- قراءة مدخلية :
ان الحديث عن الادب التونسى وعن اعلامه ومدارسه واتجاهاته خارج الحدود يكاد يكون مفقودا فى عهد الحماية الفرنسية ، فرغم الجهود التى بذلها رواد الفكر العربي كـ : محمد الفاضل ابن عاشور ، وزين العابدين السنوسى , ومحمد الخذر حسين ، وعثمان الكعاك ، ورضوان إبراهيم ، وسهيل ادريس ، وعمر فروخ ، وخليفة التليسى ، والدكتور محمد عبد المنعم خفاجى , وانور الجندى ، ورجاء النقاش ، وأبو القاسم محمد كرو ، فاننا ما زلنا نلمس فراغا كبيرا فيما يخص تحديد الآثار ، وضبط المخلفات ، وتوثيق الانتاج , والتعريف بالاعلام التونسيين ، وهى أولويات لا بد منها للدراسات الجادة والبحث الامين فى خارج الحدود .
وهذا فى رأيى راجع الى انعدام الجسور الثقافية والفكرية بين تونس والمشرق العربى ، فيما مضى ونتج عنه ان بات الادب التونسى لا مرجع مستوفى له ، ونتج عن ذلك وجود ثغرات فى أدبنا وفى تراثنا عندكم . . هذه الثغرات تولدت عن انعدام المصادر ، وقلة الاتصال ، ووضع القيود على الايدى والالسنة .
فقد كنا فى الخمسينات نتساءل : الى متى نبقى مجهولين فى المشرق العربى ؟ وان الكتابة عن ادبائنا على النهج العصرى باتت حلما لن يتحقق . . وحينما تحصل أخطاء عنا كنا نتساءل ايضا . . كيف يحصل هذا ؟ . . فلم يكتب الناقد عمر فروخ مثلا عن الشابى كما كتب ؟ . . وكيف تحصل اخطاء عندما يوضع : قصاص مكان شاعر ، وباحث موضع قصاص أو ناقد ؟
ان صوت تونس الادبى ابان الاحتلال الفرنسى كان خفيا جدا خارج الحدود ، والاصوات الادبية والفكرية التونسية لا يسمع بها اخواننا الادباء فى المشرق ، فيكاد أبو القاسم الشابى هو الشاعر الوحيد المعروف الذى تخطى الحدود عن طريق الاديب احمد زكى أبو شادى ومجلته (( أبولو )) .
ان اخواننا فى المشرق لا يعرفون الا النزر القليل عن : سعيد أبى بكر ، وعن محمد بوشربيه ومحمد الحليوى وأمير شعراء تونس محمد الشاذلى خزنة دار ، وعن القصاص علي الدوعاجى ، وعن المسعدى وغيرهم . .
كما لا تصلهم الا لقطات خاطفة عن جماعاتنا الادبية وروابطنا الفكرية مثل : ( جماعة تحت السور ) ، و ( جماعة تحت الدربوز ) ، و ( جماعة باب الفلة ) , و ( أسرة القلم الواعى ) ، و ( رابطة القلم الجديد ) ، و ( نادى القلم ) وغيرها . .
كل هذا ، تسبب فيه الاستعمار فالاستعمار كان حائلا بيننا وبينكم لكن والحمد لله ، ومن يوم ان تحررت تونس فى سنة 1956 بدأ تطلعكم نحونا . . وبدأنا نرحل الى دياركم فكان اللقاء ، وكان التحفز الى العمل الجدى لاستيفاء جوانب الفكر والادب ، وتعزيز الروابط الثقافية , التى كانت بدايتها فى علاقات ( الزيتونة ) بــ ( الازهر ) وتأسيس القاهرة من طرف المعز لدين الله الفاطمى أتيحت الفرصة ومنذ تحررنا إلى ان ( نكمل المشوار ) والى ان نضيف شيئا الى ماضينا ، وبذلك نكون قد حافظنا على التقاليد ووفقنا فى السير فى خطى الاجداد . .
