الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

قائمة نقدية حول آثار، على الدوعاجى وما كتب عنه

Share

عرفت سنة تسع وتسع مائة وألف مولد ثلاثة أدباء بتونس : أبو القاسم الشابى - على الدوعاجى ثم ابراهيم بو رقعة .

ونهتم فى هذا البحث بالاديب الثانى . حررت مقالات ( * ) حول على الدوعاجى عرفت بجوانب شخصيته . فمنها ما كتب فى حياته مثل ما هو بالسرور وبالثريا ، أو عند تأبينه . . ثم بمناسبة مرور خمس سنوات على وفاته كما هو الشأن فى مجلة الندوة وكذلك أثناء مرور عشر سنوات وكانت هذه الفترة خصبة اذ شارك فيها أصدقاؤه مصطفى خريف وزين العابدين السنوسى والهادى العبيدى ومحمد صالح المهيدى وختاما حسونة الجوينى عند مرور احدى عشر سنة .

(  * ) مقالات تعريفية

1 - الهادى العبيدى : بالريشة والقلم - السرور - عدد 1-1936 . 2 - هل تريد أن تعرف ؟ على الدوعاجى : صفحة خاصة بمجلة الثريا - عدد 12 - ديسمبر 1944 - ص 10 .

3 - على الدوعاجى : فى ذمة الله - الصريح - السنة 1 - السبت 4 جوان 1949 - العدد 20 - ص 2 .

4 - الأنيس : 8 جوان 1949 - مات الدوعاجى . 5 - زين العابدين السنوسى : على الدوعاجى - مجلة الندوة - مجلد 1 - عدد 4 - أفريل 1953 - ص 5-19 .

6 - حياة على الدوعاجى : مجلة الندوة - مجلد 2 - عدد 3 - ماى 1954 ص 48 .

لكن اختلف هؤلاء فى طرق الموضوع فتعمق البعض فى البحث عن مولده وحياته الشخصية . أما الجانب الثانى فاهتم باحصاء آثاره مثل المحاولات التى قام بها زين العابدين السنوسى .

وقد نحصل بواسطة هذه المقالات على صورة تكاد تكون كاملة حول حياة أديبنا كما نتأكد من صحة بعض الجوانب عند اتفاق هؤلاء الباحثين حولها .

أصله :

ولد على الدوعاجى بتونس سنة 1909 ، وشاع لقبه بمد الدال ، لكن أثبت

7 - مصطفى خريف : على الدوعاجى شجون من حديثه - الفكر - السنة الثالثة - عدد 8 - ماى 1959 - ص 21-28 .

8 - زين العابدين السنوسى : ميراث على الدوعاجى - الفكر - السنة الرابعة - العدد 10 - جويلية 1959 - ص 22-32 .

9 - الاذاعة : السنة الاولى - العدد 8 - السبت 22 أوت 1959 - ص 20-25 .

مصطفى خريف : [ تأبين الدوعاجى ] - نشر نفس المقال تحت عنوان (( على الدوعاجى كما يراه سيدى مصطفى )) العمل - الجمعة 21 مارس 1969 .

زين العابدين السنوسى : حياة الدوعاجى . الهادى العبيدى : الدوعاجى كصحفى .

10 - الاذاعة : السنة الاولى 1959 - عدد 9 - السبت 5 سبتمبر - ص 16 . محمد صالح المهيدى : ثقافة الدوعاجى .

11 - حسونة الجوينى : أضواء على أدب الدوعاجى - مجلة الفكر - العدد 8 - ماى 1960 - ص 75 و 76 .

12 - توفيق بكار : الدوعاجى فنان الغلبة - التجديد - عدد 5 - جوان - جويلية 1961 .

13 - جريدة العمل : الجمعة 21 مارس 1969 - ص أدب وثقافة - مقال : نماذج من الادب التونسى تترجم الى الفرنسية .

أديبنا انعدامها إثر حديث له مع المرحوم مصطفى خريف ( 1 ) وعلل هذا بارجاع اسمه الى أصل تركى ، وقد تضاف الجيم فى هذه اللغة للدلالة على صناعة ك قهواجى وكفتاجى وعلى هذا الشأن دعاجى : من الدعاء ، ربما تعاطى جده هذه المهنة فى المسجد أو بين يدى الامراء .

