2
تنتهي صلاة العاشرة بدورها فتفتح ابواب الكنيسة على مصراعيها وتقرع النواقيس من جديد شديدة حامية وتسرع في القرع وتتجاوب وتتسابق وتتلاحق
يتدفق المصلون خارجين من ابواب الكنيسة ، ومن الباب الرئيسى بالاخص ويطول الخروج ويمتد ويدوم زمنا والنواقيس تدندن . . وسرعان ما ينتشر الاطفال وسط البطحاء ، فيخوضون فى ألعاب مختلفة ، ويكثر صياحهم ويزداد جريهم ، والاباء والامهات حلقات حلقات ، يتحدثون مع الاقارب والاحباب والاصدقاء امام الكنيسة وبجانبها وحول البطحاء .
ويمر سى الهادى وسط البطحاء فوق دراجته ، ويخفف من سرعتها مخافة اصطدامه بطفل من الاطفال ، ثم يترجل ويسير بجانبها ببطء وهو يبتسم وينظر الى الرجال الواقفين حول البطحاء فيحييهم ، فيرجعون له التحية فيزداد ابتسامه ، وتزداد تحياته ، ويقف ليتحدث مع بعض الشيوخ ثم يتابع طريقه وهو يبتسم ويحيى ، فيلتفت اليه من يلتفت ويغادر البطحاء وهو فرح مبتهج ويتعد عن البطحاء راجلا ، ثم يمتطى دراجته والابتسام ينير وجهه .
يفترق الاباء والامهات شيئا فشيئا . . وينادون اطفالهم . . ويلحون فى النداء . . والأطفال لا يكفون عن اللعب ، والجرى ، والصياح ، لا يريدون الاستماع الى نداء آبائهم ولا يلتفتون
يمر بعض المصلين بعم بوسعيد ، ويقف طفل من اطفالهم امام الصناديق مادا يده مشيرا الى تفاحة ، او الى الحمص المقلي . فيجذبه ابوه ، وينظر الى
عم بوسعيد ، وسمرته الشديدة الداكنة ، ولحيته الكثة ، الغزيرة ، وينظر شزرا الى الحصيرة المفروشة على الارض ، والى الزربية القديمة المطروحة ويعبس الى القبة المظلمة والى نوافذها المغلقة ، ويقطب الى الصناديق الصغيرة والى القفاف المتراكمة والى الزرابط المكومة ، والبعض منها رافع اسنته الشائكة السوداء .
والقرنفلات جميلة فى محابسها والعصفور يقفز ويغنى وعم سعيد يسبح ، يرسل حبات سبحته الحبة تلو الحبة ، وشفتاه تتحركان
يجذب الاب ابنه بعنف ناهرا كاشا مكشرا ، فينطلق الطفل باكيا يريد جر ابيه او الانفلات من قبضته ليعود الى عم بوسعيد ، لكن يحكم الاب مسكه يجره فينقاد الطفل رغم انفه متعثر الخطى وهو يلتفت .
ويمر من يمر بعم بوسعيد ، ويقف طفل امام الصناديق ، ويمد يده يريد زربوطا او صفارة ويأخذ الزربوط او الصفارة ، ويدفع الاب الثمن ، ويتابع الطفل سيره مبتهجا فخورا وزربوطه بألوانه الزاهية فى يده ، او صفارته الصغيرة فى فمه تدوى .
ويدخل بعض رجال ونساء الى بائع الكحول لاشتراء دبوزة من الخمر الرفيع ويطلب لفها فى قرطاس جميل فتلف الدبوزة فى ورقة رهيفة تكاد تكون شفافة ثم في ورق مقوى جميل ، وتربط بخيط ملون ، وتقدم بابتسامة ، وتبقى اليد مفتوحة لتناول النقود ، والمشترون يترقبون فينتفض الرجل فاتحا معطفه باحثا عن نقوده ، ثم ينتفض فاتحا فيستته ويدخل يديه فى جيبى سرواله وهو يبتسم . . .
