اللغة نظام اشاري ( سيميولوجى ) ، والكلمة اشارة تقف في الذهن على انها دال يثير في الذهن مدلولا هو صورة ذهنية لموجود عيني ، وهذا الحدث هو الدلالة ، ومن المهم أن نقرر طبيعة الكلمة كاشارة ، فالكلمة بـهذا المفهوم ليست اسما لشئ تنص عليه ، وانما هي ( صورة صوتية .. وتصور ذهني : دال ومدلول ) ( 1 ) : وكل كلمة تنطق تحمل هذين القطبين معها : قطب الصوت ، وقطب الدلالة . ويختلف تركيز المتكلم على هذين القطبين حسب غرضه من المقولة . ففي الخطاب النفعى يتوجه الاهتمام نحو المدلول وهو ما يسعى المتحدث الى غرسه فى ذهن المتلقى ليشتركا معا فى تصور ذهنى واحد . وهذا يختلف عن الغرض الجمالى للمقولة . وهو غرض ينحرف عن وجهة التصور الذهنى المشترك ، ويسعى الى تقوية القطب الصوتى وتكثيفه . فاذا ما تهيأت للقائل سبل تقوية الصوت ونجح في ذلك ، فانه يحرر الكلمة عندئذ من قيد التصور الذهنى ، ويطلقها حرة معتقة تسبح فى خيال المتلقى دون أن تحبسها قيود المعاني المتوارثة والسياقات التى تعاقبت عليها حتى قيدت حركتها .
وبهذا تصبح الكلمة فى التجربة الجمالية اشارة حرة ، تم تحريرها على يدى المبدع الذي يطلق عتاقها ويرسلها صوب المتلقى ، لا ليقيدها المتلقي مرة أخرى بتصور مجتلب من بطون المعاجم ، ( وهو ما نقترفه دائما فى حق النصوص الادبية فنسهم في قتلها ، وافساد جماليتها ) وانما للتفاعل معها بفتح أبواب خياله لها لتحدث فى نفسه اثرها الجمالى ، وهذا هو هدف النص
الادبى . وعلى هذا تصبح قيمة النص فيما تحدثه اشاراته من أثر فى نفس المتلقي . وليس أبدا فيما تحمله الكلمات من معان مجتلبة من تجارب سابقة أو دلالات مستعارة من المعاجم . ولقد جهد نقادنا منذ زمن مطلع تاريخ النقد عندنا ، فى تأكيد الفصل بين المعنى واللفظ فى الشعر فعزلوا المعنى وأبعدوه ولكن تيارا مضادا جهد فى عكس المعادلة مما رجح جانب المعنى وغلبه على اللفظ فتمت محاصرة القطب الصوتى فى مختنق الوزن والنظم وتعلى التصور الذهنى المحدد وجعل التذوق الجمالى مجرد شرح للمفردات . وبهذا ضاعت القيمة الجمالية للنص الادبى . حتى صار النقاد ينظرون الى تشابه المعانى بين شاعرين على أنها سرقة اقترفها المتأخر من سالفه . ولم ينظروا قط الى النص على انه أثر لاشارات محررة فى سياق مفتوح .
ونحن اذا حاولنا اليوم قراءة الشعر قراءة سيمميولوجية فاننا نهدف الى تحرير النص من قيوده المفروضة عليه . وهذه عملية تكرارية يحدثها الشاعر أولا بأن يحرر الكلمات من قيودها وهذا حدث تلقائى وغير واع ، وهو من مظاهر الابداع الفنى والقدرة عليه . ويختلف فيه شاعر عن شاعر . فالمفلق يطلق كلماته الى اللامحدود وتكون انطلاقتها قوية وجبارة بحيث تحلق معها مخيلة كل قارئ لها . والقارئ ما يلبث أن يقرأها حتى يطير معها غير واع بنفسه وهذا هو (سحر البيان ). وتتناقص قدرة الكلمات على احداث هذا الاثر حسب ما اعطاه لها مبدعها من حرية . وهذا ما يجعلنا نقرأ أشعارا تتشابه معنى ووزنا فنعجب ببعض دون آخر . ولا نستطيع تحديد السبب عقليا . لان السبب (أثر ) يحدث مفعوله ولا يسمح لنفسه بأن يؤسر بعد أن تحرر .