ولم أطمئن الى قول الدعاجى فى هذا المضمار بل استعنت بزميل تركى لاثبات هذا الزعم . فمن لى هذا الاخير أن الأتراك لا ينطقون الواو فلهم و ( الضمة ) ، ما يقابل u فى الفرنسية وحرفة الدعاجى موجودة لحد الآن . ونجد عائلات تحمل هذا اللقب لذلك نعتبر ما ذهب اليه أديبنا صحيحا من ارجاع اسمه الى أصل تركى علاوة على الحاقهم الجيم بكل صيغة دلت على حرفة . وها هى بعض الأمثلة تبين لنا وجود الجيم فى أسماء هذه الحرف .

طباخ : آشجى . خباز : أكمكجى . بائع الشربات : شربتجى . عون : أوداجى .

ويمكننا الذهاب الى تأويل ثان ، فبالرجوع الى لسان العرب نجد :

الدعج والدعجة : السواد ، وقيل شدة السواد وقيل الدعج : شدة سواد العين وشدة بياض بياضها ، فنقول امرأة دعجاء ورجل أدعج .

فيما اتصفت عائلة الدعاجى بهذه الميزة فأطلقوها عليه وحرف العامة أصل والتسمية من الدعج الى الدوعاجى وإن كان هذا التأويل أمرا مستبعدا .

على كل فعائلة الدوعاجى من أصل تركى من سلالة الجنود الأتراك الذين قدموا تونس أثناء استنجاد مسلمى شمال افريقيا بالدولة العثمانية - وهى فى عظمتها آنذاك - للرد على هجومات الصليبيين المستقرين بالسواحل الاوروبية .

أسرته :

أما والده فهو الحاج محمد الدوعاجى من عائلة بلدية بتونس سكنت بنهج مارس قرب حى باب سويقة .

وأمه هى السيدة نزهة بنت شقشوق من طبقة رفيعة - أصل عائلتها من جزيرة قرقنة - احتل والدها منصب عامل لدى البايات ، حكم جزيرة جربة فترة من الزمن وبهذا المكان قضت والدة على طفولتها وشبابها حتى موعد زفافها .

أنجبت بنات وبنين ولم يعش لها من الذكور إلا على ووافق ميلاد أديبنا العام التاسع لسن أخته عائشة . فابتهج به والداه اذ كان وحيدهما وأثر هذا على تربيته فلقى دلالا وعطفا رقيقا من قبل أمه حتى أنها كانت تناديه . علالة ( 2 ) .

وورث على ثقافة ممتازة وتربية حسنة عن أمه بما أنها من وسط عائلى راق ، وأرجع مصطفى خريف ( 3 ) ذكاء أديبنا ودقة ملاحظته ورهافة حسه الى أمه إذ ورثها من عندها .

يتمه :

لكن لم يتمتع على بالحنان الأبوى ففقده أثناء صغره واختلف الباحثون فى تحديد سنه آنذاك واعتبر حسونة الجوينى ( 4 ) هذه الوفاة فى سن الثالثة بيد أن المهيدى ( 5 ) زعم كونها فى سن الخامسة .

على كل فالفارق طفيف . وقد أثر هذا اليتم على الدوعاجى فأكسبه حساسية مرهفة وقوى عطف أمه عليه فـــ (( دللته )) وتسامحت معه فى كل تصرفاته . واستغل على هذه الحرية فانقاد وراء شهواته غير مبال بأوامر أمه وعندها يمكننا فهم انحرافه وإدمانه على الخمرة فيما بعد اذ لم يجد سلطة تردعه عن هذه الأعمال .

أما حسونة الجوينى فبالغ من جهته فى تسامح أمه له حتى زعم : وكانت لا ترفض له أمرا أبدا ( 6 ) ، فنلاحظ غلوا فى هذا الحكم الجازم خاصة إذا علمنا رغبة الدوعاجى فى فتح دكان تجارة يشرف عليه بنفسه فعارضته أمه فى هذا الأمر وما هذا إلا مثال من الأمثلة المتعددة .