يدخل بعض الاصدقاء الى الحانات المجاورة للكنيسة ، لتناول " الابيريتيف " فيقضون نصف ساعة واكثر فى الحديث والضحك والقهقهات
وتذهب جماعة الى دار صديق لتناول الفطور . ويدخلون الى قاعة الاستقبال ويكثر الترحيب ، والابتسام ، والقبلات وتقدم لهم ربة البيت خمورا متنوعة ، فيختار كل واحد خمره المحبب . . . ثم يدخلون الى قاعة الاكل ، وقد مدت الطاولة ، ورصفت وزينت . . وتقدم الخمور مختلفة حسب ما يقدم من الاطعمة وتسهل العبارة ، وينساق الحديث ، وينقاد ، بعد تعثره وتردده ، وقد لعبت الخمور بالعقول ، فابتهجت الانفس فيبتهج رب الدار لابتهاج المدعوين ويقدم
الى دبابيز الخمر العتيق ، يفتحها الدبوزة تلو الدبوزة . فينفجر الضحك ، ويعلو ، ويرتفع ، وتأتى النكت والملح ثم يخوضون كلهم فى احاديث شتى وتنفجر القهقهات .
وتدور الغلال ثم الحلويات ، وما يناسبها من خمر وتأتي القهوة وما يناسبها من خمر ، ويقوم المدعوون ببطء واناة وثقل ويرتمون على ارائك الصالون وقهواتهم في ايديهم ترتعش . . . ويقل الحديث ثم يهدأ . . فيفكر رب الدار فى تنشيط العقول ، وفتح الافواه المغلقة ، فيفتح الراديو للاستماع الى ما تش رفبي او كرة القدم . . فتكون الطامة اذ يعم السكون ويخيم وتخرج السجائر فتدخن ، وتدعو ربة الدار النساء للذهاب الى غرفة نومها ، فيقمن ويتبعنها تاركات ازواجهن الى مذياعهم ، وتريهن البدلة التى حدثتهن عنا : ثم يخضن فى احاديث مختلفة . . . ثم يشاهدن كل بدلاتها ثم يشاهدن صور الاعراس والعطل ، ويبقين يتحدثن بسهولة وبساطة بعيدات عن رجالهن فيأتين بأحاديث لا يبحن بها امام الرجال ويكثر ضحكهن .
ويعدن الى الصالون خفيفات ، نشطات ، مبتسمات ، مرحات . فيجدن ازاواجهن رابضين كالدبوب الناعسة ، وقد عسر الهضم ، وثقل ، والقاعه تعج فى دخان كثيف ، فتسرع سيدة البيت الى النوافذ تفتحها ، ويصوبن اسئلة كالرماح نحو رجالهن ، متهكمات ، ضاحكات ناقدات سكوتهم ، وقلقهم ، وخمولهم ، فتعود الحركة من جديد ، ويعود الابتسام .
. . وتأتي الثامنة ، فيدعون ثانية إلى الطعام وبعد التمنع والتردد ، وبعد الالحاح ، يعودون الى الطاولة رغم انفهم ، وياكلون بأقل شهية . . وتحضر القهوة ، ويتحدثون ، ويتقدم الليل ويحين وقت الفراق عند وقوف مدعو واعتذاره ، ووقوف زوجته بحانبه واعتذارها ، وسرعان ما تقف الجماعه كلها وتعتذر يندهش ربا البيت او يتكلفان الاندهاش . . يكثر الحديث عند الباب ، ويطول ، ويبقى الباب نصف مفتوح والجمع فى حديث لا ينتهى وفى آخر الامر تخرج الجماعة ، وعند المدرج تعود الضحكات وبعض من القهقهات ولا ينتهي الحديث ولا يكف ، ثم يقص قصا ، ويلف لفا ، وتأتى قبلات الوداع رنانة حارة على الخدين ويتهيأ من يتهيأ ثم يقبل بحرارة على شفتين ، فتبتسم من تبسم خفية والسرور طافح فى نظرتها المشتعلة المحذرة المؤنبة ، وينزلون المدرج . .
يأتي الحديث من نواح شتى . . اننا قضينا يوما جميلا . . . فرحت بنا كثيرا . . غدا يجب ان اذهب الى الادارة فى السابعة . . اشعر بالتعب . الكلب ارايت الكلب عندما دخل الى الصالون جلس على الاريكة فطردته ماريانا اعتقد انه يدخل الى الصالون ويجلس على الارائك كل يوم . . . . عض يوما طفلا " عربيا " فكاد يقطع له رجله . . رباه خصيصا لينطلق وراء الاطفال الذين يقفون امام العمارة . . كنا نستطيع ان نعود الى المنزل فى الثامنة . . . ما أجمل زوجة اخيها . . ما اجملها . . اشاهدها للمرة الاولى . . روبرتو هائج كالمعتاد يصيح ويضحك ويقهقه أرأيت عندما تشرع مرقاريتا فى القهقهة . فهي تصم الاذان . . لم تعجبني بدلتها . . يشترون اللحم من عند روبار اللحم شهى . . يشترون اللحم دائما من عند روبار . . أمام طفلها . . أشاهدت حجم قطعة اللحم ؟ . . أرادت أمه أن تنقص منها فعلا صباحه زوج تينا همه كاسه ، فهى دائما فارغة . . لم تنس فيفيان زوجها لم ادر كيف استطاعت التغلب على البكاء عندما ذكرت اسمه هذه المرة . . ابنه جاك يريد ان يتزوج بفتاة . . هو اجمل منها بكثير .
