كان العدد الماضي من مجلة " الفكر " عددا خاصا بالثورة الفلسطينية وقد : جاءت مادة هذا العدد متنوعة وشاملة بنتاج أقلام من مختلف انحاء الوطن العربي وهي مقالات وقصص وقصائد تغرى بالدخول مع اصحابها فى حوار حول ما كتبوه
كانت افتتاحية العدد للاستاذ ( محمد مزالى) صيحة إخلاص دعا فيها الاستاذ مزالى الشعب الفلسطيني ليستخلص العبرة من عيد " النصر " ومن كل الانتصارات التى حققتها حركات التحرير فى إفريقيا واسيا . يقول : الاستاذ مزالى (ان العبرة التى تستخلص بمناسبة عيد النصر من الثورة التونسية المظفرة والثورة الجزائرية المباركة وتحرر معظم شعوب افريقيا وأسيا... . هي ان العنف ضرورى عندما يكون الصراع من أجل الوجود وشرعى عندما يغالب عنفا مسخرا لدعم الاستعمار الصهيوني استيطانا وايدىولوجيا واقتصاديا وثقافية
واما الاستاذ البشير ابن سلامة فقد طرح فى مقاله " الكفاح التحريرى للشعب الفلسطينى الخطة المثلى التى يجب على هذا الشعب توخيها إن اراد فعلا بلوغ غايته القصوى والتحرر من غياهب الاستعمار واسترجاع الوطن : السليب وقد انطلق الاستاذ ابن سلامة من خطاب المجاهد الاكبر الذى واجه فيه الفلسطينيين بهذه الحقيقة وذلك فى أريحا 3 مارس 1965
ويري الاستاذ ابن سلامة ان الشعب الفلسطيني قد آمن بهذه الحتمية فتجند بأكمله للنضال وكانت النتيجة أن بدأ العالم بأسره يعترف بأن هناك شعبا يعيش فى المخيمات حيث التشرد والضياع وان من الواجب ان يعود وهذا الشعب الى الأرض التى افتكت منه مهما كلفه الامر . يقول الاستاذ ابن سلامة :
لقد فهم الفلسطينيون انه لا مناص من تخليص القضية الفلسطينية من -كل ما علق بها وان الامر لا يعدو أن يكون الا كفاح شعب من أجل استرجاع
أرضه والتحكم فى مصيره من أجل اسعاد جماهيره وانه ليس الذاتية الفلسطينية والهوية الوطنية ولا بعدها شئ . . .
كانت قصائد العدد لعزيزة هارون وعبد الرحمان غنيم ومحيى الدين خريف وحافظ عليان ومحمد الشابى وجواد صيداوى وكاتب هذه السطور وخالد محيى الدين البرادعي ومحمود على السعيد وعلى الخليل وخالد أبو خالد ومحمد لطفى اليوسفي وجميل أبو صبيح والصافى سعيد ؛ والملاحظة الاولى التى تتركها هذه القصائد هي اختلافها شكلا واتحادها مضمونا
ضم العدد قصيدة عمودية واحدة وهي " قصيدة حب الى تونس الخضراء للشاعرة عزيزة هارون " من دمشق " : رغم اختلال تفعيلات البسيط في البيت الاول من القصيدة فان بقيتها جاءت على هذا البحر ، وقد أرادت الشاعرة ان يفيض قصيدها حبا الى تونس ولكن هذا الحب يمتزج بالحزن والدموع فيكون حزن مواطنة عربية تحمل الجراح التى يحملها كل عربي
كل الجراحات فى عينى أحملها
إلا جراحات شعبى فهي تدمينى
بقية قصائد العدد يمكن حصرها فى قصائد حرة وقصائد تجاوزت التفعيلة لتعتمد إيقاعا داخليا