. . أتيحت الفرصة لاعمال أدبية ودراسات جادة كتبت عنا وان اعد من بينها اذكر : كتاب : ( الفكر والثقافة المعاصرة فى شمال افريقيا ) لانور الجندى ومقالات د . طه حسين عن ( سد ) المسعدى فى ( الاهرام ) و ( القصة العربية فى شمال افريقيا ) لسهيل ادريس فى مجلة ( الآداب ) ( 1 ) ودراسات : رضوان ابراهيم فى (( الاديب )) و (( الندوة )) و (( الفكر )) عن الادب التونسى والتى جمعت فيما بعد فى كتابه ( التعريف
( 1 ) راجع ( الآداب ) العدد الخاص بالقصة : س 139 ( يناير 1954 ) ص 17-19 .
بالادب التونيس ) ( 2 ) ودراسات كل من مارون عبود ، وعيسى فتوح ، و د. بنت الشاطئ ؛ وحنا الفاخورى ، ورجاء النقاش ، و د . عبد المنعم خفاجى ، وفوزى عطوى ، وحستى سيد لبيب ( 3 ) ، ورابح لطفى جمعه , وابراهيم مدكور . . كل هذه الدراسات كانت دسمه وذات مستوى نقدى طيب .
شعرنا به التحرك نحوا بعد ان كنا نتساءل أين اخواننا من أدباء المشرق العربى ؟ فلم لم يعرفوا بأدبنا وبرجالاتنا ؟ . ولم لم يبرزوا الكنور عن صورة تأنس الاذواق بها وتضم خزائن كتبهم انتاجنا الفكرى ؟
وهكذا كنا نقف حيارى امام صمتكم ثم تردد سؤالنا مرات . . وأخيرا انتهى السؤال حينما توالت الدعوات من كل مكان لاستكمال المسيرة بعد ان مهد لها كل من (( الزيتونة )) و (( الازهر )) فيما مضى من التاريخ .
وهكذا تألق فكرنا هنا من جديد بفضل روح العزم لبناء المستقبل العربى , فتم القضاء على حجة الاستعمار ، الذى كان يكبل العقول ، ويحجم الكلام , ويلجم الافكار ، ويضع على الايدى و الالسنة قيودا . . وقد قرأتم فى السنوات الاخيرة الكثير من اعمالنا الادبية والفكرية وكان هذا فى الماضى ضربا من المستحيل .
وما دمنا نتحدث عن ( السد ) الفكرى ، الذى كان قائما بيننا ، فلا بد أن نشير الى أن هذه الدار (( دار رابطة الادب الحديث بالقاهرة )) ساهمت هى الاخرى فى ازالة هذا ( السد ) . . زاركم الكثير من ادبائنا فى هذه الندوات
الاسبوعية التى تنعقد مساء كل يوم ثلاثاء وكرمتم الكثير من كتابنا ، وعرف الكثير من اعضاء هذه الرابطة بالانتاج الفكرى التونسى أذكر من بينهم د . محمد عبد المنعم خفاجى ، وعبد الله زكريا الانصارى ، وانور الجندى , وتوفيق الحكيم ، ورضوان ابراهيم ، كما ان ابا القاسم محمد كرو , ود . الحبيب الجنحانى ، ورشيد الذوادى ، هم اعضاء عاملين فى هذه الرابطة .
ففى ( رابطة الادب الحديث ) ارتفع صوت احد اعضائها فى عام 1954 يكرم أديبا من أدباء تونس الكبار وهو الاستاذ أبو القاسم محمد كرو . . كتب الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى تقيما لكتاب (( حصاد القلم )) وفيه يقول :
(( . . ويمثل هذا الشعور بالمسيؤولية ، والاحساس بواجب الاديب نحو وطنه يمضى المؤلف فى فصول كتابه ، رائعا جليلا ، قوى التصوير والتعبير والتأثير ، سامى الاهداف والغايات ، هاتفا بالحرية والمجد لوطنه وأمته وللعرب فى كل مكان . . ينحو نحو الواقعية الحديثة فى أدبه وكتابته ، يعزز ذلك كله طبع أصيل ، وملكات قوية ، وشعور انسانى ووطنى كريم ، وايمان بحق شعبه فى الحرية والحياة العزيزة بين الامم والشعوب . . )) ( 4 ) .
