كان يحتسى قهوته وانظاره مثبته بصورة ابيها المعلقة بالجدار .. وكانت ذكرياته مع ابيها تتلاحق بذهنه .
اما عايدة فكانت وهو فى قلب عينيها بقامته الطويلة وعيونه ونظاراته الطبية تعيش مع طيفه قبل اربع سنوات خلت فاورقت الذكريات ..
كان يلعب معها .. وكانت تعدو امامه كالقطة الصغيرة .. وكانت كالزئبق لا تكاد يده تظفر بها حتى تفلت من بين اصابعه .. تذكر جيدا كل هذا .. وتذكر كذلك انه كان يدعوها البنفسجة الصغيرة .
وكانت تستغرب منه عند ملاعبته لها جده ووقاره المكللين ملامحه وادركت انه يتصنع الظرف والمداعبة . اعتادت منذ الطفولة ان تحترمه لمزاجه اللطيف ونفسه الطبية وكثيرا ما تحينت الفرص لرؤيته ضاحكا او على الاقل مبتسما ولكن لاضحك .. ولا ابتسام . عندما أصبحت والدتها سجينة الفراش لمرض فجائى احست ان ايامها لن تطول .. وان زيت مصباحها لن يتجدد هذه المرة ابدا .. ومساء يوم خريفى قضت ليلة كاملة بقربها ، سمعت امها وهى تردد لها : ( عماد يا ابنتى مثال الزوج الذى اتمنى ان يضمك واياه عش واحد .. )
كانت والدتها على يقين من ان فتاة بلا أم لا تستطيع إنارة ولو مسرجة واحدة فى دربها . منذ ذلك اليوم لم تعد عايدة تتجاسر على ان تبدو امامه فى صورة غير مستحبة .. ولكنها كانت تعتبر فكرة امها او بالاحرى امنيتها شجيرة بلا جذور ..
ففارس احلامها الساكن فى خيالها يختلف تماما عن عماد .. شاب أهيف رشيق وفى عينيه ظلال وعمق وعلى شفتيه عبير ابتسامة عذبة .. اما عماد فهو قوى البنية يميل الى السمنة . ما زالت تذكر سؤالا وضعته على جبهتها فى خوف وقلق : ماذا عسانى اصنع لو بدا له يوما ان يتزوجنى ؟ .
وهذا السؤال الذى سترت وجهه اتراب النسيان بمضى الايام تلو الايام قد نفض عنه تلك الاتربة رجوعه من المانيا وظهوره بالبيت .. ولكن من فى البيت ؟ لا احد غير : البنفسجة الصغيرة وخالتها ..
قارنته بصورة الماضى فرأت ان صورة الحاضر قد اضيف اليها شاربان اسودان كثان مع بعض التجاعيد البارزة .. ولاحظت ايضا ان غليونه قد اختفى .. ولما سألته :
- ابن غليونك ؟ هل سرقته منك شقراء ألمانية ؟ .. أجابها : - تسأليننى اين غليونى ؟ سأجيبك عندما تقولين لى : الى اين ذهبت البنفسجة الصغيرة ؟ .
عندما لازمت صمتها عاد يقول : كنت بنفسجة صغيرة والآن أصبحت وردة متفتحة مبتسمة وانا كنت صاحب غليون والآن لا تعرف شفتاى غليونا ولا سيجارة ، اليس هذان التغييران طبيعيين ؟ وكان الصمت .. الصمت المجرح بصخبه وضجيجه.
هل رحل عم ابراهيم عن البيت ؟ فاجابته خالتها قائلة : - كلا وانما هو بعيد عن البشر . - هل تصوف ؟ - كلا ، الحياة لطمات ولثمات . - ماذا حصل له ؟ - ابنه عامر قد أصيب بمرض يعتقد انه من الصعب الخلاص منه بسلام .
يا لقسوة الحياة .. كنت كلما احادثه الا وانطلق فى حديث لا شك انه يلذ له ؛ كل ذلك الحديث كان عن ابنه الوحيد .. كان يردد : (( انك تشبه عامرا كثيرا )) عامر ولد صالح .. عامر بر بوالده . عامر لا يخالط اصدقاء السوء - عامر لم يذق فى حياته ولو قطرة من الرجس - عامر يؤدى صلواته فى أوقاتها - .. هل تصلى انت يا عماد ؟ كان معجبا حقا بالصورة التى صنعها والتي كانت صورته أيضا .. اجل .. صورة عم ابراهيم احست فى تلك الامسية التى قضاها فى بيتهم بان غمامة كآبة وفراغ قد انقشعت عن افق حياتها وبأن وجودها بدأ فى اكتساب معنى .