اما القصائد الحرة فهى لعبد الرحمان غنيم ولحافظ عليان وجواد صيداوى وخالد محيى الدين البرادعي ومحمود على السعيد وهي قصائد ولئن اختار لها اصحابها إيقاعا موحدا تقريبا - تفعيلات البسيط والمتقارب - فهي تختلف فى عمق الرؤيا والقيم الفنية التى اعتمدها كل شاعر للتعبير عن هذه الرؤيا : ومن الواضح أن قصيدة البرادعي " ما لم يقله الشهيد " وقصيدة حافظ عليان خضراء توزع أحلامها فى الشوارع " أقوى قصائد هذه المجموعة فالبرادعي قد عرف أن للقصيدة حدودا والحدود هنا تعنى تحديد التجربة وهجر الجاهز الى التغيير وخلق كيمياء تعبيرية جديدة يضاف اليها صياغة محكمة للجملة الشعرية وشفافية شعرية لها مقومات القصيدة الحديثة :
قطعت رأسي ،
ربطت ضفائره فى غصون الصنوبر
فوق هضاب بلادى
يضوىء دربا لتمشى القوافل
بين الينابيع وبين بلادى
واما قصيدة حافظ عليان فهى تضعك فى جو شعري من خلال تتابع الصور وبعدها عن السرد فالشاعر قد نجح فى رسم صوره واختيارها وفي بعده عن اللغة القاموسية الى لغة تقترب من لغة " أدونيس " فى توترها أحيانا وصورها الحزينة :
خضراء على سفر
وقلبى لم يزل عليها - آه
فى الطرق القتيلة
ما كنت أحلى من صبايا الحي يا خضرا ،
وانت الآن ، خضراء المستحيله
وأما قصائد ع . غنيم وجواد صيداوى ومحمود سعيد فهي قصائد يجمع بينها تكرار المعنى من خلال صور متحفية مستهلكة حيث تغلب عليها أحيانا تقريرية مباشرة تكون الصورة فيها عقلية باردة لمعنى مطروح . يقول جواد صيداوى :
عفوا فانتم عباقره
وانتم أئمة جبابره
عالمكم من عالم النبوه
رؤاكم قدسية الصور
٠٠٠٠٠
أراود المعنى فلا يمتثل
استرحم المبنى فلا يرحم
أين جمالية الشعر هنا ؟ وأين ابعاد الكلمة الشعرية الموحية فهل يكفى يا أخ صيداوى هجر العمود التقليدى الى شكل التفعيلة لنجعل من الشعر شعرا حديثا ؟ وهل تكفى صرخة احتجاج " عن بعض السادة الشعراء لتجعل من القصيدة قصيدة ناجحة ؟ !
المجموعة الثالثة من القصائد هي قصائد لا تخضع لتفعيله معينه وهى قصائد : محب الدين خريف ومحمد الشابى وكاتب هذه السطور وعلى الخليل وخالد أبو خالد ومحمد لطفى اليوسفى والصافى سعيد وجميل أبو صبيح
والملاحظ من هذه القصائد هي ان بعض اصحابها أرادوا لقصائدهم تفعيله معينة ولكنهم لم يتجحوا فى ذلك حيث بنوا المقطع الاول أحيانا من القصيدة على تفعيلة معينة ثم تجاوزوا هذه التفعيلة فى بقية القصيدة وهذا ينطبق على قصيدة محمد الشابي الذي التزم تفعيلة البسيط فى المقطع الاول ثم اختل الوزن في بقية القصيدة وكذلك قصيدة خالد أبو خالد الذى التزم تفعيلة البسيط في جزء ضئيل فى بداية القصيدة ثم جاءت بقية القصيدة خاليه من نفعيلة معينة ، وأما على الخليلى فهو نجح فى جعل قصيدته " فلكلورا " من تفعيلات الرجز والمتقارب والمتدارك . . .
