جلست أمام مكتبى ، وضعت قلما بين ابهامى وسبابتى وقلت : سأكتب . شعاع يتراقص أمام عينى ، يستميلنى ، يشدنى الى سرابه وقلمى حائر متى سيتحرك ، متى سيرسم أحرفا ، كلمات ، أسطرا .
الشعاع يتراقص أمام عينى يهرب تارة ويعود أخرى ، أفكارى تتعلق به ، تجرى وراءه ، تجرى وراء نوره .
الشمس غمستها السحب ، تطاولت عليها السحب فآندثرت وهطل المطر .
المطر يتهاطل ، يجبرنى على ترك مكتبى وغلق نافذتى ، إنى أكره المطر ، لا بل أكره السير تحت المطر ولكنى أعشق النظر الى المطر من خلال نافذتى ، تحت سقف بيتى ، بجانبى مدفأتى الوهاجة .
جارتنا تحب المطر ، تترقب المطر ، تستجدى السماء مطرا .
جارتنا تحب المطر ، لانها ستحمل مظلتها الجميلة تقول جارتنا ان مظلتها جميلة جدا ، لا توجد فى المدينة واحدة مثلها ، لقد جلبها لها أخوها من الخارج لذلك ستخرج جارتنا بمظلتها المزركشة غير عابئة بالمطر .
سمعت الباب يغلق ، تظهر جارتنا فى أبهى زينة تحمل مظلتها ، تمشى الهوينى ، ستتجول جارتنا تحت المطر .
نظرت الى جارتنا ، لا تتكامل الا بمظلتها ، تذكرت قصة (( السيد سوقان وعنزته )) وقصة (( زوجة أبى بلانش ناج ومرآتها السحرية )) ، شخصيتان لا تتفارقان ابتعدت جارتنا بمظلتها . جارتنا المظلة تبتعد . لم أعد أشاهد سوى دائرة حمراء مزركشة تتمايل حسب تمايل جارتنا والمطر يتدفق . . . ستار من حبات المطر يضرب النافذة ، يتعثر على الحائط يطأ الارض ، يتكسر عليها فيتلاشى . . .
نظرت الى المطر يغسل نافذتى ، يصقلها من غبار الايام ، ورمقت مكتبى وجدته أظلم ، إلا من ورقة بيضاء ، مفتوحة كالاقحوان ، تترقب شمسا وتترقب نحلا يغازلها ، ويمتص رحيقها .
بحثت عن الشعاع ، ترقبته لم يأت . سمعت حشرجة ثم اكتنفنى الصمت . انتظرت ردا ترقبت كلاما فقال الشعاع : لم أعد أحميك وأنير طريقك .
قلت : برأسي أفكار مبهمة ، تضنينى ، أعنى على إنارتها . قال الشعاع : فتش عن جوهرها بنفسك ، أما أنا فلا ! وغاب الشعاع . ترقبته طويلا ، يئست ، صرخت ، ولكنه لم يعد .
جلست أمام مكتبى ، مسكت قلمى ، قلت : سأكتب ولكنى سمعت لطخة قربى المدفأة ! سقطت المدفأة وتحطمت على الارض .
تقاويت ببطء وقد فارقنى الشعاع وفارقتنى المدفأة ، كيف سأقاوم المطر الذي يتهاطل بغزارة فيعبث بشمسى ، بشعاعى وبمدفأتى !
المطر ينساب مع النافذة يسخر منى يدفع بى الى السأم . أكره السحب أكره الظلمة القاتمة أريد نورا ، أحب الشمس وهى تداعب وجهى وجسمى وتمنحنى حرارة الحياة ودفء الحب .
نظرت الى مدفأتى المهشمة ، سمعت ضحكة ساخرة تملأ الغرفة ، التفت . رأيت الشعاع ينتصب أمامى ، ذهبى اللون ، كسنبلة قمح فى موسم الحصاد كرغيف فى حلم الفقير كسلم من ضياء ، كشعلة من نار ، كان يتحدانى بنوره السماوى ، بدفئه الذى لا ينضب وجماله الوهاج ، نظرت اليه أسترحمه عله يدخل غرفتى فيدفع عنى البرد والظلمة ويسدل على هالة من ضياء تحمينى من عذاب المطر وسقم السحاب . ولكنه تمادى فى الضحك ، غير عابئ بحزنى أحسست بقلبى ينغلق بين أضلعى ، وأصبحت غرفتى ضيقة كالقبر ، رأيت أزهارا ذابلة مبعثرة تحت أقدامى ، وشعرت بالضعف وأنا أتسمر أمام مدفأتى المهشمة .
قادتنى ساقاى الى مكتبى ، جلست وأخذت المحبرة فقلبتها على الورقة . فتفجر السائل القاتم يلطخها سوادا وينتزع منها بياضها ، ثم خرجت حيث المطر ورميت بورقتى المشوهة حبرا ، على الارض المبتلة فغمرها المطر ، وأخد الحبر ينزلق جانبا يتبع المطر ، وأخذت ورقتى تعود الى نصاعتها ، المطر ينزل والحبر يزول شيئا فشيئا . ودعت ورقتى البيضاء تحت المطر وعدت الى غرفتى أحمل أشتات مدفأتى .
وفجأة سمعت صوتا يهيب بى : لقد زال المطر !
رفعت رأسى الى النافذة ، رأيت المطر لا يزال يتساقط رذاذا بدون صوت .
تساءلت نظراتى المصوبة نحو النافذة ثم اكتنفنى الدفء ، شعرت بأصابعى تتحرك ، ونظرت حولى رأيت الشعاع قريبا منى ، ارتعد كل مافي .
ترقبت . قال الشعاع : عدت اليك ، وقد زال المطر ! صاح الشعاع وهل يقترب منى ، ويهز كتفى بعنف : قلها عالية .
أحسست بقلبى يقفز بين أضلعى فرحا . ابتسمت . رأيت ازهارا ملونة تغشى أرض غرفتى . ابتسمت . تنشقت رائحة غرفتى مخضبة بالفل والياسمين . ابتسمت .
رفعت رأسى ، رأيت نجوما مشعة تزين سقف غرفتى وتنسج خيوطا من فضة ، شعرت بأنى أرفع الى أعلى ، وجعلت أرقص ، أرقص والشعاع ، أصبحت قطعة منه ، شملنى نوره . ارتسم بين عينى وهو يراقصنى ، يرفع غشاوة عن جبينى ، يلم أشتات أفكارى .
وفجأة دفعنى الى مكتبى ، فآنثنت أصابعى تمسك القلم برفق (( آنتزعت من كراسى ورقة جديدة ، كتبت عليها بأحرف من نور : قد زال المطر !.