بعد ان حيته عند الباب راجية منه الزيارة .. عادت الى الصالون بقلب اخضر .. تطلعت نحو صورة امها المعلقة بالحائط : عماد يا ابنتى مثال الزوج الذى اتمنى ان يضمك واياه عش واحد ؟ تردد هذا الهاتف كثيرا حول مسمعها ووجدت فيه لذة .. وارتواء .. وبقلب اخضر لاهث وقفت امام المرآة .. كانت ضمأى الى رؤية ملامحها فى المرآة : كنت بنفسجة صغيرة والآن أصبحت زهرة متفتحة مبتسمة ! .. وابتسمت .. ابتسمت .. ابتسمت واشتاقت الى تقبيله .. فى جنون ..
كانت تحلم .. وكانت تحار .. تحار اذا ما سألت نفسها .. ماذا اريد ؟ ولكنها كانت على يقين من ان شمسا قد اشرقت بقلبها وان عالما يضمها وعماد يرفرف فى خيالها وفى احلامها كانت تراه يسير .. يسير بقرب امرأة تشبهها انها هى .. هى بعينها ..
وفى احلامها ايضا كانت تجد نفسها احيانا تصارع امواجا ناقمة .. ساخرة نوشك ان تبتلعها فى جوفها .. فتصرخ وتمتد عندها يد كالضياء وتنتشلها من الامواج .. ثم تلمح وجها وابتسامة هو وجه عماد .. وهى ابتسامته .. ابتسامة عماد ؟ .. عجبا .. واقنعت نفسها بأن هذا الرجل المبتسم ليس الا عمادا .. اقنعت نفسها بحجته .. فكرة التغير .. وكان ينبض فى عروقها .
جلسا معا على مقعدين متقابلين بالغرفة .. هذه المرة قد حرمت من رغبة أرادت تحقيقها .. فلقد اعدتهما قبل مجيئه بقليل وجعلتهما متلاصقين كمقعدى عريسين .. لكنه غير اتجاههما فجعلهما متضادين .. ولذلك كانت تشعر بتبرم .
-انت يا آمال فتاة يقف الانسان امامها حائرا . وبضحكة خفيفة سألته : -وما الداعى لحيرته . -لانه يقف امام مشكل عويص.. -مشكل عويص ؟ وما هو ؟ .
- ان يجعلك تقبلين نصائحه .. فليس المشكل النصيحة وانما هو تقبلها .. كثيرا ما انصحك بأن تتنزهى مع خالتك فى بعض الحدائق وبأن تزورى صديقات الماضى وبان تنزعى عنك حزنك ولكن بلا جدوى .. يجب ان تشعرى بانى فى منزلة ابيك او عمك .
حفرت كلماته فى اذنها كهوف الم .. واضحت صدى يتردد حول رأسها المثقل .. فتفيض الدماء وتسيل حتى تعمر كيانها .. وتبتلعها كفريسة . - ماذا ؟ ماذا تقول ؟ . - وماذا يدهشك ؟ انا كهل كبير .. انا اكثر من كهل .. انا عجوز .. اعتبرينى جدك كم ستكون سعادتى كبيرة لو اسمع صوتك ينادينى ( يا جدى )
وفى قرارة نفسها رفضت كل ما ادعى .. وهى على يقين من ان هناك عالما مختفيا فى زوايا شخصيته ولا يريد ان يكشفه لها او ان يترك لها فرصة اقتحامه .. وهذا ما جعلها تعتبره رجلا اكثر نضجا منها لكن الى متى سيظل ينظر اليها كحفيدة أو كبنت ؟
وطدت العزم على مواجهة نظرته هذه لمسحها من زجاج عينيه .. لكن علامة استفهام تمططت امامها : هل يحبنى ؟ لم تكن تنتبه لهذه العلامة الهازئة فيما مضى وأما الآن فلا مجال للحيرة ابدا .. يحبها وكفى وعادت تسأل نفسها شاخصة الى خلجات أغصان الشجر فى الحديقة : من يحب فى ؟ الطفلة أم المرأة ؟ كانت تنوء بثقل هذا الصمت فحاولت ازاحته عنها قائلة :
ما رأيك فى هذا الفستان .. اليس قبيح الشكل ؟ . - اوه حفيدتى عايدة .. انه جميل .. جميل جدا . - لكن ماذا يفيد جماله لجسد قبيح . - ما هذا الهراء يا حفيدتى ؟ انت قبيحة بتسريحات الشعر وثياب الموضة وادوات التجميل .. ولكنك جميلة بلا شئ سوى البساطة يا حفيدتى .. - وكيف نصل الى البساطة يا عماد .. - عندما نكون بسطاء مع انفسنا .. ويجب ان تعرفى يا حفيدتى ان ارواحنا هى الشئ الوحيد البسيط فى اجسادنا .. لذلك كانت روحك جميلة يا حفيدتى .