وبعد الشاعر يأتي المتلقي . وهذا دور يتم مع كل قراءة للنص . اما من أشخاص متنوعين ، أو من شخص معين فى أزمنة متفاوتة ، وهذا الدور هو الخطر الحقيقى الذى تواجهه كل قصيدة ، وكل نص جمارى . لانه يقوم على أسس ثقافية لا تتوفر بالضرورة لكل قارئ . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فانه يمثل مجهودا فكريا ونفسيا كبيرا . فالقارىء يحمل فى ذهنه مخزونا من الكلمات المقيدة ، فاذا ما رأى شبيهة احداهن أمامه على الورق ، التقطتها عيناه على أنها نفس ما لديه . وهنا مكمن الخطر ولا بد للقارئ الذي ينوى اعطاء النص حقه من أن يحذر عند هذا المفترق خاصة ، فهو مفتاح العملية كلها . ولا بد له هنا من أن يدرك أن السلطان فى هذا الموقف يجب أن يكون للنص لا للقارئ . فان تسلط القارىء هنا . ضاع النص وسيفرض القارئ مخزونه من 610 34
الكلمات بسالف تاريخها على اشارات النص تتم اعادة الكلمات الى سجنها مرة أخرى . اما إن استجاب القارئ لدواعي التجربة الجمالية ، وسمح للاشارات بالتحرك الحر فى خياله فان النص هنا سينجح فى احداث نفسه فى نفس القارىء أى تأسيس ( الأثر ) .
وبهذا يستطيع النص الادبى أن يمارس وظيفته . ويصبح النص المطلق . فيتحدد مع كل قراءة . ويكون النص الواحد آلافا من النصوص لان لكل قراءة ( أثرا ) يختلف عن أثر القراءة الأخرى . وبعدد هذه الآثار يكون عدد النص ( النصوص ). وفي كل اعادة للقراءة يحدث أثر آخر فكاننا مع نص اخر .
فالنص هو الاثر . والنص هو القارىء . وكل نص ينجح فى تحقيق هذا الاثر فهو ما يسميه رولان بارت ( بالنص الكتابي ) لانه ذو قدرة على التجدد والانفتاح ( 2 ) .
أما وقد أخذنا بمصطلح ( اشارة ) فاننا نحدد الآن أن مقصدنا من هذا المصطلح يتسع ليشمل كل عنصر من عناصر النص الادبى . وليس هذا المصطلح بديلا لمصطلح (كلمة) ولكنه تحول لها . فالكلمة اللغوية تظل كلمة فى كل مجالات استعمالاتها ما عدا حالة التجربة الجمالية حيث تتحول هنا الى (اشارة ) وذلك بأن تتخلى عن شطرها الآخر (التصور الذهنى لها ) ويحتلها كلها جانبها الصوتى . وهذا ما يضمن لها حرية الحركة ويحقق لها الانعتاق، وتفريغها من متصورها الذهنى الذي كان عالقا بها ، ويمكنها من احداث ( الأثر ) الحر وتنويعه مع كل قراءة . وفي هذا يختلف مصطلح (اشارة )هنا عنه فى علم ( السيميولوجى ) اذ انه هناك مصطلح بديل عن الرمز وعن الكلمة (3) . بينما هو هنا حالة تحول فنى متجدد .