تعلمه :

دخل مدرسة قرآنية قرب داره وبها تعلم مبادئ اللغتين الفرنسية والعربية ، لكنه لم يلبث بها طويلا اذ غادرها فى سن المراهقة عند اجراء

الامتحانات النهائية وبذلك انقطع عن مواصلة المرحلة الثانوية والدراسة بجامع الزيتونة وأرجع زين العابدين السنوسى هذا الانقطاع الى داعى العزة والتكبر فشعر ان مثل هذه الامتحانات تنقص من كرامته ، لكن أغلبية أصدقائه يرجعون هذا الى طيش وعدم مبالاة نتجت له من افراط فى نيل الحرية الى جانب غناه فشعر أنه غير محتاج للمواصلة .

عمله :

بعدئذ دخل الحياة العملية ، فاختار مهنة التجارة واشتغل فى " بازار الوطن " عند السيد المبزع أحد أصدقاء والده ، ابتدأ برتبة صانع ثم لم يلبث أن ارتقى الى رتبة أجير فاتقن التجارة ومهر فيها لكن ما هو سر نجاحه فى هذه المهنة ؟ ألعلمه بالحساب ؟ أم لبشاشته مع الناس ؟ والغالب لمزيج هذين السببين .

ومن الناحية الادبية أثرت هذه المهنة على نفسه إذ تمكن من معرفة النفس البشرية ومن حفظ أمزجة عديدة ومتنوعة .

وشعر الدوعاجى بمهارته فى هذه الحرفة فطمح الى فتح دكان خاص به فعارضته أمه ولم تمنحه المال خوفا عليه من الضياع . ثم أراد تعاطى مهنة الفلاحة وخدمة الأرض التى خلفها له والده ، لكن منعته أمه من جديد خوفا عليه من شقاء الأسفار ، ظانة أن الأموال التى ورثها تكفيه للعيش مطمئنا طول حياته .

واضطربت حالته إزاء عزيمته الحادة وتصرفات أمه فلا بد أنه مال الى الخمول واليأس ، فافقده معنى الحياة وأوجدت له هذه البطالة فراغا فلم يجد عملا يشغله ، لذلك أقبل على الخمرة وتعاطى المخدرات ، واتخذ هذا من باب تسلية النفس ووسيلة لمغادرة هذا العالم كى ينسى همومه ومصائبه .

كما مكنته هذه البطالة من الانصراف الى الادب بل من الشغف به اذ حاول افراغ كل طاقاته الجسمية والفكرية فيه . وكان اصدقاؤه يؤمون منزله ويتجاذبون أطراف الحديث فى الأدب والشعر والفن ( 7 ) .

أثر عليه هذا الاتصال باصدقاء مثقفين كما نمت هذه المناقشات معلوماته ولا بد أنها دفعته لمزيد البحث والتعلم .

ثم اشتغل عند السيد زين العابدين السنوسى فى مجلسه بدار العرب طيلة سنة1931 - 1933 ، لا يبرحه من الساعة العاشرة حتى الزوال ومن الساعة الثالثة حتى الساعة العاشرة .

فشغف بالصحافة وتكون من الناحية العملية وحذق الكتابة حتى أنه أصدر مجلة السرور فى 30 أوت 1936 ثم باشر الكتابة فى الصحف الادبية عند توقف مجلته ، فحرر (( بالزهرة )) و (( الأسبوع )) و (( الثريا )) وبعد ذلك انصرف الى العمل الفنى فى المذياع فباع أغانيه للفنان صالح الخميسى وألف (( روايات )) و(( سكاتشات )) تقاض عليها أجرة مكنته من عيشة بسيطة .

أصدقاؤه :

أغرم الدوعاجى - حسب خريف - ( 8 ) بالشاعر الكبادى وحضر مجالسه . وسمى الكبادى صاحبنا ب واصل بن عطاء للثغة فى لسانه ، لحقته فى مطلع شبابه ثم زالت حتى أن بقية اصدقائه لم يعرفوه بها .