- سمات الفكر التونسى المعاصر :
ولو حاولنا ان نستوعب جل ملامح الفكر التونسى المعاصر وضبط اتجاهات وتيارات هذا الفكر وابراز خصوصياته لوجدنا فى هذا الفكر دسامة و عمقا ومضامين هادفة . ان معظم الشعراء والقصاصين والكتاب التونسيين تفاعلوا مع واقعهم ومع احداث وطنهم ، وهكذا نجد فى مقدمة من أدرك اخطار الفرنسيين قبل الاحتلال الشاعر محمود قاباد : ( 1812-1871 ) ثم نرى بعد ظهور الطباعة بتونس ( 1860 ) ادباء مكافحين واكبوا الفترات الصعبة وناضلوا ضد سياسة الفرنسة والتغريب والاذابة والتجنيس .
وهناك لا بد ان أشير الى أن انتصاب الحماية وقهر الاستعمار لم يحدا من نشاط المفكرين والادباء التونسيين ، اذ يفضل تيقظ الضمير الوطني عن طريق الحركات السياسية التى تعاقبت على البلاد خاصة الحزب الدستورى
الجديد ( 1934 ) ويفضل الانتباه الملحوظ من المتخرجين من الزيتونة والصادقية ازدهر الفكر ، ووقف ادباء تونس وقفة شجاعة فكان الانفجار والثورة ( 5 ) .
ونتحسس هذه الثورة فى نتاجات المفكرين من شعراء وقصاصين ودارسين ونقاد
ويقينى ان اهم فترة خصوبة لهذا الفكر المعاصر هى التى كانت بين سنة 1914 و 1956 اذ فى خلال هذه المدة ( 42 سنة ) برزت مجموعة كبيرة من الكتاب والشعراء والقصاصين ساهم جميعهم فى تفجير الوعى الوطنى ، كما انه فى هذا الطور بالذات تولد أدب تونسى صرف عالج أوضاع الشعب وطموحاته .
وتميز فكر هذه الفترة بنداءات ملحة لتطوير التعليم فى تونس والحفاظ على الشخصية ضد قانون التجنيس ، ودعم طرائق تقوية الشعب وتبصيره بمشاكله ، والمناداة بالثورة على الاستعمار وطرح القضايا التى لها مساس بالعائلة التونسية والدعوة الى حرية المرأة وانصاف العمال ، كما برزت فى عام 1930 القصة التونسية بالمعنى التقنى على يد على الدوعاجى ( 6 ) والبشروش , ومصطفى خريف ، والهادى العبيدى ، ومحمد المرزوقى ، ومحمد العروسى المطوى ، وأبو القاسم محمد كرو ، ومنور صمادح ، ومحمد مزالي .
وظهرت فى هذه المرحلة عدة مجلات ادبية منها : ( العالم العربى ) ، و ( المباحث ) ، و ( الثريا ) ، و ( الندوة ) ثم بعد الاستقلال ظهرت ( الفكر ) ، وكتاب ( البعث ) ، ثم ( اللغات ) ، و ( الثقافة ) , و ( التربية ) ، و ( التعليم ) ، و ( الحياة الثقافية ) .