وفي تغليب القطب الصوتى للاشارة اعطاء للشعر حقه فى تحقيق ذاته . فالشعر أصلا قام على ايقاع صوتي عال . والعربى منه خاصة اعتمد فى نشأته على صوتياته . وارتكز عليها فى حفظه وبقائه . فالشاعر العربى فى جاهليته لم يكن يكتب شعره ولم يكن جمهور الشعر يتلقى الشعر كتابة . وانما كانت
معابره الحناجر يمر فوقها من راو الى آخر عبر السنين والاجيال . ولم يدون الا بعد نشأته المفترضة بمائتى عام . وهذا جعله يعتمد على موسيقى ثابتة الحركات والسكنات ومحددة المقاطع والنهايات . حتى ان مقاطعه لا تتغير - إذا تغيرت - إلا بموجب قوانين محددة هي الزحافات المقننة ، وذلك كي يحفظ من الضياع والنسيان وسقوط بعض المقاطع . ولقد ورث الشعر العربى هذه السمة الصوتية عالية الايقاع عبر اجياله حتى يومنا هذا . وهى سمة من ابرز سماته وأخطرها . ويجب الاخذ بها كاملة لاعطاء (الاشارة) كامل حريتها فى احداث (الأثر ).
من هذا المنطلق نأتى الى قصيدة( إرادة الحياة ) لأبى القاسم الشابى محاولين قراءتها قراءة سيمولوجية نطلق بها الاشارات حرة طليقة لتحدث فى نفوسنا أثرها الحر وبدخولنا القصيدة سنجد أنفسنا متورطين معها فى اصطراع متوال نتلمسه فيما يأتي :
1 - مصطرع الحركة / السكون : مثلما يعتمد الايقاع الشعرى على معادلة ( الحركة / السكون ) فان ( إرادة الحياة ) اعتمدت ايضا على هذه المعادلة التى تصطرع داخل القصيدة لتحدث سياقا فنيا منطلقا نحو اللانهاية . فالصراع هنا لا يتمخض عن انتصار وانهزام وانما هو صراع دائم الحركة والتوثب فهو استمرار مطلق ولذلك انتهت القصيدة حسيا بمثل ما ابتدأت به :
( البيت الأول من القصيدة ) :
إذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
(البيت الأخير من القصيدة ) :
إذا طمحت للحياة النفوس فلا بد ان يستجيب القدر
ولقد تحرك هذا الاصطراع فى محور زمني تتلامس القصيدة معه تلامسا ايقاعيا كتعانق البحر مع الارض مدا وجزرا . فهي لا تأخذ من الزمن كل ما يمكنها أخذه منه ، كما انها لا تعطيه كل ما يمكنها اعطاؤه . وكانها الحسناء توقع فتاها فى حبائل حبها حتى اذا ما توله بها تمنعت عليه ، فتبقى بذلك جذوة الحب متقدة بلهب حى لا يخمد .
وزمن القصيدة يتحرك في اشارات / الحدث والتجدد . وهي كما يلى :
أ - اشارات المستقبل : ( ضد الحاضر ). وهذه تتكون من ثلاث فئات من الاشارات :
1ـــــ أفعال المضارعة التى يتعين توجهها نحو المستقبل ، أما لانها وقعت فى المعادلة الشرطية ، فعل شرط أو جوابه ، واما لان السباق يرفعها عن الحاضر ويضعها فى الآتي . وقد تم فحصها فى سياقها قبل رصدها .
2 - أفعال الامر ، وهي مستقبلية ، وتلحق بها أسماء فعل الامر .
3 - أفعال الماضي التى وقعت في فعل الشرط أو جوابه ، أو جاءت مضافة لاحدهما . وفعل الماضي في هذه الحال يتعين كونه اشارة الى المستقبل ( 4) .
ونرسم بيانا بهذه الاشارات وأمامها رقم البيت الذى وردت فيه (*) :
1١ - مضارع ( مستقبل ):
يستجيب 1 ينجلي 2 ينكسر 2 يعانقه * 3 أتجنب**8 يحب 9 يعش 9 أصغى 11 تكرهين 12 ابارك 13 يستلذ 13 ألعن 14
يماشى 14 يقنع 14 يحب 15 يحتقر 15 يحضن 16 يلثم 16 تعيد 21 يجيء 24 ينطفئ 25 تهوى 27 تلهو 28
يدفن 28 يفنى 29 تبقى 30 يمل 33 يمشي 35 تنمو 35 تذوى 35 تحيا 35 تصبح 36 تسائل 37 يغنى 38
يمر 38 انتظر 39 يغنى 41 يرقص 41 تعيد 48 تعبد 51 يبارك 51 يبيد 53 يشب 57 يذكي 57 يصرف 58 تستجيب 63
( الجملة : 46 )
*وردت هذه الاشارة مجزومة بل . والمضارع فى هذه الحالة يتحول إلى الماضى ( 5 )ولكن هذه الصيغة وقعت فى موقع فعل الشرط ، وهذا وجهها نحو المستقبل . وبذلك تكون هذه الاشارة تنقلت فى زمانها من حاضر معلق دخلت عليه (لم )ى فحولته الى ماض ، وجاءته أداة الشرط (من )فدفعت به نحو المستقبل . ولهذا دلالة فنية سوف نسبرها لاحقا .
