أصدقاؤنا الاشجار . نعم . ومن لك بالصديق يتلقاك أبدا بالانس والمهابة واللطف والوقار . . لمحا لا لغو فيه . . صدقا عاريا من كل ثرثرة وابتذال !
يصلح بينك وبين نفسك يرضى كيانك كله ويرفعك الى قمة ذاتك فاذا أنت سواء والوجود .
تلك هى الاشجار . لكن ما كل شجر لنا بصديق فلشد ما نرثى لاشجار المدينة تراها آنتظمت فى الشوارع صفوفا متوازية طوابير متشابهة الى حد الرتابة والجمود .
ولا تخف قبضة الانسان عليها ولا يفرج عنها قليلا الا فى الحدائق الكبرى والمتنزهات فاذا هي تنشط من عقالها ويعاودها الشوق اللاهف الى مداها فتنمو وتمتد كأن لا شرط ولا قيد وترمى بالفروع والاغصان فى كل صوب وقد آزدهتها الشمس وأسكرها الفضاء .
ولكن يد الانسان لها بالمرصاد تشذب وتقلم وتسطر وتؤدب وتريد للاشجار ما لا تريده لنفسها .
ما من حديقة الا وهى باقة مصطنعة اجتلبت عناصرها اجتلابا . أصناف متباينة أقحمت هناك أريدت على المعايشة قسرا . لا وحدة ولا ألفة وانما هى الوحشة والغربة .
أما أشجار الريف فهى فئة أخرى لم تعرف الرق ولا السجن يوما . كل منها يتصرف على هواه فيستقيم جاهدا فى انتصابه واستوائه أو ينحرف ويلتوى حتى يكاد ينقصف ويتمزق شظايا . مطلق الحرية ومنتهى المغامرة .
لاهم للفرد منها الا أن يعيش على هدى مزاجه ويفوز برضى الطبيعة ومع ذلك فهى أسرة متحدة متآلفة كأجمل ما يكون التآلف والانسجام .
ولست بحاجة الى أن تمعن فى الريف وتطوف فى أرجائه لتتعرف الى أصدقائك المجهولين . انهم ينتظرونك ههنا غير بعيد قائمين فى وداعة وجلال على عتبة المدينة .
هلم معى الى منزهى المختار . رقعة بسيطة من الارض انتثرت فيها أشجار الصنوبر هنا وهناك لا يزعجها من حين لآخر الا صفير القطار وأزيز عجلاته ترج الارض رجا ثم يعاودها صفوها وطمأنينتها .
رقعة ان شئت فهى الروضة أو النادى نادى الاحبة سهولة وبشاشة . أنسا وبساطة وهى المعبد عمقا وصفاء . سكونا وخفاء .
وتطالعنا مع الاصيل جماعات الصنوبر فيها الرصين ينضم مستندا الى إخوانه وكأنه يستخفى تواضعا وفيها المنفرد المتوحد يأبى الا أن يبرز واضح الملامح مكشوفا بتحداك بشخصه وسمته ؛ فيها الممشوق القد الفارع الطول يباهى بانتصابه واعتداله والمكتنز الكثيف والمنداح المترامى والمائل المتداعى للسقوط وفيها ما اقتطع حديثا ظلما وعدوانا فاذا هو المقعد المسكين جاثم على الارض يحلم بعزته وانطلاقه .
هى ذى صنوبرة قد انحنى غصن من أغصانها تتحفك بتحية خفيفة لا تكاد تبين . إيماء فى تحفظ واحتشام .
وهذه تقصدك قصدا تلوح اليك بتحية رشيقة تأنقت فى أدائها كسلام الخاصة من الظريفات المترفات .
وهذه صنوبرة متوسطة الطول فى وضع طريف غريب قد انحنى أعلى جذعها وتدلت أغصانها دانية القطوف كأنها الحسناء وقد أرخت جدائل شعرها تستر عريها فى خفر زادها جاذبية واغراء .