وبرز فى جيل بعد الاستقلال : الروائى البشير بن سلامه ، والقصاص رشاد الحمزاوى ، والشاعر جعفر ماجد ، ومصطفى الفارسى ، ورشيد الذوادى ، ومحمد الصالح الجابرى ، وأحمد القديدى ، وعزالدين المدنى ، والفكر التونسى بمختلف أنواعه اثر الاستقلال تميز بميزات ابرزها : الوطنية , والدفاع عن تيار التونسة والاشتراكية ، كما تفاعل هذا الفكر مع تيار (( الاصالة )) التى التزمت بها مجلة (( الفكر )) ، منذ بروزها فى اكتوبر 1955 , وعبر هذا الفكر فى شتى الصور عن الثورة الجزائرية تعبيرا عن التضامن مع هذا الشعب ، وتعضيدا للجهد الذى كان يقوم به زملاؤهم الجزائريون فى ايام ثورتهم المجيدة .
كما تفاعل هذا الفكر مع حرية الكلمة والفكر ومع قضايا الحرية والنضال فى الوطن العربى وفى العالم أيضا ، لان الفكر نضال والتزام ورسالة هادفة . . يقول د . الحبيب الجنحانى فى كتابه : ( من قضايا الفكر ) (( الفكر مشعل مسيرة الشعوب نحو تحقيق المجتمع الافضل . . هو جوهر المسؤولية وعنوان وعى النضال واصالته وسموه )) ( 7 ) .
هذه هى سمات الفكر التونسى المعاصر من خلال المضمون والرؤية ، اما سمات الشكل والصورة فقد تطور ايضا الى احدث الكتابة العربية ، فالرواية مثلا لم تعد تترصد التحولات فحسب وانما هى ايضا تورخ لنضال الجماهير وتمثل التجربة الابداعية وهو ما تبرزه روايات : ( التوت المر ) للعروسى المطوى ، و ( بودودة مات ) لرشاد الحمزاوى ، و ( يوم من أيام زمرا ) لمحمد الصالح الجابرى .
والصورة الشعرية هى ذات أهمية بالغة فى الشعر الحديث . . أصبح الشعراء التونسيون ينزعون الى الصور الدقيقة التى تظل متصلة بالحقيقة والواقع ، وأصبح الحكم على التجربة الشعرية من خلال التصاق الشعر بهموم الشعب ، ولعل الميدانى بن صالح هو من خيرة الشعراء الذين صور شعرهم لهاث الكادحين ، وأهازيج الشعوب ، والصعاليك ، والعاطلين ( 8 ) .
تتمركز الاضاءة الشعرية على ( الشعر المنجمى ) وهى ظاهرة متميزة اليوم على الساحة الادبية وتتولى مجلتا ( الفكر ) و ( الأخلاء ) التى أسسها ويديرها
الشاعر الصادق شرف ، تسليط الاضاءات على هذه التجربة الشعرية ولئن اختلفت حركة الشعراء المنجميين فى الطرق التعبيرية وفى تناول المواضيع فى الحياة المنحمية ، فانها تشترك فى الهدف الموحد وهو التعبير بعمق عما يجرى في حياة العمال وعما يدور حولهم من مشاكل عمالية : ونرى فى مقدمه هؤلاء الشعراء سويلمى بوجمعه ، وأحمد عامر ، وسالم الشعبانى ، ومحمد عمار شعاينية ، وأحد مختار الهادى ( 9 ) .
هذا الفكر التونسى من خلال اتجاهاته ومدارسه واشكالياته ورؤاه ، فهو فكر زاخر بلور فى عمومه شخصية التونسى فى نضالاته واتواقه ومعاناته .
- الكاتب التونسى دوما تائقا للحق :
وهكذا يتبين من خلال هذه الاضاءة ان الكاتب التونسى ظل دائما ينشد الحق ويعمل فى سبيله ويستلهم الجديد من واقعه الثرى .
ويكفى ان نشير الى ان عديد المعارك خاضها الكتاب التونسيون كـ (السفور والحجاب ) ، و ( حرية الفكر والصحافة ) ، و ( مساواة المرأة كالرجل ) و ( عن تيار التونسة والتعريب ) .
ان لكل معركة من هذه المعارك قصة شائقة وحكاية طويلة . . ولكل معركة ابطالها وهى جميعها عناصر بشرية وتاريخية تشترك فى ( ملحمة اثبات الذات ) وارساء القيم الاخلاقية فى تونس .
