الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

قراءات في التراث :, في المعرفة والتاريخ, بقلم : جعفر ماجد

Share

لما ولى معاوية زياد بن أبيه البصرة ، دخلها وهو يقول :

ألا رب مسرور بنا لا نسره وآخر محزون بنا لا نضره

وقد يكون زياد أراد أن يعبر عن ندمه لأنه لم ينصف صاحبيه ، كما قد يكون عبر بهذا البيت المفرد من الشعر السهل عن كبرياء الحاكم الذي يروقه أن يفعل ما يشاء ويشطب ماضيه بالقلم الأحمر - إن زياد بن أبيه كان رجلاً - من خلال قوله على الأقل - رجلاً ذكياً لأنه لم يضمر لخصمه غيظاً ولم يدبر لمناوئه كيداً فكان بلغة هذا العصر ، رجلاً متفتحاً ، رحب الصدر ، متسامحاً إلى حد الديمقراطية ، ناهيك أن المحزون به لا خوف عليه بل يكون مرغوباً فيه لأن صيد جديد ، والحاكم الذكي قناص بارع - والحاكم حين يولى يواجه فيما يواجه من المشاكل معضلة المعرفة لأنه يصبح رجلاً يعرفه كل الناس وهو لا يريد أن يعرف إلا بعض الناس . والذاكرة نعمة ونقمة . لا شك أن الإنسان الأول أحس بفراغ كبير حين نبش عقله فلم يجد فيه شيئاً لولا أن علمه الله الأسماء فأكتشف أنه يستطيع أن يقاوم الزمان بالذاكرة ، ولكنه لم يلبث أن ضاق ضرعاً بما ترسب فيها من المعارف فأضطر إلى إستعمال قانون الإنتقاء ، وهكذا أصبح التاريخ صراعاً مع الذاكرة وحرباً عليها ، لأنها تريد أن تعرف كل شئ . والمعرفة أنواع :

معرفة من يعرف لأنه يعرف ومعرفة من لا يعرف لأنه لا يريد أن يعرف ومعرفة من لا يعرف ، لأنه لا يعرف .

أما المعرفة الأولى فهى معرفة العلماء والحكماء وهي الأفق الرحب الذي تمتد إليه الانظار وتشد الأبصار - ترقى إليها النفوس بالتوق والشوق وتنهل منها بالحلم قبل العلم ويدركها الفائزون لا العاجزون

وأما الثانية فهى معرفة الخراسانى صاحب الجاحظ الذي قال لزائره والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك .

وأما الثالثة فهي آفة الحكم !

سأل رجل عبد الملك أن يخلو به فقال لأصحابه : إذا شئتم فقوموا ، فلما نهيأ الرجل للكلام ، قال له : إياك أن تمدحنى فأنا أعلم بنفسي منك ، أو نكذبني فإنه لا رأى لكذوب ، أو تسعى إلى بأحد ! وإن شئت أقلتك .

قال : أقلني! الرجل ولم يقل شيئاً .

لقد كان العرب في جاهليتهم يحفظون كثيراً ، حتى إذا أسسوا الدول وحكمتهم الملوك أصيبوا بفقد الذاكرة لأنهم عرفوا التاريخ .

والتاريخ صفحة بيضاء يكتبها آخر منتصر !

اشترك في نشرتنا البريدية