** وردت هذه الاشارة كسابقتها مجزومة بل ولكنها وقعت معطوفة على جواب شرط حولها الى المستقبل .
21 - أفعال الامر ( وأسماء افعاله ) :
استقبلي 50 ميدى 54 ناجي 55
ناجي 55 ناجي 55 ناجي 55
ناجي 56 إليك 52 إليك 52
إليك 52 إليك 53 إليك 53
( الجملة : 12 )
أ3 - أفعال الماضى ذات التوجه الامامي (مستقبل ) (فعل شرط او جوابه او معطوف على احدهما ) :
أراد 1 تبخر 3
اندثر 3 طمحت 7
ركبت 7 ( الجملة : 6)
نسيت 7 (6)
ب - اشارات الماضى ( فوق الحاضر )وتتكون من فئتين هما : أفعال المضي الخالصة التى لم تقع فى معادلة الشرط أ - أفعال المضارع المسبوقة بلم ولم تقع أيضا فى المعادلة الشرطية . ويتعين تحولها عندئذ الى الماضى . فهي اشارات مضي . وهذا بيان بالفئتين :م
ب 1- افعال المضي الخالصة :
قالت 5 حدث ٥ دمدمت 6 عحت 10 ضجت 10
سكر 20 سالت 21 أذبلت 21 قال 23 عبر 28
نما 45 انتصر 45 صدعت 46 أبصرت 46 جاء 47
ظهر 51 شف 57 مد 58 ضاءت 59 ضاع 59
(5 )السابق 39 .
أطرقت 11 قالت 12 سالت 12 كبر 15 ضمت 17 سكر 20 غنيت 20
تألق 29 اندثر 29 حملت 30 غير 30 تلاشت 31 ظمئت 40/40 43/42/41 أرى 43
قبل 48 غبر 48 قال 49 منحت 49 خلدت 49 بارك 50
رفرف 60 رن 16 سحر 61 أعلن 62 طمحت 63
) الجملة : 49 (
ب 2 - أفعال المضارعة المتحولة إلى ماضى :
لم تشقه 4 لم تشقه 18 لم تتكلم 22 لم تترنم 22 (الجملة :4)
ج - الاشارات السابحة ، وهي الاسماء المشتقة التى تحمل الحدث وتدل على التحدد . وهي أسماء الفاعل والمفعول أو ما يسمى بالمشتقات الصريحة ونأخذ بها هنا لانها تدل على ) الحدث والتجدد كالفعل ( ونميزها عن سائم المشتقات التى لن نأخذ بها هنا لانها ) تدل على الثبوت ، فهى بعيدة عن الفعل قريبة من الاسماء الجامدة ) 6 ( . وقلنا عنها : إنها سابحة لانها اشارات محملة يحدث فى زمان غير مقيد ، ولكنها تسبح فى السياق متوجهة معا حيث توجه زمانيا . وهذه الاشارات هى
ج 1 :
المنتصر 4 المستتر 5 المستعر 8
المنتصبر 18 مثقلة 19 معانقة 32
حالة 34 موشحة 36 المنتظر 43
المدخر 49 الحالم 52 حالم 61
) الجملة : 12 (
هذه كل الاشارات الزمنية فى القصيدة . ونلاحظ منها ان الحاضر لا مكان له فى هذا النص الشعرى . فالقصيدة تمسح الحاضر وتلغيه وتنفيه الى الفناء لتحل مكانه الماضى فى حالات كأن تدخل اداة الجزم (لم) على المضارع ليتحول الى ماض . وفي حالات اكثر يأتي المستقبل لينتشل الاشارة من حاضرها المسحوق ويصرفها نحو الآتى اما بأن يضعها فى المعادلة الشرطية ، أو بوضعها فى سياق مستقبلي . ويشتد التوجه نحو المستقبل قبل أن تشرف القصيدة على نهايتها فى الابيات (50-56 ) . حيث نرى قوة الدفع الى الامام وكثافته فى تعاقب اثنتى عشرة اشارة مستقبلية فى سبعة أبيات . وخمس من هذه الاشارات جاءت مكررة ومتعاقبة بعضها يمسك بتلابيب بعض وهي أفعال الامر ( ناجي ) التى جاء أربعة منها فى بيت واحد (55 )وتلاها خامس فى البيت اللاحق . ومن قبلها جاء خمسة أسماء أفعال أمر (إليك ) فى بيتين متوالين ( 52-53 ). وكانت فاتحة هذه الاشارات صارمة وقاطعة فى تحويلها للباصرة نحو الامام فى قوله ( استقبلي ) فى البيت 51 :
