الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

قال لى أبى

Share

- ١١ - ومعذرة يا اخي العزيز فقد حدثتك بحديث ابي عن جدى عن الهجرة فى ذات الوقت الذي لم يخطر على بالى الترتيب فى الوقت بين الوقائع ، ولعلى تناولت الاقرب لداري وانتهيت فاذا بي اعد القارئ بان اكون واياه على سمر الصحبة فى ارض بدر نقص الحادثة فى مخططها فأرجو ان اكون الاخ الحميم في الصحبة والصديق الوفي في الوعد وهذا ابي يحدثنا وجدى عن غزوة بدر:

( قال لي ابي ): وقالت عاتكة لاخيها العباس بن عبد المطلب الهاشمي تقص عليه رؤياها فى مصارع القوم : " الا انفروا آل غدر الى مصارعكم " وتزلزلت بين جنبى ابي جهل روحه ، لتنبعث الى الهاوية في الجحيم ورجفت مكة بأصحاب المصارع واخرجت أثقالها ، وجاءهم ضمضم بن عمرو الغفارى يملأ ما بين الحجون إلى الصفا والمروة : " اللطيمة . . اللطيمة ، اموالكم مع ابي سفيان قد عرض لها محمد في اصحابه ، وقال ابن ابي الصلت ما يعدو فيه مضاجع القوم فيقول ابو جهل: وهذا نبى آخر سيعلم غدا من المقتول ان نحن التقينا .

وطاشت عقول القوم وغشيهم من نصرة الجاهلية ما غشيهم فاستعجلوا الساعة الحاسمة في مصيرهم المحتوم . " قلت لابي : عودتني الوقوف على العين ، فهل اقف على ما وقفت عليه انت وجدى ؟ وقال : نعم يا بني ! قم فشد على الركاب قتودها وأصلح من زادنا ما يكفى وسأحدثك حديث جدك عن العين خطوة فخطوة ، وحادثة بحادثة وانقل اليك الخبر اليقين . .

( قال لى ابي ) : قال جدك : وندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ، ندبهم

للأجر ، ندبهم للنصر المؤزر وللحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ونفر من أصحابه صلى الله عليه وسلم ، من نفر .

فهيا بنا نمض . . لنتتبع الخطى كما قلت لك رويدا رويدا . وخرج وامتطى راحلته وفعلت مثله ، بعد ان ودعنا المسجد النبوى ، ومضينا فى " سوق الحدرة " وعند انتهائها قال : ان على يسرانا دار أبي هريرة الدوسري قريبا من الباب المصرى وهو باب المدينة قديما واليه كان منزل الحاج المصرى فى أوسط العصور ، وكل ما تراه يا بني الى مسجد الغماة هو عرض سوق المدينة من المشرق إلى المغرب ، وكل ما فى خط القبلة وبعده الى الجنوب كان يسمى المنحنى وفيه اليوم حارة التاجورى . ولما وقفنا على مسجد المصلى المعروف اليوم بمسجد الغمامة قال : اننا مقدمون فى مغرب هذا المسجد على ما كان يعرف بالنقا . اما اليوم فيعرف بحارة العنبرية أو بطحان ، وما أعذب وما انقى هواءها . وهي أرفع مكان فى جهة المغرب وأشرفه فى المنطقة السكينة . ثم قال ابي : يقول جدك انه أدرك في خارج الثكنة العسكرية من الناحية الشرقية بئرا كانت تعرف بالنقا ويا بنى اننى ادركتها ولا ادري عن بقالها اليوم ، فقد لا يتفق مع سيرنا البحث عنها .

وجاوزنا الثكنة والباب . وعندها رأيت مسجدا ذا مئذنتين حسن التصميم ، جميل التكوين . قال والدى : لا تظنن انه اثرى لابل بنته حكومة الاتراك فى آخر عهدها وجداره الجنوبي منحرف عن القبلة . ولو كنت مسموع الكلمة لأغلقته وجعلته اثرا فنيا فى المعمار وحسب . ولعوضت عنه بمسجد السقيا : المسجد النبوى الاثرى الذي ادركه الخراب والتداعي للسقوط ، وان سقط ففي ذمة المسؤولين عن الاوقاف والمساجد ، ومعهم المسؤولون عن الآثار ، والتفت الى يساره وقال : وهذه بركة الحج الثانية - " من ثلاث برك ذكرتها فى حديث الهجرة " . . وهذه أرض سعد بن ابي وقاص ، وكانت تسمى بالافلاج . والفلج يا بني عندنا حياض من شقين ، وهذه تشبهها ، وتسمى قديما ، بالبقع ، وهي في الواقع بقع من الارض صغيرة جدا فى الحرة . . وهذه بئر السقيا من الناحية الشرقية لبركة الحج ، وهي مهجورة معطلة منذ امد يزيد على اربعين عاما ، هذه البئر كان يستقى منها النبي صلى الله عليه وسلم . .