صنوبرتان متوازيتان بل توأمان متجاورتان فى اتفاق ووئام . زوج اتحد شكلا وهيئة حتى فى ميلان جذعه والتواء فرعه .
والى جانبهما عشيرة لهما وحيدة نوعها بين جمهور الصنوبر عملاقة من شجر (( الكليتوس )) انبعثت فى الجو صعدا قائمة الرأس منبسطة الفروع
والافنان فى هيئة المارد المصلوب . صورة رمز لانطلاقة الفكر الخلاق ولفيضه الدافق رغم الموانع والحدود .
غصن فى شجرة أم حية تلوت وتجمعت متحفزة للوثوب ! ؟ . وذا عود قصير أجرد كأنه وتد مثبت ليعلق عليه . وهذا الجذع قد تقاعس جهده متوترا متشنجا وفي أسفله قضيب بلغ غاية انتصابه .
لا حياء هنا ولا طهر . لا خير ولا شر . وانما هي كلمة الطبيعة تنفذ على الكل . حرية صرف وشهوة بلا قيد .
ها إنى أتأمل صنوبرة ومن خلفها أشعة الغروب تكسوها تبرا يختلج ويضفى على خضرتها دكنة أخاذة ترف رفيفا حتى كأن الشجرة مستنيرة بطبعها قد أضيئت من الداخل النور ينبع منها تشع اشعاعا على الدوام .
أتاملها وأنا أسير نحوها وكأنى أغوص فى فضائها النورانى ، فى اطارها المحسوس غير المرئى .
واذا الصنورة تختفى من حيث لا أشعر ، تختفى تماما وتستحيل صورة خالصة لا اسم لها ولا شبه ولا نسبة لكنها صورة نابضة جياشة أبعد ما تكون عن جفاء التجريد .
انها الشجرة . الشجرة العذراء . نكرة ومعرفة فى آن معا .. قبل ان تسلط الاسماء على الكائنات وتفقدها نضارتها تمرسا بها واحتكاكا ، عصرا وضغطا فتحيلها أشباحا ساكنة نأنس الى طواعيتها وجمودها .
وازداد دنوا منها فاذا روعتها تتناقص ويعتريها الشحوب شيئا فشيئا ولم أقف على قيد خطوات منها الا وقد تبخر اشراقها ووجدتني أمام كتلة سوداء كالفحمة العظيمة قائمة فى الفضاء .
وتتكرر اللعبة الخادعة وتتجدد مع كل شجرة فأرى لونها بتغير كلما اقتربت منها كما لو كان يشوش ويعاد صوغه تدريجا وكأن الصورة تخلق خلقا آخر وتبدل تبديلا فى كل حين حتى اذا ما تجاوزتها ونظرت اليها من خلف انطفأ الحلم فجأة وتعطل السحر . سحر النور واللون والمسافة . روعة كالابد
انحصرت فى لحظات معدودة فانتفى الحد بين الواقع والخيال وشاع الفن فكان لقاء غريبا عجيبا .
كنت ترى الاشجار خفيفة هفافة على الرغم من عظمتها وطولها . لكأنها هوائية قد حررها النور من مادتها وجردها تجريدا . فتبارك الرسام يجوهر الاصل وينفى الفضول !
والآن وقد نظرت الى وجهها الآخر بدت لك هامدة ترزح تحت عبء أجسادها خاشعة شدت الى الارض التصاقا .
وأمد بصرى من خلال العتمة الزاحفة وأحدق فأرى رؤوس الصنوبر المنتصبة أمامى على بعد قطعا من السحب عالقة فى الجو مبعثرة هنا وهناك قد اندغمت فى صفحة السماء .
وأواصل السير فاذا أنا أعثر بعد لحظات بنفايات المدينة اكداسا متراكمة فوارة النتن واكاد اصطدم بجذوع الاشجار حرسا قائمين تحت ستار الظلمة لا يبرحون .