يمر البعض وسط البطحاء ، ويشاهدون عم بوسعيد جالسا ، كعادته كل ليلة ، يمر من يمر امامه ويمر من يمر خلفه وهو صامت ساكن لا يتحرك . . اوه اوه هذا الشيخ لا يريد ان يموت . . يجلس دائما على نفس المقعد . . منذ سنين . . انه يخيف . . " هالمورابو " . . لا استطيع ان انظر اليه . لا استطيع ان أمر بجانبه ليلا وحدى . . ما اقبح منظره . . دائما فى البطحاء دائما . . لو يتناوله احد ويزجه فى سجن او يرميه بعيدا . . او فى مستشفى . . كلب هرم ، وسخ ، فى فندق الكلاب . . لو يقتله احد . . او يخنقه ، فنستريح من منظره البشع فى الحى
. . يبتعدون عن البطحاء ، ويدخل البعض نهج سيدى عبد الحق . . . والبعض نهج الرمانة . . والعمارة العالية قبالة البطحاء
يبقى عم بوسعيد زمنا جالسا على مقعده ، وقد خفت الحركة ، وهدأت البطحاء . . ثم يعود الى قبته متوكئا على عكازه ، وشفتاه تتحركان .
٠٠ يأتي صباح وتنتشر الشمس فى البطحاء والسماء صافية زرقاء واشجار الكلاتوس قائمة يانعة مرتفعة شاهقة تحتها ظل دائم يلتجئ اليه شيوخ
كثيرون ، مالطيون وايطاليون ، يجلسون جماعات ، جماعات على المقاعد العمومية ، قبالة الكنيسة ، وقبالة الحوانيت ، والمخازن بالاخص ، فيبقون الساعات الطويلة من الصباح ، يدخنون ويثرثرون ، او هادئون ، صامتون ، يديرون رؤوسهم قليلا قليلا متبعين خطى المارة ، وعيونهم الغائرة ترمق وتتأمل ، وافواه البعض تتحرك لا تلوك شيئا
يمر بعض اطفال وفتيات يقفزون ويغنون ذاهبين الى المدرسة ، ويفتح الحلاق تيتينو حانوته الجميل ، فيبتسم بعض الشيوخ لقدومه ، ويدخل تيتينو حانوته وهو يغنى ويرتدى بلوزته الزرقاء ، ويخرج الكراسي امام الحانوت وهو يصفر ، وينظف ، ويصقل المرآة ، ويمشط شعره وهو يرقص ويقترب من المرآة ويتأمل عينه اليمنى ، ويتأمل انفه ، ويتأمل ذقنه وهو يصفر ، ويبتعد ويقترب ويعبس ويكشر ، ثم يضحك ويقترب من المرآة حتى يلتصق بها ويتأمل سنا من اسنانه ويميل رأسه ويطيل النظر فى عينه ثانية ثم يتناول مشطه ويعيد مشط شعره ويبتعد عن المرآة ويعيد مشط شعره ، ثم يرقص رقصة مرحة ويخرج من الحانوت وهو يرقص ويدخل الكراسي ثم يغسل يديه وينشفهما واخيرا يقف امام باب الحانوت يتناول سجارة وينظر الى الشيوخ ويشير اليهم ويتحدث معهم ثم يأتي حريف فيدخل تيتينو وهو يصفر والحريف يبتسم والشيوخ ينظرون : انهم يشعرون بسرور كبير كلما شاهدوا تيتينو وتيتينو كثير الفرح والمرح والانشراح صباحا او مساء صيفا او شتاء ، ربيعا او خريفا .