قال ابي : ثم قال جدك : وامتد جيش النبى صلى الله عليه وسلم من هذا المكان الى بئر ابى عنبة ، وستراها . . واستعرض صلى الله عليه وسلم الجيش ، واجاز من اجاز ، ورد من رد . ونحن الآن في مبدأ حرة الظاهرة والحاصل ان المؤرخين ذكروا الاستعراض فى الاماكن الثلاثة : في حرة الظاهرة وهي هذه ، وعند السقيا وهى التى نحن فيها ، وعند بئر ابي عنبة وكأنها نهاية مكان الاستعراض . . فلنمض !! فمضيت مع والدى في ايسرنا السقيا وفي ايمننا جدار محطة السكة الحديدية ، حتى إذا خرجت الى محطة نفط كتب عليها " محطة العساف "

وعندها بئر ذات جدار عال قال : انها بئر ابي عنبة . . هكذا حكى عن جدى . وعند ما وصلناها قال : نحن في " نقب بني دينار " ولا تنس ان النقب هو طريق فى الحرة او الجبل . . قال أبي : ورأيت جدك يشير الى بناء مربع مهد قال : انه يعرف اليوم بمسجد الخضر . اما هو فمسجد بني دينار ابن النجار ، كان يعرف بمسجد المنارتين ، تنوسى هذا الاسم منذ زمن ، اما المنارتان - فهذان الجبلان : ( واشار بيده الى شمال محطة السكة الحديدية  ) وقال : اترى النخيل المعروفة بالعمرانية اليوم ولعلها ما كان يعرف قديما بصلاصل ؟ انها كانت لعروة بن الزبير وبعدها بعض الآبار والبساتين وفي شمال الكل جبلان احمران حمرتهما أقرب الى الصفرة انهما المنارتان . وكانا يعرفان في اوسط العصور الاسلامية بالاصيفرين وهما فى هذا الوقت يعرفان بالاصيفرين محرفة عن الاصيفرين . وابدال الهمزة بالعين كثير عند بادية الجزيرة العربية فيقولون بدلا من سألت عنه : " سعلت عنه " . أما نسبة النقب لبني دينار فهذه منزلتهم في حدها الشمالي ، وتمتد الى المنطقة المعروفة اليوم وقديما بالمغسلة وفيها بئر نبوية ومسجد ادركهما الخراب . . وكم للخراب من آفة ، وستذهب آثارنا - ان لم نحافظ عليها - كما ذهب اكثرها ، وأعيانا فيها التتبع والتقصى ، وطمر الجهل معالمه . . ولعل بعض الباحثين الاجانب عندهم علم بها احسن مما عندنا ولا حول ولا قوة الا بالله . . هم جدوا ونحن اهملنا ، وهم بحثوا ونحن دفنا ، لا في دورهم وآثارهم بل في دورنا وآثارنا ! وكم مستشرق جاب البلاد وعرف خباياها ، وطبق معلوماته وسجل ما حصل عليه . اما نحن فاذكر لك بعض ما لاقيت : كنت ابحث عن بعض الآثار

فى ضواحي البلدة ومعي ( مصورتى ) وبعض الزاد ووقفت على اثر عظيم تاريخى قائم العين فى مبناه انه قصر وحصن كعب بن الاشرف واخذت اسجل حالاته التى هو فيها واستغرب من بقائه حيا لم يفن منه عضو . احجاره كبيرة جدا ، وحجره كما كانت حين كان كعب بن الاشرف من قبل امد يربو عن الف وثلثمائة وسبعين عاما ، وما ان خرجت حتى كنت محاطا بئلة من البادية من سكان المنطقة ودفعة ظننت انهم جاؤوا لكرامتي يريدون ضيافتي واذا بي ارى عليهم السلاح مدججين به ، واكثرهم يعرفني واعرفه ، واذا باحدهم يصرخ : " كتفوه! كتفوا العياشي وهاتوه في السيارة تذهب به للحكومة ، هيا يا عيال " واقتربوا . انهم كانوا عشرة وانا واحد ،

انها مشكلة . ورأيت من ظننت فيه العقل وكنت اعرفه ، ان اسمه " ابن قمزة " قلت : ( تكفى ما هى الاسباب ؟ ) ولم ازل معهم حتى علمت انه يدعى ملكية الحصن بوضع اليد . . وهكذا تذهب آثارنا التاريخية المجيدة ، وانني لاعلم كثيرا من الآثار فى دور أن نفقدها لآخر مرة وعليها يعتمد التاريخ ، ولهذا يقول " العياشي " : واصاحباه يا مديرية الآثار العامة ومصلحتها ادركيها قبل فوات الاوان !

ايها القارئ العزيز خرجت فمعذرة والى اللقاء ان شاء الله في العدد القادم لنسير الى بدر بأذن الله في الخطوات البسيطة وفي أمان الله تعالى .

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية