الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

قدرة لا اقتدار

Share

قال الصاحب : ألا تنقل لنا طرفا من احاديثك الى " المنهل " كيما نفيد بعض الشئ بها من طريقه ؟ وانما انا أعنى هذه الاحاديث الحوارية التى تديرها بيني وبينك لتكشف للقراء عن بعض الخبايا فى الزوايا ؟

قلت : لست أرى بأسا من استجابة رغبتك ايها الصاحب الحصيف . على انى أرى أن لى الحق فى ان اسألك عن بواعث هذه الفكرة الطارئة ؟ هل ياتري لاحظت شيئا جديدا فى الافق استرعى انتباهك الى هذا الحد ؟ أم ان ملاحظاتك اتسعت آفاقها حتى اخترقت استار سطوح الحياة الى اعماقها فجئتني اليوم تريد ان اسير معك في بحوثك فى جوانب الحياة النائية والظاهرة والخافية ؟

قال : حاش وكلا ! لم يكن شئ ما تتخيل ، فلم الاحظ شيئا جديدا ، ولم يتسع افق تفكيرى الى هذا الحد الذي تتصوره أو تصوره ، وانما انا امرؤ احب ان اسير مع واقع

الحياة وأهوى أن ادون عنها خطوط سيرها ، سواء كانت هذه الخطوط مستقيمة او عوجا ملتوية . وقد بدت لي ظواهر كثيرة تستدعي التساؤل والتحليل

قلت : أفصح عما تريد ، فلاشئ ادعي الى غموض البيان ، من غموض الاغراض والتواء الاهداف والرغائب

قال : لا عليك منى ! فها انا سأكشف لك عما أريد ان تشرحه لي . . هذه الظاهرة . المنتشرة فى كثير من الاوساط الاجتماعية ، التى يتقدم بها المتأخر ، حيث يتأخر بها المتقدم ، ويقوى الضعيف حيث يضعف القوي ، هي ظاهرة عجيبة منتشرة الظلال فى كل مكان وخاصة فى هذا الزمان ، فانك كثيرا ما تشاهد الاقزام يتطاولون وتتمدد قاماتهم حتى يطغوا على العمالقة ، ومن ثم يمتلؤون تيها وكبرياء وسخفا الى سخف . وقد تواتيهم الحظوظ حتى تئيض ضالتهم الاصيلة الى عملقة هائلة فى انظار الجمهور ، وحتى يرتد . ضعفهم المكشوف قوة وطولا وحولا ، فيسمح لقولهم ويطاع ، افليست هذه الظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل ؟ افلا ترى ان لى الحق فى ان أسائلك عن حقيقة كهنها  وعن مقدماتها ونتائجها ؟

قلت : لك حق ، ولكن حنانيك بعض الشئ . . هذه الظاهرة لاتروج ، كما تقول ، إلا فى الأمم التى لم تأخذ طريقها القويم الى معارج الرقي الصحيح ، فهي تتخبط خبط عشواء فى ظلماء ، ترى النور ظلاما ، والظلام نورا ، والقزم عملاقا ، والعملاق قزما ، وانما ترى كل هذا على ضوء من واقعها الأنوي واغراض افرادها الذاتية فكل فرد منها لا يستهدف سوى منفعته الشخصية ، فان تلمسها من طريق ملتو فحسبه ان تواتيه ، ثم هو مضيف اردية التبجيل والتقدير لمن كان وساطة هذا

الفوز المبين ، والمصلحة العامة فى مثل هذه الأمم شئ شكلى وثانوى ، وغرض قولي ، ودعاية من الدعايات التى يتوصل بها الى تسم المراتب والتقام الأغراض ، وإذا رأيت هذا فى أمة ما فأيقن بانها الخاسرة ، وأن عليها أن تعيد تنظم كيانها ، وان تضع الاشياء فى مواضعها ، وان تولى الأمور اهلها وتقدم ذوي الكفاية من أبنائها وذوي العلم من رجالاتها ، وذوي الأخلاق من قومها .

واما تحليل هذه الظاهرة فانى ارى انها أثر من آثار التخبط الاجتماعي على انها مرحلة من المراحل الاجتماعية للشعوب ، أو لم تسمع المثل العربى : " فلان كحاطب ليل " وفلان " يخبط خبط عشواء فى ليلة ظلماء " ؟ وإن ما يقوم به من قصدت من اعمال وما يقدمونه من آراء وان كان مقبولا فانه معلول وان كان مطاعا فافه غير مثمر الثمار المجدية ، إن الذي تراه ياصاح فيهم حظ مقسوم وليس مواهب ، وقدرة خارجية وليس اقتدرا . .

اشترك في نشرتنا البريدية