عاشر كذلك العربى التركى وسهر فى دكانه مع جماعته والتذ لخرافاته وأساطيره ، وبهذا نمى خياله .

صاحب زين العابدين السنوسى فى مجلسه وبذلك تعرف على كثير من الادباء الذين ترددوا على هذا النادى .

وجمعت مجلة السرور حوله ثلة من الأصدقاء من بينهم :

- محمد العريبى - الهادى العبيدى - عبد الرزاق كرباكة - مصطفى خريف - عمر الغرائرى - عبد العزيز العروى

وها هو مصطفى خريف يسوق لنا جماعته اذ يقول :

وعند حضور بيرم الى تونس انضم الى جماعتنا وكان أبو القاسم الشابى ذا شغف ببيرم وبعلى ، لكن مرضه وشؤونه العائلية لم تسمح له بمداومة

الاتصال بنا فكان يقضى ما يجد من أوقات فراغ فى التفسح معنا بالضواحى والأجنة وأذكر كثيرا من الليالى قضيناها (( بالبلفدير )) الدعاجى وبيرم والشابى والحداد والدرعى والعبد لله - يعنى مصطفى خريف - .

لذلك نلاحظ معاشرة الدوعاجى لادباء عصره أمثال الشابى والحداد وبيرم والشاذلى خزندار علاوة على مديرى المجلات الذين نشط معهم وخالطهم ومدهم بقصصه أمثال البشروش ونور الدين بن محمود مدير الثريا . ثم أصدقاء الشابى أمثال الحليوى وبورقعة الى جانب الممثلين والفنانين الذين مدهم بمسرحياته وأغانيه .

ولا يمكننا تعد كل أصدقائه إنما اقتصرنا على أهمهم وخاصة على الذين تأثر بهم ووجهوه . مثل بيرم التونسى . فبالاحتكاك به تأثر بنقده وأخذ عنه النكتة المصرية وخاصة الزجل اذ اطلع على الزجل المصرى .

مزاجه :

. . . . من الصحافيين الكبار ولكنه عند نفسه قلفه ومن زجالينا الذين لا يشق لهم غبار ولكنه قلفه ومن وسامينا الحذاق ولكنه لا يود أن ينشر اسمه ويبرز رسمه ( 10 ) .

بهذه السطور عرفته مجلة الثريا ، ومنها نتبين نزعة التواضع التى امتاز بها الدوعاجى إن لم نقل طغيان الخجل على نفسه فى اظهارها للناس وفى التعريف بها فهو مقتننع فى قرارة نفسه بقصر بيانه لذلك نراه يتهرب من المسؤوليات ومن كل شىء يجر له الاعلان عن اسمه ويرسم صورته وصور لنا صاحب الثريا تهرب الدوعاجى من الشهرة بقوله :

ترد على على فى كل اسبوع المكاتيب طلبة منه ان يعلن عن رواياته وازجاله ومداعباته فاسلمها اليه فلا يقرأ منها غير عنوان الباعث ثم يلقيها فى احدى زوايا الاهمال والنسيان لأن فى المسألة اعلانا عن الاسم وتوقيعا على الرسم وقبضا للمال ( 11 ) .

وحتى إن نظم أغنية أو ألف قصة أو رواية فيقدمها فى حياء وخجل

ونندهش لما بين هدا المزاج والافكار من تباعد فآراؤه جريئة وثورية هاجمت التقاليد والبيئة والازياء والأغانى بكل عنف ثم ها أن صاحبها خحول منها .

على كل فقد غلبت النكتة على أحاديثه (( يسرك أبدا بما يقوله )) ( 12 ) ، التزم السكوت غالبا وأكثر من ذلك فان له صبرا على السكوت ( 13 ) .

تمسك الدوعاجى بالزى التقليدى فلم يتفرنج كبعض أصدقائه وارتدى (( البلوزة التونسية )) ودلتنا كل الصور التى نشرت حوله والصور الكاريكاتورية التى رسمت عنه على تمسكه بهذا الزى .