قصيدة محيى الدين خريف " على مشارف يافا " وقصيدة " مواصلة الخروج على قرار التصفية " لخالد أبو خالد هما أجمل قصائد هذه المجموعة
فقصيدة خالد أبو خالد من أكثر قصائد العدد نضجا ولكنها ليست أكثر قصائد خالد أبو خالد نضجا ، خالدا أبو خالد واحد من شعراء المقاومة الفلسطينية الذى يعيشون تجاربهم الفنية بعمق ويعبرون عنها بكل حرارة وصدق لذلك تطورت أعمالهم تطورا بارزا ، كنت قرأت لخالد أبو خالد قصائد كثرة لعل أقربها " تقاسيم على الندقية فى ليلة العيد " وكانت هذه القصيدة أجمل من " مواصلة الخروج على قرار التصفية " التى جاءت تتراوح بين أسلوب " لوركا " وتوترات " أدونيس " وهو توتر حزين غاضب
" وأما على مشارف يافا " فانها من قصائد خريف الاخيرة التى بدأ فيها بوضوع سعى هذا الشاعر الى التطوير والبحث ) على عكس زملائه ( فكانت تجاربه الاخيرة ضافية الرؤية شفافتها تحملك الى مدن الدهشة :
لوحى يا مشارف يافا
لوحى بيد لا يراها أحد
انا لى موعد سوف القاه حتى
لو قطعت جميع صحارى الأبد
؛و هذا يجعلنا نقول بدون احتراز ان " خريف " من الشعراء القلاقل الذين نجحوا في القصيدة الموزونة والقصيدة الحرة والقصيدة المرسلة
قصص العدد كانت ليوسف خياط وخالد الخطيب وعد القادر الدردورى ورشاد أبو شاور ومحمود بلعيد وعبد الواحد براهم . هذه قصص يمكن حصر أغلبها فيما يسميه النقاد اليوم بالقصة التركيبة وهي القصة التى تتكون من عدة فقرات معنونه يربط بينها خيط كبير واحدوهو الموضوع
تطرح هذه القصص جوانب متعددة للقضية الفلسطينية خاصة وللعالم العربى عامة .
االجندى العائد ليلة اعصار ، ليوسف خياط تردنا إلى أصالة القصص الواقعى الذي بتنا لشتاق اليه بعد ابحار القصاصين المحدثين فى المجردات المبهمة تطرح هذه القصة العمل الفدائى على خطوط النار وتستخدم لغة الحوار كأداة بارزة والخياط بذلك نجح فى رسم أناس حقيقيين نشتم من حوارهم وصفا حبا لما يعانيه المحاربون على الجبهة من تأزم نفسي ومن حنين للحياة العادية وخاصة للمرأة التى تبدو مسيطرة فى هذه القصة .
وأما قصة عبد القادر الدردورى ( لعبة الشعر والموت ) فهي تطرح عدة " أحوال " بعيشها العالم العربي اليوم . . انها قضايا حساسه سعى الدردورى الى ابرازها فى إطار طريف وجديد يعتمد النثر الممزوج بالشعر كما يعتمد لغة الرمز والكلمات المفاتيح ومن الواضح ان الكاتب يعتمد هنا على ذكاء انقارىء الذي يجب ان يكون دائم الحضور اذا أراد استبطان القصة والغوص فيها . وليس يخفى ما فى تلابيب الاحداث والحوار من روح ساخر لاذع فالدردورى يبدو موفقا فى هذه القصة بين الفن القصصى والنقد اللاذع وهذا مما يجعل من ( لعبة الشعر والموت ) أكثر من قصة :
قال حامد " - وهو يتفرج على فاطمة وهى تصارع اللص : ستغلبه فاطمة ، ستغلبه فاطمة . . وعندها سأريه ما يصنعه الرجال .
وفقا حجا : اخطا رأسي وأضرب ..بعدي لا بزغت شمس ولا نزل مطر " .
وأما قصة عبد الواحد براهم ( الزنابق ترحل فى الربيع ) فهي قصة تغرى بالقراءة لجوها الشاعرى وأبعادها الايحائية ، فهى قصة رمزية كتبت بلغة شاعرية صافية وخالية من الشوائب . الزنابق رمز بها الاستاذ براهم الى الفدائيين وما الرحيل الا ذلك الموت الاختيارى الذين أصبح أمرا عاديا هذه الايام لدى الفدائيين وذلك مقابل عمل نضالى لاجل الأم التى أنبتهم الأم الارض .
انه اختيار ( choix (يأتى بعد وعي ( conscience ) أى بعد أن تكبر البراعم وتمر عليها الغيوم وترعد وتقعقع : " ما عادت البراعم غريرة كثيرة اللهو ساذجة كمثلك يا امنا لا تشعر بالخطر . . تفتحت عيونها . . زايلها الحلم وادركت حقيقة الاشياء والعناصر . . . " وتصبح البراعم زنابق وتكبر الاحزان فى شرايينها ويكبر معها الرفض فتريد " ان تحطم لتبنى " فتمسح دموعها باشمئزاز وتعيش على رجاء الرحيل فيكون لها ذلك رغم الحواجز والصعوبات
وما رحيل هذه الزنابق الا ذلك الموت الكبير الذى يجسم العمل البطولى الذي يقوم به الفدائيون كل يوم .