وباركـك النور فاستقبلي شباب الحياة وخصب العمر
وعندما تتوجه الباصرة منفتحة على الآتى ، لا تتخلى عنها القصيدة ، بل تتوالى عليها زخات اشاراتها متتابعة واحدة تلو أخرى : ( 52-56 ) :
إليك الفضاء إليك الضياء إليك الثـــــرى الحــــــــالم الـــــمزدهر
إليك الجمال ، الذي لا يبيد إليك الوجود ، الرحيب النضـــر
فميدى كما شئت فوق الحقول بحلـــــــــــو الثمــــــار وغض الزهــــــر
وناجي النسيم وناجي الغيــــــــوم ونــــــاجي النجوم وناجي القمر
ونــــــاجي الحيــــــاة وأشـــــواقهــــــــــا وفتنــــــــــــة هذا الوجــــــــود الأغـــر
وبذلك يتعالى المستقبل فى القصيدة . ويسحق الحاضر سحقا كاملا ويلغيه . ويمسك بالماضى فى معادلة تجاوزية . ونقول معادلة لان المستقبل هنا لا يلغي الماضى ولا يحاول سحقه وانما يتداخل معه أخذا وعطاء . وقد لاحظنا فى البيانات المرسومة (سابقا ) ان هناك اشارات مضارع تحولت الى ماض ( جدول ب - 2 ) كما ان هناك ماضيا تحول إلى مستقبل ( جدول 1 - 3 ) . وهذا تداخل بين المستقبل والماضى يقيم علاقة متجاوبة بينهما . ويشتركان بهذه العلاقة على سحق الحاضر . ولكن اشارات المستقبل في القصيدة عامة تتفوق 616 40
على اشارات الماضي . وعدد الاولى ) 64 ( اشارة . كما فى جداول ) أ ( بأنواعها الثلاثة . وعدد الثانية ) 53 ( كما فى جداول ) ب ( ولهذا وضعنا العلاقة بين المستقبل والماضى بأنها ) تجاوزية ( أى أنها تتجاوز الماضى مضيفة الى رصيده المكتسب رصيدا جديدا . فهى لا تثبت عنده ، أو تتجمد على معطياته ، ولكنها تنطلق مرتكزة عليها ومعتمدة على رصيدها ، لتحقق هى لنفسها عطاء مثله كان للماضى عطاء ونجد فى القصيدة ) اشارتين ( مثلتا لنا جدلية هذا لعلاقة المتجاذبة . وهما اشارتا ) لم يعانق ( و ) لم أتجنب ) وقد جاءتا في الابيات التالية
3 - ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر فى جوها واندثر
***
7 - إذا ما طمحت الى غاية ركبت المنـــــى ونسيت الحــــــــذر
8 - ولم أتجنب وعور الشعاب ولا كبـــــــــــة اللهــب المستعــر