مصادر ثقافته :

تصل الدوعاجى بالأدباء وأهل الفن واحتك بهم ثم حرص على حضور مجالسهم مثل تعلقه بمجلس العربى الكبادى واغتنم فرصة التقائه بسمع التونسى فاستعار منه بعض المجلات المصرية ليطالعها وكان ذلك وسيلة له اطلع بواسطتها على ما ينشر من الأدب الشعبى المصرى كالأزجال والقصص والمواويل والنوادر والفكاهات ( 14 ) .

وأغرم خاصة بالصحافة لاثراء زاده اللغوى ومال خاصة لصنف الظرافة والفكاهة مثل مجلة Lustration  La - مجلة أسبوعية وفنية - ومجلة (( روز اليوسف )) التى عرفت برسومها الساخرة وعدد لنا مصطفى خريف مطالعاته العربية فقد عرف ( يعنى الدوعاجى ) أكثر كتب الجاحظ وقرأ الأغانى ويكفى أن أقول هذا ليعرف تضلعه فى العربية . . . وكان معجبا أشد الإعجاب بسيدنا محمد وبالجاحظ والمعرى ( 15 ) فتوضح لنا هذه القائمة أدب الدوعاجى فقد تأثر من غير شك بالنكتة عند الجاحظ واتبع المعرى فى عمق التفكير

كما اهتم السنوسى فى احدى مقالاته بالرسم عند الدوعاجى فعدد لنا الرسوم التى عرفها له : من عمر الخيام الفارسى إلى ابن خلدون العربى التونسى ومن نيتشا اليهودى الالمانى الاديب لعصرنا إلى عبد الكريم الخطابى زعيم ثورة الريف اللاجئ الى القاهرة ( 16 ) .

وأضاف أثناء حديثه صورة لطاغور رسمها صاحبنا وعزم على اخراجها السنوسى فى الجزء 19 من كتابه (( أعلام الادب فى افريقية )) .

وقد ذكرنا الدوعاجى فى هذه الرسوم بجبران خليل جبران اذ افتن برسم المشهورين فله مثلا رسم لابن خلدون وإن قارنا بين الرسمين - معتمدين فى ذلك على ذوقنا الشخصى - وجدنا ميزات كل لوحة غير أن جبران اعتنى خاصة بنظرة مؤرخنا التأملية .

وليس المجال هنا للحديث عن رسوم الدوعاجى إنما نستفيد من ذلك أن أديبنا لم يكن بمعزل عن الأدب العربى القديم ولا عن الأدب العالمى فرسمه لابن خلدون واهتمامه بابراز ميزاته لا يتم له دون معرفة - ولو بصورة بسيطة - لآثار هذا المؤرخ خاصة وأنه رسمها عن ذوق ورغبة فيكون العامل الأصلى الذى دفعه لهذه اللوحة الافتتان بجوانب من هذه الشخصية .

إذن أثرت كل هذه العوامل على شخصية أديبنا من احتكاك بالأدباء وإقبال على المطالعة واتصال بالشعب سواء عند اشتغاله بالتجارة أو عند مكوثه بالمقاهى فلاحظ عن كثب سلوك الأفراد تجاه بعضهم وتجاه المجتمع وهو خير زاد للثقافة إذ هى ثقافة حية تعيشها وتلاحظها بالعين الى جانب الجولة التى قام بها بين حانات البحر الأبيض المتوسط فقربته من أجناس متعددة المذاهب والعادات وعرفته على أفكار جديدة .

فتمكن الدوعاجى من نيل ثقافة واسعة وعميقة مع ما امتاز به من ذكاء فطرى وشغف بالمطالعة وعزيمة وراء طلب المعرفة دفعته الى التطلع والجد حتى أنه مدد أوقات عمله عند ساعات النوم فتراه فى كل نهار ، ونهاره يبتدئ على الثالثة بعد الزوال وينتهى على [ الساعة ] الرابعة صباحا على كرسى . . وبين اصبعيه سيقارة مغذية ( 17 ) .