يرتفع الباب الحديدى لمخزن الخمور الموجود بجانب حانوت تيتينو ، فيحدث دويا ينزعج له بعض الشيوخ ، فيلتفتون الى المخزن وكالعادة يخرج عامل المخزن ويدخل الكميونة الواقفة امام الباب ، ثم يسمعون اضطراب القوارير الملآنة عند ركز الصناديق فوق الكميونة ، وتنبعث كروسة من كرارس صحليلو مسرعة من اقصى اليمين ، اى من نهج سيدى عبد الحق ، وخيولها تركض والكرارسي يصرخ ويحذر ثم ينظر الى الشوخ ويشير اليهم ويبتسم ثم يلوح بسوطه فوق آذان الخيل بدون ان يلمسها ، فتهب مسرعة ، ويشتد ركضها ، والكروسة منساقة نظيفة سوداء تلمع ، وسرعان ما تختفى عن اعين الشيوخ ، وراء جبانة سيدى سفيان ، فيسمع من جديد اضطراب القوارير وركز الصناديق فوق الكميونة ويتغامز بعض الشيوخ لمرور امرأة تدق الارض بحذائها مهرولة وكل جسمها يضطرب ويهتز ويكف مكر الشيوخ عند مرور امرأة جميلة مستقيمة أنيقة ، فينظرون اليها وهي تقترب ، وينظرون اليها وهى أمامهم ويديرون رؤوسهم كلهم جميعا ، وينظرون اليها وهى تبتعد .
يسمع وقع مطرقة الصفائحى الذى يعمل داخل حانوته الموجود بجانب حانوت تيتينو ، ويأتى وقع مطرقته منظوما موزونا مقفى ، ثم يسكن لحظة ثم يعود ، هكذا الصباح كله . يسوى صفائح الخيل يحضرها الى العشية عندما تعود الخيل من العمل ويحين وقت التصفيح . يهدر محرك داخل مخزن الخمور ، ثم تخرج الكميونة ملآنة ، ثقيلة ، تتمايل ، وتغادر البطحاء بصعوبة ويكثر دخانها وتدور حول الكنيسة وتختفى . يدخل بعض رجال ونساء الى العطار العصرى الموجود في اقصى اليمين ، ويدخل القليل النادر الى العطار الشعبى قبالة الشيوخ ، وتمر امرأتان تتحدثان بصوت مرتفع حديثا لا ينتهى كل واحدة حاملة " فيلي " وقفة ويظهر من خلال شباكها غلال وخضر ويظهر من قفة امرأة خبزة طويلة شديدة الطول نحيفة
ويظهر " مارشان دى بوتاى " ويعلو صياحه عندما يتوسط البطحاء . ينظر الى نوافذ العمارات المحيطة بها ، ويطلق الى حنجرته العنان ، ويشتد صياحه فيبلغ اقصاه فيقشعر الشيوخ لصراخه ، ويكشرون فيظهر من يظهر اسنانا صناعية بيضاء منسقة رغم تقدم سنه ، ويظهر آخر فما خاويا الا من سن واحد او سنين ولسانا احمر قبيح المنظر يتحرك والمشترى يزعق فيترقبون بفارغ الصبر ابتعاد المتجول ، والمتجول فى اقصى هيجانه يرسل صيحاته الصيحة تلو الصيحة ارسالا الى النوافذ العديدة المحيطة بالبطحاء . . وتدوم الضوضاء ما شاء الله لها وما شاء " مرشان دى بوتاى " ثم يرفع برويطته ويتنقل فترتعد الدبابيز الموجودة فيها وتضطرب ، ويبتعد البائع فيتنفس الشيوخ الصعداء وتعود اليهم ارواحهم
من بين الشيوخ شيخ جامد هامد لا يحرك يدا ولا ساقا ولا يفتح فما ولا يلتفت يمنة ولا يلتفت يسرة ولو انقلبت الارض
كل صباح يمر سى الهادى فوق دراجته الزرقاء الجديدة اللامعة عائدا من عمله ويقترب من الشيوخ ويحييهم محركا رأسه ، رافعا يده اليمني ودراجته الجميلة الانيقة تسعى فى سكون . يقطع البطحاء رويدا رويدا متجها الى نهج سيدى عبد الحق ، مديرا ساقيه بأناة ماسكا المقود المرتفع بأنفة ، ويختفى عن البطحاء ، فيبقى الشيوخ يتهامسون ويبتسمون
وتنساب دراجة سى الهادى بين كرارس المعلم صحليلو حتى تصل الى المخزن فيبحث بعينيه عن المعلم حتى يجده ، ويبقى ينظر اليه حتى يلتفت اليه المالطي فيحييه تحية طويلة فتميل الدراجة فيدرك المقود ويدير ساقيه بعجل
فتقفز الدراجة وتعود الى توازنها . . ويتابع سى الهادى سيره فى نهج سيدي عبد الحق ، ويبتسم عندما يشاهد ويدجى على بعد ، ويصل اليه وهو يبتسم فرحا ، وويدجى جالس امام عمارته .