فهاتان الاشارتان خرجتا من الحاضر بشكل قاطع بدخول ( لم ) عليهما وتحولا الى الماضي . والعلاقة بينهما وبين أداتى جزمهما تأسست وتوثقت بشكل لا يقبل الفصل لاننا لو فصلنا بينهما انحرف النص عن سياقه ، واختل ايقاع البيت ، وهذا يعنى انهما الآن اتحدا مع جازميهما اتحادا عضويا لا ينفك . ومن هنا يتم الغاء الحاضر بشكل قاطع ، ويصبح شيئا لا وجود له ، والاشارات صارت الآن حبلى بالماضى . وهذا الماضى الآن يتحرك من داخل الاشارة مدفوعا بأداة الشرط التى تحوله الى مستقبل ، لكنها لا تلغيه . فالصيغة ما زالت قائمة ( لم يعانقه / ولم اجتنب ) . انها ماض ، ولكنها ماض يتحول الى مستقبل ، عابرا من فوق جثة الحاضر المسحوق . وهذه علاقة تداخل بين القطبين الاساسيين لكون القصيدة - الماضى / المستقبل - الذى هو كون الامة العربية بماضيها الحضارى المجيد . وبمستقبلها الذي لا يحمل وعدا بادراك جوهر الماضى والانطلاق منه مرتكزا عليه كنهج للعطاء الحضارى المنفتح . ولهذا تكررت هذه النغمة عند الشابى فى سائر قصائده حيث الغضب على الحاضر وتمجيد الماضى كمحاولة لبعثه فى وجدان الامة لتتحرك به نحو المستقبل . ومن ذلك قوله ( 7 ) :
أنـت لا شـئ فـى الوجود فغـادره إلى الموت فهو عنك غني
والشقي الشقي في الارض شعب يـومـه ميت ومـاضيه حـي
ومع تداخل الماضي والمستقبل في معادلة تجاوزية ، تأتي هذه من خلال اشاراتها لتتلاقى متحاكة فى حركة متموجة مع الاشارات السابحة ( جدول ج ) وهذه الاشارات في نصنا هذا خاصة تأتى منفتحة زمانيا على القطبين معا . وهذا يمنحها القدرة على التفاعل مع الماضى ومع المستقبل دون الذوبان فى إحدهما . ويجعلها قادرة على اعطاء حركة انفعالية يستطيع كلا القطبين تقمصها والاتصاف بها . ولننظر فيها على فئات موزعة حسب مشحونها من الطاقات الانفجارية :
المنتصر المستعر مثقلة
المستتر المنتظر المدخر
معانقة حالمة ( حالم / الحالم ) موشحة
لو نظرنا للعمود الاول لوجدناه يحمل سمات الماضي حيث كان النصر وكانت الحركة المتوثبة ( المستعر ) . وكان الرصيد الحضاري عاليا ( مثقلة ) . وفي المود الثانى قد نلمس سمات الآتى فهو ( مستتر ) وهو ( منتظر ) لاننا نتطلع اليه لينتشلنا من الارتكاس . وهو ( مدخر ) كذخر نفسى نلجأ اليه لنعلق به آمالنا هاربين به من عنت الحاضر وحسه القاتم . وفى العمود الثالث تأتى العلاقة بين القطبين فالحالمة تتوشح وتعانق الحالم وكلا القطبين حالمان يحلم أحدهما بالآخر ، لانه لا وجود لأحدهما إلا بعناق الآخر له . فماضى الامة سيظل تاريخا محفوظا فى بطون الكتب حتى يترجمه المستقبل الى حدث متحرك . والمستقبل حلم لا يتحقق الا بالانطلاق على أساس صلب يمنحه القوة على النهوض والانطلاق . وهذا ( الحلم ) حالة وجدانية للامة وللقصيدة ولذلك ترددت اشاراته بصيغة الفاعل : حالمة / الحالم / حالم . ومنه تنغرس العلاقة بين القطبين فى أعماق وجدانية محلقة عالية وبعيدا عن الحاضر الذي لم يعد يمثل أية قيمة وجودية أو نفسية .