إدمانه على الخمرة مرضه فوفاته :

تعاطى الدوعاجى أنواع المخدرات وأدمن على الخمرة وبذلك انتابه مرض السل مما اضطره للتنقل الى أريانة فقضى بها مدة سعيا وراء تحسين حاله لكن تدهورت صحته فدخل مستشفى (( شارل نكيول )) وزاره يوم الثلاثاء 24 ماى 1949 الهادى العبيدى صحبه زين العابدين السنوسى ومحمد ابن فضيلة ( 18 ) ،

فلاحظوا تقهقره الصحى الى جانب إهمال فى معالجته الشئ الذى دفع الزملاء الى التوجه لمقابله وزير الصحة طالبين منه نقل الدوعاجى الى مصحة - سينتاريوم - [ خاص بالدين يدفعون مقابل العلاج ] . ولم يجدوا الوزير فى ذلك المساء .

لكن فى الغد اذن الطبيب أهل الدوعاجى بنقل على الى الى بيته حيث لم يعد هناك أمل لعلاجه ولم يأت مساء يوم الجمعة حتى لبى داعى ربه يوم 27 ماى 1949 / شعبان 1368 ه .

وبقيت أمه بعده تسع سنوات الى أن اختطفتها يد المنون .

عرفتنا هذه المقالات بحياة الدوعاجى فكشفت لنا بعض الغموض وقد حررها ثلة من أصدقائه عاشروه وتعرفوا على أفكاره لهذا وثقنا بأخبارها ولئن ربحنا من جهة فقد خسرنا من جهة ثانية إذ جاملوا صديقهم وتحرجوا من نقده بل مجدوه حتى أن مصطفى خريف يستهل مقاله دون سابق تعليل ، على دعاجى نموذج للعبقرية الفذة الأصيلة ( 19 ) .

كما أن هذه الأبحاث كتبت حسب مناسبات الذكرى لذلك أتت ارتجالية فطغت عليها نزعه التعميم وخلت من الأبحاث العلمية العميقة وقليل من أصحابها تصدى لموضوع معين وطرقه من كل جوانبه ، إنما هى توارد خواطر : شارك الدجاعى فى الصحافة والمسرح والغناء دون بيان الأسباب والدوافع والنتائج .

زيادة على هذا مزج هؤلاء الأدباء القصة بالمسرح وبالحياة فأشاروا لها بصورة إجمالية وأطلقوا عليها أحكاما حسب أهوائهم غير مرتكزة على حجج واستشهادات ثابتة .

وهكذا تأخرت الدراسات التحليلية والنقدية المبوبة حسب البحث العلمى ما عدا القليل النادر منها .

وإن كنا نجل الدوعاجى فلا يعنى هذا أنه بلغ درجة الكمال فنتغاضى عن أخطائه ولا ننقده فنتوقف عن مجرد الملاحظات : استعمل الدارجة فى قصصه , فليس هذا بكاف : هل نوافقه فى استعمالها ؟ هل هذب هذه الدارجة ؟ ما هو مآل مسرحياته ؟ هل اتسم أدبه بالأصالة ؟ كيف كانت أقاصيصه ؟

هل أقتصرت على الواقع التونسى أم تناولت مشاكل انسانية ؟ ما هى قيمتها بالنسبة للأدب التونسى ؟ هل ارتقت به ؟

نقول أقاصيص الدوعاجى واقعية ، لكن كيف كانت هذه الواقعية ؟ هل اندفعت وراء العواطف والمشاعر أم آمنت هذه الواقعية بالمبادئ الانسانية ، وتبنت المعضلات البشرية الكبرى كالعدل . . . الرخاء . . . المساواة .

ثم عاش الدوعاجى فترة الحروب المهولة ، الحربين العالميتين فما كان تأثيرهما على أدبه هل خامرت ذهنه بعدها آراء حول الحرية ؟

ولا نقارنه هنا بـــــ Camus ولا بــــــ Sartre اللذين استنتجا آراء عميقة بل نقارنه بأديب تونسى وصديق له مر بنفس الظروف وهو محمد العريبى وها هى أقواله تشهد على ذلك عند تعريفه الحرية :

هى زغردة الرصاص ودووى القنابل وأنين الجرحى وهمهمة القتيل وصليل السيوف . . .

فأين الدوعاجى من هذه الآراء ؟

ر . ك ٠

اشترك في نشرتنا البريدية