يقف سى الهادى ويتصافحان ويجلس بجانبه على عتبة باب العمارة ويتحدثان زمنا ثم يقوم الى دراجته ويتابع سيره
يصل الى منتهى نهج سيدى عبد الحق يعرج يمنة فيدخل الى نهج حمام الرميمي . يرفع رأسه قليلا ويتهادى فى خيلاء ، ثم يدور يمنة ويدخل زنقة سيدى بلهانى . يرفع رأسه اكثر وتبرق عيناه .
ويبتعد الاطفال من امامه ودراجته تدور مرتفعة المقود ، قائمة القرنين ، رنانة ، محذرة ، فى انفة وعظمة وسعى حثيث . يرفع سى الهادى حاجبيه ويشعل عينيه ويكش فى الاطفال ويزعق فى قطة لم تنتبه لقدومه ولم تقفز من امامه . ويتعمق في الزنقة فينعطف بانعطافها يمنة فيسرة فيمنة ويمنة وقبل أن يصل الى داره يقوم فوق دراجته ويرفع رجله ويقفز قفزته المعهودة الرائعة ودراجته تسرع ويبقى يركض بجانبها ثم يقف وقد وصل امام باب داره فيسند دراجته الى الحائط ، ويفتح الباب على مصراعيه ، ثم يدخل دراجته ، ويدخل بعدها ، ويغلق الباب بقوة
لا يخاطب سى الهادى رجال نهج حمام الرميمي ، او حتى رجال زنقة سيدي بلهاني ، ولا يخاطبه احد . لا يقول له احد صباح الخير فى الصباح ، و لا مساء الخير في المساء ، ولو التقت النظرات على بعد ، ودنت الخطوات وثقل الصمت .
يرتدى سى الهادى ، فى العشية ، بلوزة شخصية مشقوقة الامام طويلة الاكمام وكنترة سوداء " فرنيز " وشاشية يميلها دائما الى اليمين ويضع مشموم فل على أذنه اليمني في الصيف ويرشقه داخل شاشيته ، ويسير بتمايل قاصدا القهوة ، فيجلس العشية كلها خارج باب الخضراء ، يطلب الشيشة ، ويرتشف القهوة الاولى ، ثم الثانية ، فالثالثة . احيانا يلبس زيا عسكريا من الكاكي ، ويضع حذاء أسود ، ومنظارا أزرق ، وبرنيطة على رأسه ، ووساما احمر على صدره ، فيبلغ اقصى عظمته ويخرج الى الحي كله للتحول ، يتهادى فى وقار وخيلاء كالديك الرومى . ثم يذهب الى القهوة
فيجلس بفخار ، ويصفقق طالبا الشيخة بصوت مرتفع ، ويتناول القهوة الاولى فالثانية ، فالثالثة ، لان له مداخيل ثلاث فالقهوة الاولى لانه يعمل فى حديقة البلفدير ، والثانية لان له حصانا و " جردينة " ، والثالثة لانه من قدماء المحاربين
ابناه البشير وعثمان لا يلعبان ابدا مع الاطفال الصغار . . تصيح فيهما أمهما فلا تتركهما يخرجان الى الازقة والانهج المجاورة ، فلا يذهبان الى البطحاء الا خلسة ، ولا يقفان امام صناديق عم بوسعيد الا نادرا . . واذا ضربهما طفل خطأ أو عمدا ، تخرج له أمهما عيشة كأفعي تتلوى ، قائمة الرأس ، تفح وتحذر تتوعد وتهدد بقدوم سى الهادى ، وخروجه ببطشه وشدته الى الزنقة كلها ، والى الحى كله ، فيضرب ويقلب الارض ، ويحبس ويقتل ، ويشنق ويسيل الدماء . . يعلو صياحها ويشتد فيفوق طول قامتها فيزداد وجهها اصفرارا وجسمها النحيل اضطرابا . . .
لا يتسلق البشير وعثمان اشجار الكلاتوس ولا يجريان ولا يركضان ولا يجران اغصان الشجر ولا يتسابقان مع الاطفال ولا يتشاجران . . اما اطفال البطحاء فنوع آخر ، شغلهم الشاغل شجر الكلاتوس ، يمرون امامها كل يوم عند ذهابهم الى الكتاب وعند عودتهم ويتسلقونها كل يوم ، ويقطعون اغصانها ويجرونها وراءهم كل يوم . والبشير وعثمان ، امام دارهما ، ينظران الى الاغصان كيف تجر وتمسح بها الارض مسحا ، والاطفال يركضون ويصهلون جاذبين الاغصان الغليظة العظيمة الهائلة . . ثم يتركونها طريحة على الارض ذابلة ملوثة سوداء ويقدم رجال البلدية فى الليل فيرفعونها ويكومونها فوق براوطهم اكواما ويذهبون بها الى البطحاء .
