وهو آمن في بيته ، مقيم في موطنه . . ؟ بلى !!
وبهذه " الفكرة . . " المجرمة ، تجاوز الاستعباد أفراد الانسان إلى جماعته
الكبرى ، فنشأ رق الشعوب ، وبدأ تاريخ الاستعمار المظلم المقيت ، فكانت الامم الضعيفة ضحاياه ، و " ويل للضعيف "
وليس من همنا أن نستعرض تاريخ الاستعمار ، ولكن الذي لا غناء عن قوله هو ان استبعاد القوي للضعيف ظل يكثر وظل في كثرته يتطور لصالح العبيد ويغير وجوههم ويقرب منهم ساعة الخلاص ، بقدر ما كان يضعف من شأن السادة ، ويضع من اقدارهم في نظر مواليهم .
لقد تغير الشعور في نفوس العبيد ، فاصبحوا يحسون انهم كثرة ، وأن في الكثرة قوة ، وأن قوة السادة ليست إلا بهم ومنهم ، فإلام يقيمون على الضيم ، ويصبرون على الحيف ؟
وعلى الرغم من هذا الشعور المعلل ، الذي يلامس - اول ما يلامس - اعمق اعماق الانسانية الاولى عندما كانت تدين بالحرية والانطلاق فقد كان لا بد لهذا الشعور أن يختمر طويلا ، لان العبيد - افرادا وشعوبا - كانوا على حال من التفكك لم تتهيأ معها لاكثرهم أن يظهروا على ما يكن اخوانهم من شعور يلائم شعورهم ، وما ينطوي عليه أمثالهم من نزوع إلى التحرر والخلاص .
وفجأة قامت " الثورة الفرنسية " تعلن " حقوق الانسان " فدوت لها ارجاء المسكونة ، ووجدت الانسانية في هذه الثورة نفسها من جديد ، لا لان الثورة ابتدعت الحرية التى نادت بها ابتداعا ، ولكن لانها هتكت الحجب التي كانت تخفيها حتى سفرت ، وحطمت السدود التي كانت تخنق صداها حتى سمع الناس نبرتها الحلوة ترن في كل مكان من جديد ، فعلموا أن " الحرية " ما تزال رغبة مشتركة ، وان حق الانسان - ايا كان جنسه ودينه ولونه في الحرية يجب ان يحترم .
الفرنسون - اذن - لم يوجدوا الحرية بثورتهم كما يريدون ان يوهموا ، إلا بمقدار ما يكون " كريستوف كولمب " موجدا للقارة الامريكية ، ولم يشرب الفرنسيون اى شعب واي فرد حب الحرية ، لان هذا الحب كمين في نفس الانسان منذ انساب في شعاب الحياة . ومع ذلك فاني احب ان اعترف للفرنسيين بفضل الاعلان للانسان عن حقوقه .
بيد أني اريد أن استرد باحدى ما دفعت بالاخرى .. اريد ان أشهر بأن الفرنسيين كانوا أشبه بالانسان الاول ، الذي هام بالحرية في فجر حياته وأحبها لنفسه وذويه ؛ ولكنه لم يرع حقها في الآخرين ، فاذا هو يكيد للحرية ، ويخرب كيانها ، ويعدو عليها افظع العدوان .
اجل ! ان الفرنسيين قد اعادوا التاريخ ، ومثلوا دور الانسان الاول . ومحوا شهادة فضلهم بايديهم ، عندما اصبحوا - ولما تجف دماء ثوارهم الذين اعلنوا حقوق الانسان - الد اعداء حقوق الانسان ، وأيمة الاستعمار العالمي ، واجرأ بد تمتد الى عنق الحرية لتقتلها خنفا .
الا يمكن ان يكون في الذين غزوا " الجزائر " بعض من تجلهم الثوار الفرنسيون ؟
ان كان ، فكيف سولت له نفسه ، وهو وليد الثورة ، وتوأم الحرية ؟!! او لسنا نسمع حتى اليوم ، وفي كل مناسبة ، من افواه الفرنسيين فخارا
غاليا ، بانهم احفاد اولئك الثوار ، الذين علموا العالم معنى الحرية ، واعلنوا عن حقوقه الانسانية ؟ فما بالهم - اذن - يجوسون خلال هذا المغرب العربي ، وينوؤون بكلاكلهم عليه - وعلى سواه - بشتى العناوين ، ويذيقونه من صنوف العذاب الوانا ، وما يزالون يرهقون " الجزائر الدامية " ويذودونها عن حقوقها الانسانية ذود العنود ، وينكرون عليها ما يزعمون انهم اعقرفوا به - بل اعدوه - لسائر الشعوب ؟؟
بالامس كنا في تونس - ولا تسل كيف كنا - تتجرع أفاويق القهر ، ونتبلغ بغصص الاستعمار ، ونتذوق طعم الصاب والعلقم .