وآن فى ريادة أبى القاسم الشابى . . وفى كفاح الشاذلى خزنة دار وسعيد ابى بكر . . وفى دفاع الطاهر الحداد عن المرأة والعمال . . وفى دعوات ابى القاسم محمد كرو ومحمد مزالى ومحمد العروسى المطوى الى ضرورة التعريب . . وفى مناداة محمد مزالى بالتونسة والاصالة الفكرية . . وباحلال الادب التونسى المنزلة اللائقة به . . قلت : إن فى كل هذا مؤشرات تثبت فيما تثبت ايمان مثقفينا بالشخصية التونسية . . هذه الشخصية التى تعتز بالماضى وواجهت التحديات وسموم الادعياء والغاصبين ، وتستمد جذورها حسب ما عبر عنه الكاتب التونسى مجمدا مزالى من أمة عربية اسلامية تتوق
الى المطلق ، وتؤمن بالله ، وتخلص للقيم العليا ، مع تفاعلها مع التيارات الفكرية لحوض البحر الابيض المتوسط ، وتضامنها مع البشر ( 10 ) .
والدفاع عن الشخصية التونسية كانت فى مقدمات العمل الفكرى الذى سار فيه الادباء وتحملوا فى سبيله صنوفا من الاذى ومع ذلك ثبتوا ، فثبت الحق وثبتت تبعات هذا الحق فى مستوى الفكر ، وفى مستوى العمل والانجاز .
والوعى الوطنى الذي فجره المثقفون من خلال دفاعهم عن الشخصية التونسية كان وعيا عميقا خلق ادوات ثقافية وجيلا جديدا يعتز بتونس وبمقوماتها .
هكذا كان انطلاق روح الشعور بالشخصية التونسية . . كان الشعور شاملا وكافح من أجله عدد السياسيين والمفكرين وفى مقدمة هؤلاء : الحبيب بورقيبه ، والطاهر الحداد ، وعلى البلهوان ، والطاهر صفر ، ومحمد مزالى , وأبو القاسم محمد كرو ، ومحمد العروسى المطوى ، وغيرهم وفيها يتجلى بالخصوص دور محمد مزالى صاحب مجلة ( الفكر ) بالذات ؟ . .
- اتجاهات وخصائص :
ان محمد مزالى الذي تحمل عدة مسيؤوليات سياسية وفكرية ( 11 ) هو وجه ادبى مرموق فى تونس اليوم فهو بالاضافة الى مواصلة اصداره مجلة ( الفكر ) لمدة تسع وعشرين سنة فهو الرئيس المؤسس لاتحاد الكتاب التونسيين ومؤلف عدة كتب منها :
- الديمقراطية : ( 1955 ) - مواقف : ( 1973 ) - وجهات نظر : ( 1975 )
- من وحي الفكر : ( 1969 ) - دراسات : (1974 ) - فى دروب الفكر : (1979 )
كما قام بترجمة عدة كتب بالاشتراك مع الكاتب التونسى المعروف البشير بن سلامة عن ش . أ . جوليان : ( المعمرون الفرنسيون وحركة الشباب التونسى ) و ( تاريخ شمال افريقيا ) فى جزأين : يقول الكاتب البشير بن سلامه فى تعريفه بشخصية محمد مزالى الكاتب :
" لست أعرف الى اليوم ، وانا الذي أديم عشرته وداومتها قبل واثناء تقليه فى المهام السياسية الخطيرة موقفا واحدا وقفه فى السر والعلن أو حانيا واحدا من حياته العامة والخاصة يتضارب مع أقواله ومع ما يظنه الحق والواقع وهذه لعمري من أخص خصائص المثقف ورجل الفكر " ) 12 ( .