وشجر الكلاتوس ، قديم شديد القدم ، يقال انه فى البطحاء منذ قرن كما يقال انه فى البطحاء منذ اكثر من قرن . . كثرت الأقاويل واختلفت الآراء . لكن الشئ الذي يتيقن منه كل اليقين انه ، كلما تقدمت الاعوام ارتفعت اغصان الشجر وعظمت وازدادت قوة وصلابة ، وامتدت عروقها وتغلغلت فى اعماق الارض ، وامتدت اغصانها وارتمت فوق السطوح ووسط الديار المجاورة فتكاثفت فوقها وتشابكت ، فحجبت عنها الشمس ، ومنعت عنها الهواء والاشجار شاهقة عالية ، تفوق كل البناءات المجاورة وهي دائما خضراء ، دائما يانعة ، لا تعرف اوراقها ابدا الاصفرار او الذبول او السقوط فى فصل الخريف . وتهب ريح شديدة قوية هائلة فتتمايل لها الاغصان بأناة وخيلاء محدثة ضجيجيا مرهبا وصفيرا .
لكن اطفال البطحاء والاحياء المجاورة يهيج هائجهم من حين الى آخر فيتسلقون هاته الاشجار ، ويقطعون منها الاغصان العديدة ، ويلقونها على الارض ، ثم يجمعونها وسط البطحاء ويكومونها عالية ، مرتفعة ، ويفرغون عليها اوانى عديدة من النفط ، ويضرمون النار ، ثم يجعلون يقفزون فوقها بدون خوف بل بشجاعة كاملة .
يقدم رجال البوليس ، على حين غفلة يريدون القاء القبض على الاطفال ، فيفرون ويختفون فوق السطوح ، وفي الانهج والازقة . ويبقى رجال الشرطة وحدهم ، وسط البطحاء يحاولون اطفاء النار ، والاطفال من بعيد ، فى الانهج المجاورة ، وفوق السطوح ، يظهرون ويختفون ، يضحكون ويقهقهون ، ثم يلقون على رجال الشرطة وابلا من الحجارة
وتمر ايام وتعود النار من جديد اكثر لهيبا وتأججا ، ويعود رجال الشرطة اكثر عددا وعدة
واتت ليلة ، اشتد فيها غضب الاطفال ، فاحرقوا شجرة كاملة ، فعلا اللهيب وطقطقت الاغصان وارتفع الشرر ، وانتشر ، واشتد سعال المارة من كثرة الدخان ، ودمعت أعينهم ، وعلا اللهيب اكثر فاكثر ، وارتفعت حرارة البطحاء من وهج الحريق وشدته ، والاطفال جماعات جماعات يحرسون الحريق ، ويترقبون رجال البوليس بشجاعة لا مثيل لها . والشجرة تهدر وتعج ولهيبها يتصاعد الى عنان السماء
المتفرجون ينظرون الى المشهد المفزع وقد انقطعت خيوط الكهرباء وسقطت على الارض ، وفوق السطوح ، كما انقطعت خيوط الهاتف ، والشجرة رائعة قائمة كالبركان الهائج تزفر وتموج وترعد ، وقد صارت البطحاء حمراء والانهج حمراء ، والازقة حمراء ، وانطلقت فجأة نواقيس الكنيسة تدق دقات الفزع ، معلنة الكارثة ، والنار ترتفع شديدة حامية محدثة زئيرا مرعبا وهديرا وارتفعت حرارة البطحاء فبلغت اقصاها ، فازداد خوف المتفرجين وهلعهم فغادروا البطحاء ، وبقيت الشجرة وحدها تلتهب التهابا . وفتحت نوافذ العمارات المجاورة وعلا صياح النسوة . ورفع من رفع هاتفه لنداء رجال المطافى ، فلا جواب . . ورفع من رفع هاتفه لنداء رجال البوليس ، فلا جواب ثم اتى رجال الشرطة والشجرة تزفر زفراتها الاخيرة لقد احترقت كلها وتساقطت اغصانها على الارض شظايا حمراء شفافة بلورية فتهشمت وتبعثرت وعلا شررها . . اقبل رجال المطافى وقد انتهى كل شئ او كاد فنزلوا بسرعة البرق ومدوا الانابيب ، وارسلوا المياه ، لاطفاء البقية الباقية من
