حضرة الاستاذ سيدى رئيس تحرير مجلة الفكر
تحية اعجاب وتقدير لعل ما ابعث به اليكم هذه المرة بعد انقطاع طويل عن المساهمة في تحرير مجلة الفكر ، هو الصدى الحق لافتتاحية العدد الاخير من مجلة الفكر الصامدة ...
ان ما يسوء حقا تخلف النقد عندنا !... لمركب متوارث أحب أن أسميه " اعتقادية " Logmatisme وليسمه غيرى من المسلمين " بالظن الآثم " فلقد لابس هذا المركب فكر شيوخنا وتوارثه عنهم فكر شبابنا فى غير ما وعى ! ... وهل يبحث الوارث عن مآتى الورثة للموروث ؟
عندما كتبت أول مرة بالفكر - منذ ست سنوات - كنت ، طالبا ، تهامس من حولى من كنت أحسبه رائدى فى حقل الفكر قائلا : " لا بد لهذا الشاب وسائط " والا كيف يجوز ان ينشر له بمجلة محتكرة من طرف جماعة ...
وفي جلسة معه أكدت له أني لا أعرف أحدا من أسرة الفكر والواسطة بيننا لم تعد البريد فبهت . وكان مصدقى . أما بعض الشبان الذين تهمل أسرة الفكر نشر نتاجهم بحكم " المهنة " والمستوى . فان لسان حالهم لا يتردد عن وصف القائمين عليها بشتى النعوت وأقلها الفراغ والمحسوبية ...
ان نخبة من الأمة يكون هذا تفكيرها نحو منبر جاهد وصابر منذ نشأته فى سبيل رفع المستوى الثقافى فى هذه الرقعة من الارض . لهى فى واقع الامر مصابه وراثيا بداء مازلت أصر على تسميته بــ " الاعتقادية " ، وفى اعتقادى ان هذا المرض يحتاج الى تطبيب فهل من مداو ؟
وتفضلوا ختاما سيدى رئيس التحرير بفائق اعتبار المخلص
القراء ثلاثة : قارىء متعال قارىء متتلمذ وقارىء واع فأيهم أنت ؟ . .
ان شر القراء ، قارىء متتلمذ ، خامل ، يأخذ - شاكرا - ما يتفضل به عليه الكاتب - أى كاتب دون مراجعة أو استفسار ، لأن طبيعة الانزواء لم تسلحه بسوى ( غريزة الأخذ ) ولو كانت أوامر الاستعباد الفكرى .
وشر منه ، القارىء المتعالى وهو الذى ينظر الى كل نتاج فكرى من أعلى فيبدو له قزما متدحرجا ! . وان كان عملاقا ضخما .
وليبدو بعض هؤلاء المتعالين ، سمحا كريما ، يلاطف بهذا القزم بابتسامة جافة ، لعلها أفصح بيانا من قوله : ألا ترى كم أنا متواضع ؟! .
أو لعلها نفس الابتسامة التى يقابل بها السيد تفانى خادمه فى العمل ! وغير هذين ؛ القارىء الواعي ، وهو نوعان قارىء واع ، يتهم الكاتب حتى تظهر براءته .. وقارىء واع ، ولكنه يستبله الكاتب أو يشفق عليه !
فالى هذا القارىء بنوعيه ، أقرر ان الكاتب هو ذاك الذى يحدثك ، زاعما انه انما يحدثك عن أشخاص آخرين ، يصف لك الفرح والبهجة التى تغمر حياتهم ، ويرسم لك صورة لما يعانيه بعضهم ، من ألم مر ، وحزن مقيم . وينقل لك تنكيت البعض الآخر ، وفكاهته ، فتفرح أنت ، لفرح الأول ، وتتألم مع الثاني ، وتضحك مع الثالث . ينقلك من جو الى جو ، من الحقيقة الى الخيال ، وهو فى غيبوبة نشوة التفريج . وتحسب أنت أن لا صلة بين ما يحدثك به محدثك هذا وبين حياته هو ! .. كلاكما المتحدث والمستمع يجهل نفسه ، ويجهل أنفس الآخرين . ولستما وحدكما في حمأة هذا الجهل . انما أنتما وحدكما ، تبغيان ، في اشفاق ، الذهول عن حقيقة نفسيكما ، وفي تعليل هذه الرغبة ، تكمن فلسفة الشمعة الملتهبة ! هي تريد أن تحيا ، ولا سبيل الى حياتها الا بالاحتراق ! .. ولصاحبها من لهيبها نور ، هو كل ما يعيش به وله ، فاذا ما انطفأ هذا النور ، تساوى الوجود والعدم ، والانسان والحيوان .