ولم نكن لنصبر على هذا الجحيم المقيم ، لولا ما نحس به من ضآلة أمام العملاق الرابض في ارضنا ، وضعف يهد من عزائمنا ، ويقعد بنا دون الخلاص ،
ولم يزل ضغط المحتل يزداد حتى ولد انفجاره ، . ولده في نفوسنا وحيا في القادة ، ووعبا في الشعب ، بعثانا من مراقدنا إلى ميدان السياسة لنعمل دائبين ، وإلى ميدان الكفاح الاجتماعي لنزيد ابناء الشعب بصرا بحقوقهم ، وتمدهم بالقدرة على افتكاكها ، وإلى ميدان الاقتصاد لتشىء من الشركات ما يسعنا انشاؤه ، ننظم من الحركات ما لا بد منه لحياتنا ، وهكذا - رويدا رويدا - بدأنا كفاحنا الرشيد .
كان كفاحا مريرا ، ولكنه بصير .. أعد لكل واجهة ابطالها وقوادها ، وعددها وعتادها . وهيأ لكل مقام مقاله ولكل ميدان رجاله ، حتى اذا التقى الجمعان واصطدم الفريقان ، عرفنا من انفسنا ما طالما نكرناه ، وعلمنا من قوانا ما طالما جهلناه ؛ فصبرنا وصابرنا ، وجاهدنا فثابرنا ، حتى جاءنا اليقين .
كان كفاحا مريرا ولكنه بصير .. ترك الجبال وادغالها ، إلى القصور والموائد لا لينعم بالروح والراح ، بعد الحرب والكفاح ، بل ليعبر للعالم كلية ولفرنسا بالخصوص ، على أننا ابطال سلم كما كنا في حربنا ابطالا ، ورجال سياسة مثلما اننا جبال في القتال .
وجاء نصر الله والفتح ، فكان يوم ٢٠ مارس ١٩٥٦ يوم تونس اللامع الخفاق ، ونورها المضيء في الآفاق ، وغرة في جبهة تاريخها المجيد ؛ كان فيصلا بين أيام نحسها المواضي وأيام سعدها المقبلات ، كان فجرها الصادق ، فيه تولى ليلها القتام الحالك ، وأقبل نهارها المشرق الضاحك ترى أي يوم يعدل هذا الذي استردت فيه تونس مجدها السليب ، واستعادت فيه حريتها المغتصبة ، واستقلت فيه استقلالها التام ، وابتدأت منه تاريخها الجديد ؟!
اي يوم في تاريخ تونس - أو تاريخ أي الشعوب - هو أدعى الى الفرح والسرور ، والبهجة والحبور ، من يوم تحتفل فيه بعيد نشاطها من عقالها ، وتحررها من أغلالها ، وتحطيمها ما كانت ترسف فيه من قيود .
ان اليوم العشرين من مارس سيظل في تونس الحرة المستقلة نخوة الاجيال ومنارها ، كلما طلعت شمسه على جيل منها ، اضاءت له جنبات ماضيه ومستقبله ، فبصرته بكفاح اجداده وآبائه واخوانه في سبيل هذا الوطن الحبيب واشقائه ، وقبست له منها قبسا ، فحملته اياه مشعلا مقدسا .. نارا ونورا للاجيال الخالفة ، يذكرها بامجاد ماضيها ، ويضيء لها طريق المجد الذي لا ينبغي ان تضله او تقعد دونه .
هذا هو اليوم الذي عرف فيه التونسي انه انسان ، حق له ان يتمتع بحقوق الانسان ، التي ورثها عن آبائه الاولين من الاحرار منذ الازل ؛ وحق عليه ان يفتكها من مغتصبيها واحرى اذا كانوا من احفاد الذين اعلنوا حقوق الانسان للعالمين .
ولكن ليت شعري اني للتونسي ان يستكمل فرحته بيوم استقلاله ، وأخوه - بل بضعة منه - في الجزائر يشرق بدمعه ، ويسبح في دمه ، وتنتهك حرماته ، بيد هذا الذي يمن على تونس بانه منحها استقلالها ، وعلى العالم بانه علمه طريق حريته ، وعلى الانسان بانه اعلن له حقوق الانسان ؟ ! اما آن لهؤلاء الادعياء ان يرعووا ؟
لقد دخل المغرب العربى الكبير فى موكب الاحرار ...
دخلت ليبيا ، ودخل المغرب وتونس في موكب الاحر ار هذا ، أفتستطيع فرنسا او غير فرنسا بعد ذلك ان تحجب الجزائر طويلا عن موكب الاحرار ؟ كلا !!