الشجرة ، فكشت هذه في وجوههم وارسلت بخارا ابيض وانتشر البخار كثيفا . . وشيئا فشيئا هجعت الشجرة ، فبقيت مغمورة فى بياض بخارها زمنا والمياه ترسل اليها من كل جهة . . واخيرا ظهرت اغصانها من خلال البخار فبانت سوداء عارية قصيرة . . . . . . وبقيت كامل الليل تدخن
مضت ايام وليال ورجال البوليس يحرسون البطحاء ، وتقدم سى الهادى لحراسة البطحاء فى النهار ، ولاعانة رجال الامن . . . وابتدأ البحث عن الذين اشعلوا النار ، وفتشوا عنهم ، والقوا القبض على اطفال كثيرين ، وقد سهل سى الهادى مأموريتهم ، فهو يعرف اطفال الحى كلهم ، يعرف الخبيث منهم والشرير ، كما يعرف ديارهم ، وآباءهم وامهاتهم . كان يرتدى زيه العسكرى ، ويضع حذاءه بمصاميره الشائكة ، ويسير داقا الارض برجليه أمام رجال البوليس ، فيترجم عنهم ، ويفسر لهم ، ويرشدهم ، وينصحهم ، فهو في مقدمتهم كدليل ، يدخلهم الازقة الضيقة العميقة الملتوية ، والانهج الطويلة المتشابهة المتشابكة ، ويقف ويوقفهم امام ابواب الديار ، ويدق ويرج ويقتحم ويخرج الاطفال ، ويرميهم بين ايديهم ، وتخرج الامهات صائحات ، معولات يشتمن ويلعن سى الهادى ، وينقضضن عليه ، لقلع شاربه ونتف شعره فيصرخ فيهن ، ويدفعهن ، ويغلق الباب فى وجوههن ، ويذهبون بالطفل
جال سى الهادى جولات عديدة ، واظهر براعة فائقة ، وقام بواجبه احسن قيام ، واخلص ، فهو طول النهار يفتش وينقب ويبحث ، قام بخدمات معتبرة مما جعل رجال البوليس يربتون على كتفيه ، ويبتسون له ، ويعدونه بالسيارة الضخمة ، والمنزل الجميل
لكن الغريب ، ان عدد الاطفال ازداد فى البطحاء وتكاثر تجمعهم وجريهم وصعودهم فوق السطوح ، وتسلقهم الاشجار ، ورمي الاوساخ ، والزبال والحجارة والقوارير والحكك والثمار المعفنة كل ما يجدون فوق السطوح وفي الانهج يرمونه فوق رؤوس رجال البوليس . . وانزل طفل مرة حجرة عظيمة هائلة فوق رأس سى الهادى ، فسقط لحينه مغشيا عليه ، وسال دمه ، فعوجل به إلى المستشفى ، وبقى فى المستشفى يصيح ويضطرب من شدة الالم . .
ومضت ايام آحاد واتت ايام آحاد لا تشابهها بالمرة ، فالبطحاء حزينة خالية او تكاد ، وانقطعت نواقيس الكنيسة من حدتها فلا تتجاوب ولا تتسابق
فتحت الكنيسة ابوابها لصلاة العاشرة فكان المصلون يعدون عدا واطفال المصلين قليلون هادئون لا يلعبون ولا يصيحون فى البطحاء .
ودقت النواقيس يوم احد ، فكادت لا تسمع ، وفتحت الكنيسة ابوابها لصلاة واحدة فدخل افراد قليلون لا يبلغ عددهم عدد اصابع يدين اثنتين وبعد الصلاة خرجوا وهم يتحاورون بصوت خافت ، والبطحاء من حولهم ساكنة خالية . الا من طفلة جميلة صغيرة ، شقراء الشعر سوداء العينين لا تبلغ الثامنة ، تلعب الكارى مع صديقة لها اصغر منها سنا ، واخوها بجانبها يترقبها .
