وجه طريف للمغفور له المرحوم محمد الهادى العامرى
كان المطر ينزل هتونا خارج البيت ، وكانت الريح تولول وتصفر صفيرا مزعجا وتدفع بقطرات المطر فتصفع بها زجاج النافذة صفعا ، ويهزها هزا , فيتسلل الماء داخل الغرفة ، وينساب انسيايا رفيقا يتفطن له الصبى فيعينه صديقه على طى الحصير وحصر الماء ، ثم يرفع الصبيان عينيهما الى النافذة فاذا هما لا يريان شيئا فالظلام دامس ، والليل جاثم ، وكأنما الدنيا اقشعرت فاشتد البرد وقسا.. ونفذ الى الاعماق ، فاصطكت أسنان الصبيين ولكن ذلك لم يثنهما عن المذاكرة فعادا الى الكتب والدرس . وإذ هما كذلك اذا بطرق موتور على الباب!. ترى من عسى يكون القادم ؟ من الذى غامر فخرج فى هذا الليل الاليل البليل ؟
أسئلة دارت بخلد الصبيين ثم توقفت أنفاسهما.. لحظة.. وتوالى الطرق كأشد ما يكون الطرق حدة وعنفا ، فوقف الصبيان وتوجها الى الباب ففتحاه بيد مرتعشة.. وتسمرا مكانهما إذ لم يتبينا من الشبح الذى انتصب أمامهما شيئا ، ولكن لم تمض بضع ثوان حتى انفجر الطارق ضحكا.. فأدرك الصبيان أن الزائر إن هو إلا أستاذهما الشيخ قد قدم اليهما عن غير موعد.. فتلجلج لسانهما.. وأرتج عليهما من وقع المفاجأة ، ثم تشجع أحدهما فقال : تفضل سيدى ، مرحبا يا سيدى !
واتجه الثلاثة الى الغرفة . لقد بدا الاستاذ الشيخ فى ضوء المصباح الخافت طويل القامة عظيم الهامة بمريض المنكبين فكأنما ملأ الغرفة طولا وعرضا أو هكذا خيل إليهما . ان هذه الامة ليست " قطعة حبل جاء بها واد " - كما يقول المثل التونسى الدارج - بل ان نهضتنا بدأت من قبل الاستعمار بدأها الشيخ قبادو
أزاح عنه برنسه الداكن اللون ورمى به على الأريكة ثم أخذ منديلا فمسح به ما علق بوجهه من ماء المطر ، ثم جذب اليه جلد ضان فتربع عليه وجلس تلميذاه أمامه متطلعين ، مرتبكين ، وكانما أحس الاستاذ الشيخ بحالهما فقال : أتدريان ما الذى جاء بى إليكما فى هذه الليلة ؛ إنه المتنبى فتنة العصور.. أريد كما أن تتشبعا بأدبه وتغرفا من معينه وتحفظا ما أنتخبه لكما من شعره ، ثم دس يده تحت جبته فأخرج من جيبه إضمامة ورق مطبوع ، قال : إنها بعض ديوان المتنبى ، ثم طفق يقرأ بدون توقف وبصوت جهورى شجى :
بم التعلل ، لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمنى ذا أن يبلغنى ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به ولا يرد عليك الفائت الحزن
يا من نعيت على بعد بمجلسه كل بما زعم الاعون مرتهن
كم قد قتلت ، وكم قدمت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن
سكت بعد ذلك قليلا ، ثم عاد فأخذ يشرح الأبيات بيتا بيتا ويستطرد ويعلق ويقارن - ويملى - ثم يتوقف عن الاملاء فيحملق بعينيه ويصفق بيديه
كانما يريد تنبيه تلميذيه أو شحن عقليهما بكل ما توحى به أبيات المتنبى اليه .. والتلميذان مشدوهان لا يعيان مما يقوله الاستاذ الشيخ شيئا كثيرا ولكنهما يشعران بكلام شيخهما يتدفق.. ويسيل .. ويفوح .. ويضوع.. فيملأ دنياهما أحلاما وغبطة وسعادة !
وتوالت سهرات الاستاذ الشيخ مع تلميذيه فاذا هما يتعرفان على أبى العلاء وابن زيدون والحريرى والهمذانى وغير هؤلاء ، ويحفظان من عيون الادب ما كان ينتقيه لهما .. وإذا هما يشعران بأن إقبالهما على تعلم اللغة العربية وحذق آدابها إنما هو ضرب من الجهاد والتشبت بالكيان والمدافعة عن النفس والاعتزاز بالذات.
ومرت الأيام ، فاذا هما يزيدان تعلقا بأستاذهما الشيخ الذى لم يكتف بما كان يلقيه من دروس فخذ ينشر بعض مقالاته فى مجلة المباحث ، فيقبل عليها التلميذان بشغف ولهفة وإذا هى طويلة النفس ، عميقة الجذور ، متينة المبنى واضحة الغاية ، بارزة الشخصية ، نبيلة المرمى ، فمن " فتنة العصور " الى " عامل الاستنجاب فى نشوء الادب العربى بافريقيا الشمالية والاندلس " الى ظهور الأدب العربى فى طوره الأول بافريقيا والاندلس الى " ابن خلدون بين الادب الاندلسى والافريقى " الى " خنساء المغرب " الى " دور القبروان والمهدية فى الطور الثانى من أطوار الأدب العربى " الى " نبغاء الافريقيين من الشعراء " مما كان يعمق إيمانهما بأمتهما ويزرع فى نفسيهما بذور الاعتزاز والتحدى.
ودارت الأيام.. وطوحت بالاستاذ الشيخ وتلميذيه " فمضى كل الى آبابه " .. ولكن أحد التلميذين قد بقى متواصل الحنين الى مرتع صباه الى قريته ، فما حط فيها رحاله إلا ومزق سجف الماضى فبدت له فى ضبابية حالة صورة استاذه الشيخ ، وجه مدور ، وجبين مغضن ، وعينان براقتان ، وأذنان قائمتان ، وعمامة قد لاثها على مؤخر رأسه .. وجبة فضفاضة قد انزلقت من خلف فأبدت رجلين نحيلتين.. وقرع سمعه صوت الشيخ كما كان.. فيض أدب وقوة استطراد !
ومضت سنون لم ير فيها التلميذ شيخه ثم اذا هو ذات يوم من أخريات أبامه يزور تلميذه بمكتبه بالعاصمة!
يا لأحداث الزمان ! لقد نحل منه الجسم ووهن العظم.. ولم يبق منه إلا ذاكرة قد وسعت كل شئ.. وجذوة لا تزال تتقد وهجا وطموحا.
لقد لو النبض إلى الماضى.. فتحدث عن المدرسة القرآنية بالمنستير الدور الذى قامت به لمقاومة التغرب والفرنسة ، وتحدث باسهاب عن تلاميذه.. عن محمد مزالى.. وعامر غديرة.. وعبد السلام غديرة ، وعلى بوسلامة, وعبد السلام معتوق ، ومحسن البواب ، وغير هؤلاء ، ثم تظلم ما شاء له أن يتظلم من إحدى دور النشر التى ما زالت تراوغ وتماطل وتتلكأ فى نشر كتابه " تاريخ المغرب العربى الكبير فى مواكب الحضارات والعصور " ثم اعتذر فقام فودع وهو يقول : أما زلت تذكر قول المتنبى:
بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمنى ذا أن يبلغنى ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
وكان ذلك آخر عهد التلميذ بأستاذه .

