أكاد أقول مع شاعرنا الراحل العظيم حسن كامل الصيرفى :
ثم يبق لى فى طريق العمر أحباب خلا الطريق ، وأحباب الرؤى غابوا
كانوا خيالا ، وكان العيش حلم كرى مضى به قدر للعمر نهاب
فقد انضم الصيرفى الى أحباب الرؤى الغائبين ، وجاء دوره ليمضى به قدر للعمر نهاب ، وتركنا نحن اصفياء عمره ورفاق طريقه لوحشة الحياة ، نفتقد فيها واحته الظليلة كلما اشتد علينا الهجير ، ونبكى المروءات والفضائل والشاعرية والروح الشفيفة والعلم والوفاء وجماع المكرمات ، وكان الله فى عون أسرته المكلومة التى غادرها هذا العميد العظيم فخلف لها حزنا طاغيا لا سلوان فيه .
أربعون عاما بل أكثر عرفت فيها أخا العمر وصفيه حسن كامل الصيرفى . كانت لغة الحوار بيننا فى طول هذه السنين وعرضها هى لغة الحب والصفاء . ولا أذكر أن شائبة صغرت أو كبرت عكرت صفو هذه المودات العميقة ، ولم يسمعنى الصيرفى حتى كلمة عتاب رقيقة ان قصرت فى السؤال عنه ، لان أخوتنا كانت فوق المظان ، ولان طريقنا وان اختلفت شعابه يلتقى على المحبة الانسانية الصحيحة .
فما اغبننى اذ فقدت هذا الولى الحميم ، واذ استحال هذا الانسان النبيل الحى الخدوم الى طيف ذكرى فى لوحة المخيلة ، فان عزيتم أسرة الصيرفى الكبير على هذا الرزء الذى أثكل أفئدتها ، فانى بعزائكم أيضا خليق ، لأن القدر النهاب قد سلبنى أربعين عاما من أعمق وانقى واصدق واوفى واطيب رفقة 746 10
للقلب فينا لفجيعتنا جميعا ! فى الصيرفى الشاعر والصيرفى الاديب والصيرفى البحاثة المحقق ومن قبل ومن بعد فى الصيرفى الانسان .
وانه لما يضاعف الحزن على الصيرفى أن حياته خلت من كل أسباب التكريم، على ضخامة الاثر الذى تركه فى الضاد شعرا ونثرا ودراسة واستقصاء وتحقيقا ابحث عن مكان الصيرفى فى مجامع اللغة العربية ، فلن تهتدى الا الى مكان لا فى مصر ، بل فى دمشق حيث انتخب عضوا مراسلا تقديرا لادبه وشخصه وتاريخه المضمخ بأمجاد الضاد .
نقب عن اسم الصيرفى بين الفائزين بجائزة الدولة التقديرية ، فلن تجده الا فى مرة يتيمة ، رشح فيها للجائزة ، ولكن الجائزة تخطته .
ابحث عنه فى لجنة الشعر فى تشكيلها الجديد ، فلن تجده بين اعضائها بأية صفة ، لأن دنيا الشعر باتت تجافى أعاظم الشعراء المعاصرين .
قلب صفحات الصحف بحثا عن حفلة تكريم واحدة أقيمت للشاعر الصيرفى فى مناسبة صدور ديوان من دواوينه أو كتاب من كتب التراث التى حققها، فلن تجد خبرا واحدا لحفل تكريم يتيم . أما حفلات التكريم التى أقيمت للصيرفى فكانت خارج مصر ، عندما شارك فى مهرجانات أدبية أو شعرية فى أقطار الضاد المختلفة .
ابحث عن كتاب واحد عقد على الصيرفى لدراسة حياته وشعره ، وما أغناها حياة وما أعظمه شعرا ! فلن تجد هذا الكتاب فى مصر ، وقد تجده فى خارج مصر .
بل ان هذا الشاعر الفرد هدد ذات يوم باحراق دواوين شعره المخطوطة العشرة بعدما أعياه الجهد فى العثور على ناشر لها . ولم ينقذ دواوينه من النار والكبريت الا شخصية نبيلة رتبت امر نشر بعضها ، ومات محسورا على الدواوين التى لما تنشر .
وعندما تصدى الصيرفى لتحقيق ثلاثة من الدواوين الضخام ، هى للشعراء المتلمس الضبعى وعمرو بن قميئة والمثقب العبدى ، لم يجد لهذه الكتب ناشرا، لولا أريحية معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية ، مما عرض مدير المعهد للمساءلة لمنحه احتكارا للصيرفى فى مطبوعات المعهد ، فكان دفاعه أن الصيرفى 11 747
بتحقيقاته هذه قد أوفى على الغاية فى أداء رسالة المعهد ، وهو بكل الثناء والتمجيد قمين . فخرس اللائمون .
أفلا يدل هذا كله على أن فى مجتمعنا الادبى « حاجة غلط » ؟
فكيف يعيش الصيرفى هذه الحياة العريضة الطويلة فى خدمة الأدب ، ويكتب فى « العصور » لاسماعيل مظهر وفى « أبولو » لأحمد زكى أبى شادى وفى «المقتطف» لفؤاد صروف ومن قبله يعقوب صروف ، وفى «المجلة» وفى «الكتاب العربى » وغيرها وغيرها ؟ وكيف ينفق من عرقه وكده وجهده وعبقريته وذات نفسه فى سبيل رفعة الادب زمانا أربى على خمسين عاما ؟ وكيف تترامى شهرته الى ديار المهاجر والى أقطار العروبة ومعاهد المستشرقين ؟ ومع ذلك تضمن عليه مصر بأى لون من ألوان التكريم ، وحتى جنازته غابت عنها دولتنا الادبية الرسمية !!
ان هذه الامثولة المجسمة من الجحود لتفرض علينا أن ننادى بأعلى صوت بضرورة تكريم الادباء والشعراء والخلاقين الموهوبين فى حياتهم حتى يستشعروا عرفان الوطن لما قدموه من سخى الخدمات لاعلاء شأنه والنهوض بثقافته وذوقه وتخليد ذكره . أما وقد ذهب الصيرفى فى طريق الخالدين يجتر مرارته ، فلا أقل من أن تتنادى هيئات الثقافة الى اعادة نشر كل تراثه ، وان توجه الجامعات طلاب دراساتها العليا لمعقد الاطروحات الجامعية على شعره وحياته، وان تخصص المجلات الادبية والصفحات الادبية فى الصحف فصولا مسهبة لدراسة العطاء الممتاز الذي قدمه شاعرنا العظيم الصيرفى لدنيانا المفكرة .
وانى لحزين على مستقبل الشعر بعد الصيرفى ، لأنه كان من الاصوات القليلة الباقية التى تغرد فتطرب ، وتصوغ حسان القوافى فترقص القلوب .
فواحسرتاه على الشاعر ! وعلى الشعر من بعده !