خرج ليلة عم بوسعيد يتجول كعادته ، فتمشى تحت أشجار الكلاتوس ثم فارق البطحاء ومضى بين جبانة سيدى السفيان وجنب الكنيسة ، وعندما كاد يصل الى واجهة الكنيسة ، لم يقطع الطريق ، ولم يسر بين جبانة سيدى السفيان وجبانة سيدى المرجاني ، بل مر امام ابواب الكنيسة كلها ، وامام الباب الرئيسى بالاخص ، ومر تحت نوافذ مبيت الاباء ، ثم طاف بالكنيسة مرتين ، وهو يتمتم ويسبح ، وبعد ذلك ابتعد عنها ، ودار حول جبانة سيدى السفيان ، معاكسا جولته العادية ، فظهرت له الكنيسة على بعد لاول مرة فجعل يقترب منها ، وينظر اليها ، ويحدق فيها ، وفمه يتحرك ويهمهم والكنيسة قائمة قبالته ، مرتفعة ، شائكة . . دب قليلا وسط البطحاء وجلسا على أحد المقاعد الخشبية والبطحاء خالية ، والمارة لا يمرون ، والعطار العصرى مغلق ، والاضواء مفقودة
. . فى النهار يجلس الى عم بوسعيد ، كما نعرف ، المرزوقى مؤدب كتاب المرجانية كما يجلس اليه الحاج معاوية ، محرك الحومة ، وبعض شيوخ الحي فيتحدثون ويشربون القهوة فى الصباح ، ويشربون الشاى فى العشية ويمر بعض رجال البطحاء ، فيحيى الجمع . ومر سى الهادى يوما فى بطحاء المرجانية ، غريب الشكل ، هادىء الصورة ، يسير الهوينا ، ومنظار اسود على عينيه ، وعكاز يتوكأ عليه ؛ فقطع البطحاء بخطى ثقيلة ، واتجه الى نهج سيدى عبد الحق واختفى
مرت أيام ، وذات يوم جلس الى عم بوسعيد شاب جميل الوجه ، غريب عن البطحاء ، يلبس كسوة سوداء وعلى عينيه منظار . فحدث عم بوسعيد طويلا ، وطلب منه اوراقا نظر فيها مليا ، ثم فتح محفظته واخرج ملفا كبيرا وكتب سطورا ، ثم دون اوراق عم بوسعيد وانصرف
بعد ايام قلائل ، عاد الشاب الى عم بوسعيد بمفاتيح جديدة لشقة وحانوت فى حى جديد ، حمد عم بوسعيد الله واثنى عليه وبارك وقرأ الفاتحة وقبل رأس المسؤول .
هدمت القبة وسويت بالارض ، كما هدمت الديار والعمارات التى تحف بالبطحاء ، وهدم مخزن المعلم صحليلو ، كما هدم مخزن الخمور . . وفي صباح باكر اتت آلة غريبة لقلع شجر الكلاتوس ، فجعلت تتقدم مرتفعة الرأس نحو اعظم شجرة فى البطحاء وصدمتها بعنف فلم تتحرك الشجرة ولو قليلا ، فالشجرة عظيمة شديدة ، ازداد دخان الآلة وتكاثف واسود ، واشتد سواده ، والشجرة صامدة ، قائمة لا تتحرك . هدر هدير الآلة وارتفع وهدهد وارعد واذا بالشجرة تميل شيئا فشيئا ورأسها الشاهق ينزل من السماء رويدا رويدا ثم ارسلت طلقة هائلة سقطت اثرها دفعة واحدة وانطلقت عروقها من الارض فارتفعت عالية نحو السماء بيضاء ندية تلمع وامتدت الشجرة بقامتها كلها فسدت نهجا كاملا واوراقها ترف وترتعش
كفت الآلة وسكن هديرها فسارت القهقرى خفيفة لامعة الرأس مهرولة دارت نصف دورة ، وقفت لحظة ، ثم رفعت رأسها ، واتجهت نحو شجرة اخرى .
. . مرت سنوات بنيت خلالها العمارات الشاهقة ، وفتحت اثناءها المغازات العصرية الانيقة . . واتسعت الانهج فصارت شوارع عريضة جميلة منسقة واتسعت البطحاء فصارت ساحة رحبة ، وغرست شجيرات فجعلت تنمو وتشتد وترتفع خضراء يانعة واغصانها تصعد وتنتشر ، وتخللت الشجيرات اضواء عصرية تجعل الليل نهارا ، ومقاعد عمومية مريحة . . والسيارات تدور حول الساحة بدون انقطاع .
. . وفى فجر يوم بينما كانت السيارات تدور حول الساحة بانتظام والاضواء لم تطفأ بعد ، والمغازات لم تفتح ابوابها ، كان نفس المكان الذي كانت فيه القبة قد كنس ورش ماء ، ومحابس الازهار قد وضعت فى أماكنها والصناديق قد ارجعت كعادتها ، والزربية قد بسطت ، وعم بوسعيد جالس يسبح وشفتاه تتحركان وحبات مسبحته تنبعث من بين اصابعه الحبة تلو الحبة .
