الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

في ميزان القرآن, الأنسان بين التنعيم والتكريم !!

Share

نردد فى صلواتنا - فرضا ونفلا - أكثر من عشرين مرة كل يوم هذا الدعاء المبارك الميمون :

" إهدنا الصراط المستقيم ..صراط الذين انعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين وفى الشطر الاخير من هذا الدعاء ، الذى ألهمنا الله - تبارك وتعالى - ان ندعوه به ، فى فاتحة القرآن : لافت ذهبى براق الى عناية الله بعباده ، وشديد حرصه على رشدهم أولا ، وإلى أن يعرفوا - قبل أن تأخذ المتارف البابهم - ماوراءها ثانيا . .

انه لافت لامع يتحسس البصائر ، قبل الابصار . . لينبهها الى حكمة وموعظة بالغتين . . كنا فى حلقة سابقة ( ١ ) نستوحى من آيات القران الكريم عزاء قدسيا . . فى تلك الظاهرة الخلابة الجذابة . . " ظاهرة المترفين " المحظوظين على غير جدارة ولا طهارة والى جانبهم المحرومون المضرورون . . على ايمانهم عقيدة ، وإحسانهم عملا ، وعلى ما يتحلون به من عفاف وتقوي !!

والآن - فى هذه الحلقة الثانية - نريد ان نتدبر هذا الالهام الالهي لعباده بهذا الدعاء المبارك الميمون . " أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا والضالين "

أو ليس في هذا الدعاء حجه وبرهان - لمن تعوزه الحجة والبرهان - ليوقن بأنه ليست كل نعمة ظاهرة خيرا ولا فضلا ولا كرامة لأصحابها المترفين !؟

إن الآية تدل - باوضح دلالة - ان هناك اناسا ينعم الله عليهم ، ولكنهم مغضوب عليهم او ضالون ، وهو سبحانه يريد منا ان ندعوه طامعين فى نعمته التي لا تخلو من رحمته .. نعمته الحقة ، حيث لا غضب منه ، ولا ضلال منا .

ودعونا - هنا - من شتى التأويلات والتفسيرات التى يعين بها بعض المفسرين

اولئك " المغضوب عليهم " بانهم اليهود ، وأولئك " الضالين " بانهم النصارى . فان القرآن لم يحدد ولم يعين ، وهو بذلك ابلغ وادمغ ، لان هنالك " مغضوبا عليهم " و" ضالين " من غير النصارى واليهود .. ولا أحب ان ازيد !!

دخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على النبي صلى الله عليه وسلم يوما فألفاء مضطجعا على الحصير وقد أثرت تعاريجة الخشنة بجسمه الشريف ؛ فعجب عمر ، ورأى النبي ذلك منه . فسأله ما يعجبه ؟ قال : كسرى وقيصر فى الديباج والحرير ، ونعيم المأكل والمشرب ، ورسول الله ينام على الحصير ؟ !

ولكن رسول الله لم يمهل عمر يطول به العجب والاستغراب والاستنكار ، وعاجله بفصل الخطاب : اولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ، واستبقيت لنا طيباتنا فى - آخرتنا - او كما قال عليه السلام ،

وفى القرآن آيات بهذا المعنى ، منها هذه الآية الكريمة " ويوم يعرض الذين . كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها "

وكما يقال فى الامثال " الكافر مرزوق " يقال فيها ايضا " الفاسق مرزوق " ولا عجب فى ذلك فالوقائع والتجارب ظاهرة للعيان

وعندما دعا ابراهيم الخليل - عليه السلام - ربه ان يجعل هذا البلد آمنا ، ويرزق اهله من الثمرات " من آمن منهم بالله واليوم الآخر " لم يرضى الله من ابراهيم هذا التحديد والتعيين ، فاضاف سبحانه - وهو الكريم الحليم - " . . ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار "

وهنالك آية اخرى تؤكد ما أسلفناه من ان " النعمة الظاهرة " ليست خيرا ولا كرامة لمن أوتيها ، حتى نعلم حقيقة حاله من هدى ورشد وتوفق للصالحات ؛ يقول الله تبارك وتعالى " وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا - ان لدينا انكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا إليما " .

اذن فهذه القصور المشيدة ، والمطاعم المرئية ، والمشارب الهنيئة ، والمراكب الوطيئة التى نراها ميسرة - بغير جهد ولا عمل صالح - لبعض الناس ، ليست نعما يغبطون عليها او يحسدون ، بل ليست من " الخير " الذى تغرينا مظاهره ان نبحث عن اسبابه ، او نتمنى اقتحام أبوابه ، ونظل نتساءل دائما لماذا وكيف " طلع فلان القصر بعد العصر ؟ ! " وقد كان لزاما علينا ان نتعقل ونتأمل ونسأل : كم يساوى عمر الرجل فينا عدد سنين ؟ وماذا بقى منه حتى يختمه بجمع المال من أي سبيل ، والتهام الاطايب والمتارف كيفما كان لونها ، وعلى حساب الفضيلة والعزة والعفاف . .

ان الرجل المسلم يرتبط يومه بغده ، ودنياه بآخرته ، وعمله بجزاء وفاق ، ولن ينتهى بعد موته ترابا كالانعام ، وإنه ليتمنى الكافر والفاسق ذلك يوم القيامة ، لما يرى من عسر الحساب ، وشدة العقوبة ، ولات حين مناص !

وما قيمة هذا المتع الدنيوية ، فى بضع سنين ، يحياها المرء فرحا مرحا ..كل همه ان يقضي اوطار بطنه ، ويروى ظما شهوته ، غير ذاكر - خلال غمرته هذه - دينا يمنع ، ولا ضميرا يردع ، ولا متفكر فى عاقبة وخيمة تقترب اليه ، ولا فى سيرة ذميمة تكتب عليه ، وغير مقدر ان " الانتقام الآلهى " قد يعجل له فى دنياه ، وان افلت منه حيا ، نزل بأهله وذريته بعده ، و بقي له نصيبه منه غير منقوص . . يوم الدين

وبعد .. فلنقرأ هذه الآيات ، لنعرف بها ميزان " النعمة " على حقيقته وعدله ، ولئلا تزيع منا الافئدة ، وتمتد الابصار الى اباطيل النعم :

- " وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين . . قل ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن اكثر الناس لا يعلمون . . وما أموالكم ولا اولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى الا من آمن وعمل صالحا الخ "

- أفريت ان متعناهم سنين ؟ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون .. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ! "

- أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ؟ كمن متعناه متاع الحياة الدنيا . ثم هو يوم القيامة من المحضرين ؟ "

- أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ؟ لا يستوون " - أفمن يلقي فى النار خير أم من يأتى آمنا يوم القيامة

واخيرا .. هذا القبس الوضاء من حديث رسول القرآن عليه السلام : " شرار امتى الذين ولدوا فى النعيم وغذوا به : ياكلون من الطعام الوانا . ويلبسون من الثياب الوانا ، ويركبون من الدواب الوانا . . يتشدقون فى الكلام "

واخيرا ايضا ... هذا البيت من الشعر الحكيم :

قد ينعم الله بالبلوى - وان عظمت - ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

اشترك في نشرتنا البريدية