يتضح من خلال هذه الفقرة ان شخصية محمد مزالى ثرية وخصبة فهو رياضى من أبطال الحركة الاولمبية ، ومؤرخ كتب عدة فصول فى التاريخ ، وهو مناضل دافع عن تعريب التعليم ، ونادى بالدعوة الى الحرية فى الخلق ، وهو مفكر أصيل يذود عن كرامة المفكر فى تفكيره ، وعن احترام الكاتب فى كتابته ، وهو أديب ذواق يمتاز بتفكيره وجرأته وخياله وأحلامه .
هذا هو محمد مزالى الكاتب المفكر الذي يعد من أوائل الكتاب التونسيين الذين تحملوا هموم أمتهم وعالجوا مشاغلها .
هو رجل متوازن نجح فى التوفيق بين الفكر والعمل . . هذه أخص خصائص الرجل . . والنجاح فيما بين العقل والتطبيق ، وفيما بين الفكر والفعل ندر ان نجده ولا غرو فى هذا ما دمنا نعلم ان الادب عنده ليس مأساة بل ملحمة ونضالات فى الواقع المعاش .
وحينما نتعمق فى فكر الرجل ، ونتقصى تجربة الخلق والابداع فيه نحس بنوعية خاصة من طرافة الخلق الانشائى عند هذا الكاتب تتميز بوعى وطنى أصيل وصادق .
فدراسته عن ( التونسة والتعريب ) ، وعن : ( أدب الشباب ) ، و ( حركية التاريخ ) ، وعن : ( مسؤوليتنا ازاء الاجيال العربية ) ، وعن : ( على البلهوان المفكر ) ، و ( احياء التاريخ لبناء المستقبل ) ، و ( الثقافة القومية ) ,
و ( التونسة وفاء للذات ) ، كلما قرأناها اكتشفنا شيئا وهو حاسة الكاتب الى تعميق وعي المواطنين بالشخصية التونسية ، ويبرز حرصه هذا كأعمق ما يكون الحرص وهذا لعمرى من شدة حساسيته الوطنية وهويته العربية , فمناداته بالحفاظ على الشخصية الفكرية ودعودته الى البحث فى اغوار الشخصية التونسية ، ووعيه بقضايا شعبه وبتطلعاته واتواقه ، يؤكد لنا مرة أخرى على انه (( يلتقى مع الكثيرين من التونسيين المؤمنين باصالتهم وبدورهم فى الحياة مثلما يذكر ذلك صديقه البشير بن سلامه فى كتاب ( من وحي الفكر ) )) ( 13 ) .
ومحمد مزالى توفق منذ ان اعلن فى أول عدد من (( الفكر )) عام 1955 الى (( وجوب النظر فى شؤون دارنا العقلية والبحث عن مذهب فكرى تونسى )) ولذلك رأيناه يخصص عديد الدراسات فى شرح هذا المنظور الفكرى الجديد , وطبعا هو لا يقصد الانغلاق على النفس ، ولكنه يريد ان يصبح للتونسيين فكر يتميز بخصوصيات ويصبح هذا الفكر مسؤولا يخدم تونس أولا ثم الوطن العربى الكبير . . هذا هو التوازن الذى طالما ناشده محمد مزالى فى فكره وفى كتاباته وهو لعمرى بذرة صالحة من بذور هذا الكاتب المفكر .
ويرى محمد مزالى فى نطاق دعم الشخصية التونسية انه لا بد من تونسة برامج التعليم لان ذلك شرطا أساسيا من شروط الاصالة القومية وسعى الى ذلك لما ولى وزارة التربية .
و (( التونسة )) عنده (( ليست انغلاقا على النفس ، أو تنكرا للقيم الانسانية الخالدة ، أو تنازلا عن المستوى الرفيع الذى بلغه الفكر البشرى فى كل مجالات المعرفة )) ( 14 ) .
(( التونسة )) فى فكر محمد مزالى هى (( مطلب من مطالب الاخلاص للذات والوفاء للروح وهو سعى لا تكاد تشذ عنه أمة تحترم نفسها )) ( 15 ) .