أنتما تخشيان هذا التساوى . . لذلك تفضلان حياة الذهول فى خيال سابح ، عن الحياة في ادراك شامل لحقيقة الوجود فى أبعاده كلها . وحياة كهذه يتنازعها سلب ظاهر وايجاب خفي ، ولا يغرنكما من الايجاب حياته وقوته ، فالسلب في مثل حياتكما أنشط وأقوى ، وفوزه يحققه ذهولكما . وأنى لكما ادراك الموت الذى ينتظركما ، متربصا ، وانتما من خشيته فقدتما الوعي بمسؤولية كلاكما ازاء الآخر . .
تفران من الموت ، وانتما ملاقيانه لا محالة ، وحتمية هذه الملاقاة ليست طبيعية في وجودكما ، الا على الاعتبار النسبى . اذ ان التكامل الوجودى هو سر بقائكما لو كنتما تعلمان ! .. ولعل نظرة فاحصة ، تلقيانها على تاريخ الفكر الانساني تعطيكما رسما بيانيا للتكامل الوجودى ، فى حياة الفكر .. وعندها تدركان ان الديمومة في مجال الذات غيرها أبدى البقاء فى مجال الفكر ، وأن لا ارتباط اطلاقا بين المنتج والانتاج فى حكم الزمن المستمر ، الاختلاف أبعاد الوجود النسبى للمنتج والوجود المتكامل للانتاج .
قد يصبر المرء على الاتهام ، وهو البرىء ، ولكنه لن يستطيع أن يصبر نفسه على استبلاه تستهدف له ! قد يختلف رد الفعل ، سلبا وايجابا ، الا أنه فى كل الحالات ذو أثر متحد .
فالاتهام ، يكسب النفس لونا من النشاط الذهنى ، قد تكون فى أكيد الحاجة لحملها عليه . فتتفتق الذهنية عن فكرات ، معززة بالبرهان ، لم يلدها سوى ذلك الاتهام .. فالاتهام فى مثل هذه الحال ، عامل مخصب ، فى حقل الفكر !..
وعملية التحمل لدرء الاتهام ، مهما يكن جدب حقلها ، ومهما تكن ضحالة موردها ، ان هى الا ضمان أكيد ، لعطاء فكرى ، حرى بأن يكون فى مستوى الاتهام .
فبأخذكما نفسيكما بالصبر على الاتهام ، تمحى من ذهنيكما أسطورة الموت ، ويحل محلها وعي بمسؤولية كلاكما ازاء الآخر ، فيكون لكما فى الاتهام حياة ، متكاملة ، نامية على الدوام ، حياة شاعرة ومسؤولة ، همها الخلق والابداع ، تعطى وتأخذ فى حركة دائبة وكفى .
ولئن كان صبر النفس على الاتهام كصبرها على ألم المبضع رجاء الحال الفضلى . فأن معطيات السبر المتغور ، لقضية التقييم الأدبى ، وحتى مفارقاتها ، تؤكد في غير تردد ، وجوب ثورة كل نفس واعية معطاء ، على ما تستهدف له من استبلاه ، خاذل ، معيق ، همه مظاهرة الانزواء والانكماش لتجسيد
الموت ، الذى لا يلبث أن يصير جمودا فكريا - كنتما قبل الصبر على الاتهام - من خشيته تفران ذاهلين عن ادراك مسؤولية كلاكما ازاء الآخر .
وكاين من تهمة ، أخصبت ، فأنمت الرصيد الفكرى بعشرات المؤلفات لم يكن بذارها سوى تقابس ، أحد عنصريه قارىء واع يتهم ! .. فكان كمن جنه الليل بمهمه ، وآنس نورا ، فسعى اليه ، فاما ان يقتبس منه ، واما أن يجد عليه هداه . ألا تريانه على الحالين غانما ؟ ..
ان الكاتب ، والشاعر ، والقصاص ، ان هم الا مناجم ثريه ، وعملية الافادة من هذا الثراء ، تحتاج الى جهد متواصل ، وشجاعة ، وصبر على التصفية والفرز والتكرير ، ليخلص الجوهر من شوائبه .
ألا فلتحاول دائما ان تكون أيها القارىء - واعنى الواعى - عاملا نشيطا فى مناجم الفكر فنتاجها خير وأبقى .. من نتاج مناجم الذهب والفضة ولتسم عملك ( نقدا ) وليكن على رؤوس الاشهاد ، لا أن تهمس به فى زوايا المقاهى وأركان النوادى ، وليكن شعارك فى عملك هذا :
قارىء واع يتهم !..

