كنت . . وما زلت أعتقد أن الشعر الخالص هو ذاك الذى ينفذ الى القلوب والنفوس بواسطة مجموعة من الادوات التى بدونها لا يكون الشعر شعرا ولا يكون للكلمة الشعرية الحيز الجدير بها على خارطة التعبير الفني . ومن هذه الادوات - كما لا يخفى - عنصر الموسيقى الموحية التى تساعد على تقبل ما يصبو اليه الشاعر من تعبير عاطفى ، الى جانب التزامه العناية بالصورة الشعرية التى يعمل جاهدا على أن تكون فى مستوى الجمالية التى تتطلبها حقيقة العمل الفنى .
وليس عنصر الموسيقى أو الايقاع الشعرى من خصائص الشعر العربى دون سواه ، بل نجده يحتل مكانة قصوى فى كل عمل شعرى مهما كانت اللغة التى أخرج بها الى حيز الوجود .
ولعل الشاعر الفرنسى " بول فرلان " قد عبر عن ذلك أحسن تعبير عندما قال فى احدى قصائده : " إن الشعر موسيقى . . وموسيقى قبل كل شئ . . " .
والصادق شرف ، كما عرفته وكما عرفه كل قراء الشعر فى بلادنا ، يقف بقامته الشعرية الى جانب هذه الفكرة " الصفوية " التى تعطى للشعر مكانته فى زمن كثر فيه الشعراء بدون حساب وأصبح من يكتب سطرا منثورا يدعى أنه شاعر لا يشق له غبار !
لعل من يطلع على مجموعات الصادق شرف الخمس وعلى بعض ما كتبه نثرا يهتدي الى أنه من دعاة الانتقاء وغربلة الانتاج الشعرى للوقوف على الجيد منه ، كما أنه كان ولا يزال من المؤمنين بأن تجديد القصيدة العربية لا يمكن أن يكون على حساب المعمار الشعرى الموجود بالفعل ، باعتبار ان التجديد يمكنه أن ينطق من داخل الهندسة المتعارفة للقصيدة . لا من خارجها . . وبدون هذا يكون النسب المجانى للهيكل القائم خارجا عن قوانين لعبة التجديد وداخلا فى مدار الهدم التلقائى الواعى .
انطلاقا من هذا المفهوم فان قصائد مجموعة " وأجهش بالغضب ! " ستكون حتما ملتزمة بايقاع القصيدة العربية ، وإن اختلفت الصياغة من قصيد الى آخر ، ذلك أن الصادق شرف لا ينحاز الى القصيدة العمودية وحدها ، أو الى القصيدة المتحررة دون سواها (1) بل تراه يمارس الشعر العمودى والحر على حد سواء ، تماشيا مع مقتضيات الموضوع وظروف القصيدة . . الحقيقة أن الظاهرة التى لا يمكن غض النظر عنها تتمثل فى أن شاعرنا ليس ممن يقفون فى قصائدهم عند حد معين ، أعنى أنه من انصار المطولات التى تحملك على أن نحاول اقتفاء أثر الشاعر وهو يجرى . . والواضح ان هذه الظاهرة تعاينها فى كل مجموعات شرف تقريبا ، بتداء من " شواطئ العطش " وانتهاء ب " وأجهش بالغضب ! " . . ولعل ذلك ناتج ، كما بين الاديب د . محمد صالح الجابرى فى كلمته الاولى التى صدر بها هذه المجموعة عن " امعانه الاصرار على المواجهة . . يكفى صاحبها أنه يضعنا دائما أمام الخيار الصعب فى ان نقرأ له باستمرار وأن نستشعر وجوده رغم أنوفنا . . ولعل هذا بعض ما يجب أن يتحلى به الشاعر الذى يعيش فى وسط لا يعبأ بالفكر وأهله " .
وكأن شاعرنا ، بطول قصائده ، وتتلاحق مجموعاته الشعرية الواحدة تلو الاحرى ، يريد أن يقنعنا بأن الشعر صعب وبأن الدرب طويل ، ولذلك تراه
يطوى المسافات طيا ، قصد بلوغ الهدف عن طريق اختصار المسالك المؤدية إليه . .
أبو وجدان من الشعراء القلائل الذين ينفردون بالخصوصية فى كيفية رصد الحدث العادي وتحويله الى حدث شعرى هام وهو لعمرى عمل صعب ليس فى متناول كل الشعراء . فالشاعر الفرنسى " بودلير " كان يستمد صورته الشعرية الجميلة من الاشياء القبيحة ، أعنى أنه يتصيد المواضيع التى تبدو لك تافهة ويسمو بها الى عالمه الشعرى ويصوغها كأحسن ما تكون الصياغة . . ولعل هذا من متناقضات الامور ، ولكن الابداع الشعرى لا يقوم على المسلمات أو البديهيات فقط ، بل يعتمد أيضا على الاشياء المتباينة والمتضاربة ، طبقا لانفعالات الشاعر وانسكاب المواضيع المرشحة لديه فى بوتقة محاصيله النفسية والمزاجية والفكرية والعقائدية . . . الخ .
لهذا كله كان شعر الصادق شرف من قبيل الشعر الذى يتسم بالمفاجأة ، مفاحأة القارئ بما هو جديد وطريف بل تراه دائما يصبو الى مباغتته بالفكرة التى تدعوه الى التأمل واعمال العقل ، لان الشعر ليس عاطفة فحسب ، بل هو أيضا فكر واعمال رأى وحث على ذلك ، لان الشعر الذى يعتمد على السليقة دون سواها لا يكون شعرا متينا ، بل على عكس ذلك ، يكون مهزوز الاركان ، قاصرامبتورا .
