حينما كتب الاستاذ محمد مزالي فصول كتابه الذي عنوانه : الحركة الأولمبية اليوم : hui'L' olympisme aujourd } الصادر عن دار جون افريك للنشر بباريس لم يكن يدري ربما ان الكتاب سيصدر فى هذا الظرف الذي يشهد أكبر التحولات والجدالات حول القيم الأولمبية والروح الاولمبية ، فى هذا الظرف الذي شهد تسييسا للمثل الأعلى الاولمبي حيث احتد الصراع بين الشرق والغرب لاستخدام الالعاب الاولمبية في دعم هذا التيار الايديولوجى أو ذاك فى حين ان انبعاث المثل الاولمبي على يد بيار دى كوبرتان كان في جوهره تجاوزا للملابسات السياسية والخلافات العقائدية لجمع الانسانية على صعيد الفتوة والقوة الروحية والارادة المنتصرة وقبول التسابق والسيطرة على الجسم واخضاع النفس والتوق الى الكمال واستكمال الخلق والاخلاق . نعم ! لعل مؤلف الكتاب وناشره لم يكونا يدريان مدى قيمة هذا التاليف الاول من نوعه فى هذا الظرف بالذات بحيث جاء فى قمة العاب لوس انجلس وملابساتها ليؤكد ان الشعلة الاولمبية سمو عن
الانتماءات والاتجاهات والاعراق والاجناس والالوان من اجل خلق عالم انقى وانصع وافضل ظل بعض الرجالات مؤمنين به الا وهو عالم الفضيلة الاولمبية ومن ابرز هؤلاء الرجالات المناضل المفكر التونسى محمد مزالي خريج مدرسه بورقية السياسية ، والذي كان له فضل ارساء الرياضة اثر الاستقلال على اسس الوطنية والاخلاق والوعى المدني . فقد تولى الرجل مسؤوليات تبدو متباعدة لكنها متشابهة متشابكة يربط بينها خيط رفيع هو انشاء الانسان .. فمن الشباب والرباضة الى الاذاعة والتلفزة الى الدفاع الوطني الى التربية القومية الى الصحة العمومية الى الوزارة الاولى ، تجد نفس الرجل الصامد الذى بتردد على 13 نهج دار الجلد مقر الفكر واتحاد الكتاب او فى نهج كوبرتان مقر اللجنة الاولمية او على الملعب الرياضى لممارسة هوايته ، نفس الرجل المتعلق بحملة من القيم هى قيم انشاء الانسان على حب الغير وحب الارض وتفجير مكامن الخير ، نفس الرجل المنتصر المنضبط وراء المجاهد الأكبر كاى دستورى قاعدى صادق يسعى الى تغيير الواقع بالتوق نحو الامثل .
( L' olympisme aujourd' hui ) واعود الى عنوان الكتاب باللسان الفرنسي . فاقول انه يعسر تعريب العنوان اذ ان " الاولمبيسم " هو فى ذات الوقت الروح الاولمية والمثل الاولمبية والشعلة الاولمبية ، تامل فيها وحللها مفكر رياضى قال عنه صديقه غاستون مايار انه " رجل العمل والتصور ، رجل الدفاع المستميت عن الروح الرياضية والتنمية البدنية بعيدا عن التعصب او العنف وفي كنف احترام الطرف المقابل ..
وهذا ما اعطى للكتاب قيمته العالمية ، اى ان كاتبه مفكر ميدانى له فضل تطبيق هذه المبادئ التى يعتنقها فى سلوكه الذاتى وانضال السياسي وطموح لانشاء الانسان وجاءت فصول الكتاب بهذا المعنى تأملات فى الواقع المتشعب واستقراء للافضل أو للمطلق ولما يجب أن يكون ، ومحمد مزالي هو فى هذا المقدسة ويوقدون تلك الشعلة عندما تحاول طمسها الرياح * .
جاءت فصول هذا الكتاب الطريف الصادق كانها نداء لضمير العالم حتى بعيد النظر في مفاهيمه ويعود الى ينبوع الفلسفة الاولمبية كعامل سلام وجسر محبة ومدرسية ارادة او كما يقول الاستاذ مزالي في اخر جملة من كتابه : شباب العالم ومصيره فى نفس الوقت .
انني اترك للقارى متعة مطالعة هذه الفصول فهى بالتأكيد تتجاوب عميق التجارب مع نزعة البناء والفضيلة والتجرد الموازية فى نفوس الشباب للطموح والمزاجية والانتصار والتفوق فلعل قارئ الكتاب يتمكن من الحج الى ينابيع الفكر الاولمبي الصافي هذا الفكر الذي تراكمت عليه مع الاسف ترسبات الانشقاق والعنف ، والحمد لله ان يوجد اليوم رجال يذودون عن هذه الينابيع المقدسة ويوقدون تلك الشعلة عندما تحاول طمسها الرياح * .