وهنا يبدو أن عبد الواحد براهم قد تمكن من ضبط حدود قصته وسيطر على مواقف " زنابقه بحيث جعل عملية " الخالصة " البطولية ذروة رحيل الزنابق وهنا تتنزل هذه القصة ذات الرمز الكثير في الواقع المعاش ولا ننسى أن نشير الى هذه المسحة " الوجودية " النيتشية " خاصة التى تصبغ القصة وتحدد مواقف أبطالها :
" أما الزنابق البراعم . . . الأيدى المتشابكة . . الرؤوس الثلاثة . . كومة الانفجار . . صاروخ " الخالصة " . . فانها تابعت اندفاعها نحو الأعالى . . وقد احست انها اخف حملا . . وأوفر نشاطا
مسرحية العدد كانت بقلم أمين السلطى ( من فلسطين ) وهي يعنوان الأولاد يخلعون أنياب الأسد " .
تتكون المسرحية من اربعة مشاهد تجرى كلها فى غرفة صغيرة في دار بقرية فى الضفه الغربية من فلسطين المحتلة وهى تطرح العمل الفدائى داخل فلسطين المحتلة وموقف الفدائيين من بعض القضايا التى تمس بمسيرة الثورة ولعل أبرز هذه القضايا وأخطرها هي قضية الخيانة وبالتالى
التعامل مع اليهود : الشيخ المختار هو ممثل المختار هو ممثل السلطة اليهودية في هذه القرية ، ومن ثمة كانت له علاقات مع الشخصيات العسكرية التى لم تر ما نعا فى تمديد هذه العلاقة وجعلها تخرج عن إطارها القانوني لتصل الى الغداء المشترك فى بيت المختار والى التنزه فى سيارة الجيب معا الخ... وامام هذا الوضع كان لا بد للحركة النضالية أن تتحرك وتأخذ موقفا ازاء المختار وعمليات الجوسسة التى يقوم بها لصالح المستعمر وهو ما سعى اليه أبو ايمن بطل المسرحية الذى هو ايضا مدير مدرسة القرية والممثل الاول للحركه الفدائية فيها وبعد رسم خطة محكمة يصل أبو أيمن ورفاقه لما القضاء على " المختار " .
فنيا إن الكاتب قد نجح فى تصوير العمل الفدائي بجزئياته مع رسم صورة مثلى للقائد الفدائى من خلال شخصية أبو أيمن حيث جعله رصين الفكر بعيد النظر خبيرا بخبايا النفس الشرية . .
وهذه المسرحية إن خلت عموما من حركية المسرح فهى تعطى صورة واضحه للعمل الفدائى الناجح ويكفى الكاتب أنه تمكن من نسح كل جزئيات هذا العمل . يقول أبو أيمن بطل المسرحية : " وهل كل الفدائيين في المغاور ٠٠ ؟ الثورة بحاجة للرجال العاملين حتى في عقر دار العدو . الا تظن انه حتى من بين الفلسطينيين الذين تجندهم اسرائيل في جيشها بوجد من يتعاون مع الثورة ؟ والذين يعملون في المصانع الإسرائيلية اتظن ن ليس من بينهم فدائيون؛ وهؤلاء أليس لهم ابناء وأهل ؟ هذه هي الفدائية العظيمة . . ماذا تقول يا اخ صالح ؟ " .
وبعد . . فهذه خواطر عابر سبيل فى رحلة خارطتها العدد الماضى من " الفكر " .
. وهى ليست من النقد بمعناه العلمي ولا من نوع الدراسة الشاملة الوافية انما هى مجرد ارتسامات أردت تقديمها الى اصحاب هذه القصص والقصائر مؤمنا بان العمل الفني لا يكتمل الا ( بالآخرين ( ويغمر الآخرين تبقى التجربه الفنية فى جبين الفنان كالعطر المحبوس فى أحشاء البرعم لا ينتفع به حقل ولا تفرح به رابية . .
وليعتبرني السادة الشعراء والقصاصون واحدا من هؤلاء الآخرين الذين أرادوا مشاركتهم فى تنشق عطرهم وشكرا