والصادق شرف من فصيلة خاصة من الشعراء ، اذ انه لا يهتم بالغزل ولا بالمديح ولا بالرثاء ولا بالبيانات السياسية المجوجة ( وهى ظاهرة مرضية أصبحت تعترى كيان الشعر عندنا ) ، بل تراه يبحث عن المستحدثات و عن عنصر الطرافة فى الاغراض المطروقة . ويبدو ذلك جليا فى قصيدته " الفاس و الفيتو و ( الرملوك ) العربى " . التى أبدع فيها الشاعر ، حيث صور الارض العربية السليبة تصويرا موحيا وشبهها بالمرأة التى اغتصبها الدخلاء ولم تجد من أهلها من ينصرها أو ينقذها .
المرأة اغتصبت أمام الطفل وانسحت الرجال . !
تتكبد الاوجاع . . كل خسائر الأغراس فى عرس القتال . .
تتوجع الاوضاع فيها . . والحديد بها يميد . . على الجبال . . (2)
فهو ثائر على الاوضاع ، ناقم على ما أصبح يتردى فيه الانسان العربى من خنوع ومذلة وانحلال :
عاصرتك يا أمى جيلا . . جيلا . .كعشيقين التحما . .
فى قبلة حب للوطن الارحب ،
وخرجت من القبلة مهزوز الشفتين بلى أترى اغضب ؟ !
والشفة المهزومة . . لن تنتجع اليد معجزة التكوين . . (3)
ويحس الشاعر أن صيحته لم تجد من يصغى اليها ويخيل اليه أن مساعيه ستؤول الى الفشل :
يا العالم المتحضر . . المتوحش . . الانسان حر أم عبيد ؟
إن لم يكن هو لمجة للفوهة الكبرى . . تلمجه الحديد . . ( 4 )
ورغم ذلك فهو لم ينسحب من الساحة ولم تفتر قواه ، بل بقى على العهد يرنو الى الشمس الآتية من بعيد لتغمر أرجاء الوطن الحبيب :
سأظل يا وطنى المعنكب بالحديد سفينة
أرسانها فى الرمل ضاربة
ولكن التحرك فى السفينة ما سكن . .
وانا السفينة ما وجدت اليبس لى وطنا فكان البحر لى نعم الوطن ! . (5)
ومن مظاهر وفاء الشاعر لوطنه أنه يحبه فى الضراء كما يحبه فى السراء ، انظر اليه وهو يناجى وطنه " تونس " بعد أحداث 3 جانفى الاخيرة التى كادت أن تأتى عليه حزنا فصدع وفى نفسه حسرة :
ما للفتى التونسى استل منجله كى يحصد الشوك اذ بالورد ينحصد ؟
يا تونس الحب . . بان الحقد قنبلة في خبزة الشعب أخفاها الألى حقدوا (6)
ولكن الحب سيظل هو الغالب ، وطالما كان الحب غالبا فالوطن سيبقى شامخا عتيدا :
راهنت أن انتصار الحب مهر غد إن يضعف الحب ، هل يرضى به أحد ؟ (7)
ومن مظاهر شعر الحنين الى الاوطان ، نجد قصيدة رقيقة بعنوان : " باقة حب الى عاصمة الدخلة " ، يقول فيها مناجيا مسقط رأسه منزل تميم :
منزل تميم ولاية . . وقليبها ميناء وزماننا متقلب : هل تقلب الاشياء ؟
الدخلة الفيحاء نحن بصدرها والاقربون بها هم الاعضاء
صدر بلا أعضاء مبتور . . وهل تجدى العباد ولاية بتراء ! ؟ (8)
وفى المجموعة محاور أخرى جديرة بالاهتمام وتدل على حاسة الشاعر اليقظة والمتتبعة لما يدور على الساحة ، كقصيدته عن " شحرور الخضراء " الفنان الراحل يوسف التميمى التى يقول فيها :
من فى برود البئر كان رمى بيوسف ؟ إخوة
يتسترون . . يلذ لى أن أفضح المستورا . .
أنا اعلم المرمين فى الآبار . . هذى البئر جمر . .
يوسف المرمى جثمانا يصير بخورا . .
أنا لا أقول : الفن مات بموت يوسف انما
فى أيكة الفن الاصيل انخلق الشحرورا ؟
الله أكبر . . مات يوسف وانتهى
والله أكبر . . أكثر الاموات موتا من يعش مقهورا (9)
هذا الى جانب اهتمامه ببعض المظاهر الاجتماعية كتضح النسل وما يمكن أن ينتج عنه من مضار :
فى البيت تسعة صببية وتزيد فعلى ذراع الأم ثم وليد . .
وغدا سيولد للجحيم جديد . . قل لى : وماذا فوق ذاك تريد ! ؟ (10)
ويظل الحب عند أبى وجدان قبسا رائعا ومرفأ اليه يلجأ كلما انسدت أمامه السبل :
أرجوك أعيدى الرج ، وقومى ببناء المخروب بفاس ألاعيبى
فخذينى من غربة روحى . . للردهة . . علي أشفى
من مرض التغريب (11)
ومهما يكن من أمر ، فان الصادق شرف كان مسكونا بهاجس الشعر ولا يزال . . ولذلك فهو مصر على مواصلة الطريق دأبه المباغتة والمفاجأة التى لا ترحم . أليس هو القائل :
ها أنا الجدول يا بحرى . .
ولولا جدولى هل يصبح البحر عبابا ؟ !
بعد ما طوفت فى الاجواء برقا . . ورعودا . . وضبابا .
ربما يرجعنى البحر . . وقد شاء بأن أصبح للعطشى انسكابا .
. . ربما أبكى اذا ما أبقت الايام فى عينى دموع . .
جائع لكننى لا أعشق القوت ولكن اعشق القلب الذى مثلى يجوع (12)