- انت يا عماد .. اتسمعنى يا عماد ؟ .. اتسمعنى يا عماد ؟ .. اتسمعنى يا عماد ؟ ..
- أجل اسمعك يا بابا . . حفيدتى . . تكلمى يا حفيدتى .. - انت يا عماد .. لم تعرف حقيقة روحى فكيف تتكلم عنها ؟ - بل عرفت حقيقتها .. يا .. يا .. يا عايدة . - كلا .. انت أحببتها فقط يا عماد . -الخوف وليد الجهل والحب او الكره وليد المعرفة فانا قد عرفت روحك فاحببتها كانت كلمة : يا حفيدتى تدوسها وتطحنها .. وتود لو كانت صماء .. صماء .. الى آخر يوم فى حياتها ولكن : يا عايدة .. فجرت فيها نهارا عذابا .
كانت تسمع تسبيح عم ابراهيم وهو يمر بجانب الشرفة . -خالتك تعتبرنى مثل عم ابراهيم أليس كذلك ؟ . وحام حول سمعها صوت خالتها : عائدة .. هذا المساء سيزورنا عماد . عليك بارتداء أجمل فساتينك .. لا تنسى أمنية والدتك المرحومة . ( عائدة ثقى انه سيقدم عن قريب لطلب يدك .. .. ) .
كانت تريد ان تنظر الى عينيه عندما يسألها فيبتلع أفكارها ومشاعرها وتتسرب افكاره ومشاعره فى كيانها .. وتلك بذور لميلاد شجيرة هى التوازن هى ان تكون قدمه فوق الارض التى عليها قدمها لا ارفع منها .
- كم كنت اود ان احيا حياة مستقرة يا حفيدتى . - سهل جدا .. - بل صعب .. بل مستحيل . - الزواج لم يكن يوما ما مستحيلا . كيف ؟ فى السادسة والثلاثين وتدعى ان الحياة قد اتعبتك . -بكل تأكيد .. قدمت للحياة كل طاقتى وكل قواى . . انا الآن محرك قديم بال انا الآن بئر جف ماؤها .. وقبل ان يتزوج المرء عليه ان يسأل نفسه : هل لدى ما امنح ، ما اعطى .. ما اهب الحياة .. من أجل الحياة .. ولمدة طويلة ..
واصل حديثه وفى نبراته حزن دفين ممزوج بتوتر خفيف .. -ان من تجاهل هذا السؤال وكان مثلى محركا باليا وتزوج يكون قد سحق نفسه ورفيقته وابناءه .
ان حرمت يا عزيزتى من فرحة الزواج فانى سأنعم بسعادة كبيرة عندما ما تزفين الى عريس مثلك . - ينبغى الا تبالغ كثيرا .. - كلا .. لم ابالغ .. تصورى عجوزا نفد منه شعاع الحياة وخصوبتها وثراؤها قد وقف أمام شباك الموت منتظرا دوره لاقتناء تذكرة سفر الى مدينة الظلام يتزوج فتاة مثلك هى الشعاع والخصوبة والثراء .. ترقص وتمرح وتضحك وتجرى .. انها زلة .. الزواج يا عزيزتى بعد ان يكون بذلا وعطاء تناسق نفسى .. وتطابق روحى ..
كانت ترى امانيها تتبخر .. وكانت تحس بأنه غريب عنها .. رجل مجهول .. كانا غريبين فى قطار واحد . لفهما الصمت ويمزق قلبيهما الاعصار .. سينزل عماد فى محطة قريبة .. وسيغيب .. لا كما تغيب الشمس بل كما غاب ابوها وغابت امها .. وتعصف بعروقها رياح الامنية .. امنية الام .. وصية الام المقدسة وتدور ايامها فى ليل شتائى .. وتدرك انه قد حكم عليها بأن تحيا مأساة سيزيف .. ولفظة عانس تدمدم كل يوم فى رأسها ..

