نقدم الى ذوى المدارك المرهفة السليمة مدى لغة الاطناب في مواضعه والإيجاز في حدوده . . الى اولئك الذين هم عشاق الادب من حيث هو قوة ادراك وتحليق في الافق وبعد فى النظر وهم من الادب لفنه الرفيع بعيد عن تهاويل الصنعة . فالى القراء من هذا النوع نقدم هذه الحلقة الاولى من الملحمة الزائدية لا أطنب لانها لأمير بل لانها لانسان فى مستوى غاية نبل الإنسانية فالمحكمة الانسانية خالدة ما دامت القرون تدور ، والأدب يقرأ ، والعربية تنطق ، وهذه سيارة في الآفاق تومض بابراز حكمها كوميض النجوم السيارة فى السماء
وقد طبع مع الملحمة تحليل قيم . والتحليل من حيث هو تحليل قد يقتصر على جانب . غير أن للنقد قيمته وللميزان الفنى عدالته كغيره من الموازين له كفتان ولسان بالمعنى المحسوس ،
البيت الاول والثاني:
ان دك بي من حامي البين هاجس
وجرعت من حر الغرام طناه
تذكرت من طلابة الجود نادر
رفيع الذرى عسر الدروب مشاه
وفي كفة ميزان النقد نحس براعة
الايجاز بما توحى به للمسامع من هجوم يدك الاحاسيس التى لا تهمد من قارعة تتفاعل من حامي البين هاجس . فهو يشتاق ، وكأنه يتصور فى حامى البين الاطياف لكنها مهما تكن فالنفسية المصورة لروح الشاعر نفسية ايجابية قادرة حتى لو جرعت من حر الغرام ( طناه ) أترى ماذا في قوله ( طناه) ؟ أهو اللظى أم هو شدة الالتهاب ؟ وقال المحلل بلغة البادية : قلت بل هو في البداية والنهاية كما شرح معناه وقال منها كمن يدرك لفح سموم فحيح الافعي . . هذه من لغة الفصحى
اذن فما التجرع وما لظى الغرام الا نموذج عريق فى اصالة القصيدة العربية القديمة فتبدأ ببراعة الاستهلال بما يشوق السامع ويستهوى لبه وأشواقه بماهية الاحاسيس وعلى ضفاف الخيال الخصب فى تصور تلك القارعة التى تدك ( اهاجس البين ) وقد يتساءل : ما هى الوسيلة التى تدعم قوته للوقوف أمام بركان ( يدكه اللظى ) والقوة فيما يتذكر من ( طلابة الجود نادر )
احقا ان طلابة الجود نادر جدا ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة . وعنصر الذهب والفضة نادر وجودهما ، عسير استخلاصهما وكذلك طلابة الجود رفيع قدرهما . . انهم العنصر الممتاز من الناس وهم الرصيد الراسخ للقيم المثلى ، وبهم يضرب المثل .
وقوله عسير الذرا ، بمعنى : المطلب
وبالرغم من ان أوزان القافية ولغتها هي من النوع الجيد وحتى وان كانت بلغة البادية .
ومن أين جاءت الفصحى الا من حاضرة الحجاز وباديته ، وحاضرة نجد وباديتها فى هذه الصحراء ؟
فالمعاني في كلمات الملحمة متوافرة والكثير منها له أصل فى الاشتقاق مع مفهومة اللغوي في أصل فى القواميس ، نطقا وحتى ولو نقلت على وجه السماع فى لغة العامة الا انها ضمنية المعنى فى مفهومها حيث يريد بقوله : ان دك : هجم ويعني بالهجوم الذي يدك الشئ بعنف وهو مأخوذ من : ( إذا دكت الأرض دكا دكا).
البيت الثالث
مشي بدرب المجد والنفس تدفعه
الى شامخ عسر الدروب سماه
صورة خلافة للابداع خلقت في نفس السامع الوصف الكمالى الذى يمكن ان يتصف به ذلك العنصر الانسانى فى معنى الانسانية التى تملك النفس العظيمة التى تدفع الى المجد . ودوافع المجد في كمال صورة البطولة فالجسم هيكل . ولكنها النفس الابية ، الدافع شموخها الى شامخ عسر الدروب سماه .
وعلى ملتقى القمة من التعبير الحي يلتقي مع قول الشاعر القديم :
اذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
درب المجد يمثل السماء والدرب العادي
بمثل الارض . والمشى للعلا معناه الصعود
وبنفس طموح للعز تنطلق كانطلاق الصاروخ للعلا .
وكأنه يوحى بنكتة ان درب المجد ليس بالهين وله فروسية ذات كيان مستقل اكثر منها ان تتعلم فى مدرسة . فالبطولة موروثة من ذات العرق ، والاصل ، لانها ترجع لجوهر المعدن فى اصالته كقول الشاعر القديم :
ورثنا المجد عن اباء صدق
وسعنا في ديارهم الصنيعا
خالد سنام الطايلات ابن فيصل
حجا من ولجابه والزمان وطاه
يعنى بخالد ، خالد بن فيصل بن عبد العزيز - وانطباق معاني البيت على ذات الشخص الموصوف تصور معانى الشمول بالصفات التى لا يختلف فيها اثنان - وقوله الطايلات - كما جاء فى نهاية ابن الاثير الجود والحماية والجود هنا له من صفة الشجاعة المعنوية حيث ان الجود بالنفس فى حماية الذمار ومن حماية الكرماء .
وقوله حجا - بمعنى من يلجأ اليه - ومع اشعاع فى ومضة اشراق معاني الابيات فهي واقعة فى تجل الفيصل فمن وطئه الزمان بشئ فما عليه الا ان يقصد ابواب هؤلاء الكرماء وسيجد انه اصبح من الثريا قاب قوسين او ادنى ولا أكيل الشرح فالحق ما يوافق قول صاحب الزايدية له ارتباط فى قول شاعر العرب القديم :
وليس يصح فى الاذهان شئ
إذا احتاج النهار الى دليل
ولنا ان نعرض فى المناسبة محامد الفيصل والاسرة الكريمة ما نختاره من ملحمتنا الفيصلية للمناسبة :
تجلت السماحة فى ذره
كان النور مثله الصحاب
تهنيه العدالة وهو منها
وكل العدل لذاتهم نصاب
وطغراء من التاريخ تجلى
حوى التاريخ مفخرهم كتاب
فحيا الله امراء نجد
غطارقة مساعيهم تجاب
غطارقة اذا حفوا بغرض
وفي الهيجا هم أسد غلاب
وما فيصل الا قلب نبض
حياة الشعب بالفيصل شباب
والى الحلقات المنتظرة من حلقات النقد الادبي في ملحمة الزائدية فهي ستأتيك نماذج بها شواهد على كل بيت وكيف وقد قال عنها احد شعراء الجنوب :
فما الاخطل وما شوقي تساوا
بمعنى الزايديا ظفر وناب
فجل قريضهم نهد وكاس
ومعنى قريضها تعفى الرقاب
فما المجد بذي العليا رحيق
ولا كاس به الخمر تذاب
وشكرا لك ايها القارئ العزيز والي اللقاء
أبو عريش

