والعلاقة بين " الطفولة " و " الغاب " علاقة وثيقة ، من هذا المنظور ، ذلك لان كليهما أقرب الى براءة الاصل الاول ونقائه قبل ان يتحول " الغاب " الى " مدينة " وقبل ان تتحول " الطفولة " الى " دنيا الناس " . ولذلك يغدو الغاب مطهرا وموحى ، يعود فيه وبه المرتحل - الشاعر المتوحد - الى براءة الطفل ، فيعاني بهجة الالهام والوحى :
للـــــــــــه يـــــــوم مضيــــــــت أول مــــرة للغاب ، ارزح تحت عبء سقامي
ودخلته وحدى ، وحولى موكب هزج من الاحلام والاوهام
ومشيـــــت تحــت ظلالــــه متهيبــا كالطفل ، فى صمت ، وفى استسلام
ارنو الى الارواح ، فى جبروتها فاخالها عمد السماء امامى
قد مسها سحر الحياة ، فاورقت وتمايلت في جنة الاحلام
واصيخ للصمت ، المفكر ، هاتفا من مسمعي بغرائب الانغام
فاذا انا فى نشوة شعرية فياضة بالوحى والالهام
ومشاعرى فى يقظة مسحورة .........................
وسنى كيقظة آدم لما سرى فى جسمه روح الحياة النامى
( ص : 463 - 464 )
والعلاقة الدلالية التى يتواشج فيها ( الطفل ) و ( آدم ) ، فى سياق هذه الابيات - هى نفسها العلاقة التى يتماثل فيها ( الغاب ) و ( الطفولة ) على نحو تصبح معه العودة الى كليهما عودة الى الرحم المطهر الذي يعيد الشاعر " طفلا " ، سماويا ، يعانى بهجة التعرف الاول التى عاناها (آدم) اول خلقه . وكما تعيدنا الدلالة المضمنة - فى هذه العلاقة - الى (المحل الارفع) الذى هبطت منه (الورقاء) ، كما هبط آدم من الجنة ، يتمائل الغاب والطفولة تماثل الارتحال المكانى فى زمان الشعور ، عن " دنيا الناس " الى " دنيا الخيال " حيث " جنة الاحلام " و " نشوة شعرية تفيض " بالوحى والالهام " . ولذلك تكتسب الطفولة مدلولها الذي يصلها بدلالة الخيال ، فى شعر الشابى ، فيصلها بالخاصية التى تدفع الشاعر الى ان يقول :
فاذا انا ما زلت طفلا مولعا بتعقب الاضواء والالوان ( ص : 452 )
ويصلها بالسياق الذى نقرأ فيه :
ان الطفولة حقبة شعرية بشعورها
ودموعها وسرورها وطموحها وغرورها
لم تمش في دنيا الكآبة والتعاسة والعذاب
فترى على اضوائها ما في الحقيقة من كذاب
( ص : 163 )
لتتأكد - فى النهاية - صورة الشاعر الذى " يتخذ من خياله اجنحة نارية ترفرف فى ذلك العالم الشعرى الذى تتراقص من حوله أشعة الطفل وضباب الصباح (الخيال الشعرى/91) . 3 - 1 .
ان الابعاد الدلالية التي يقترن بها فى شعر الشابى تتجاوب مع التصورات المثالية التى ينطوى عليها المفهوم فى كتابه . واذا كانت الثنائية التى يتعارض فيها ( الخيال الشعرى ) و ( الخيال الصناعى ) تتميز فى الكتاب ، لتؤكد اقتران الاول بالنشاط الروحى للابداع ، وتؤكد اقتران الثانى بالمظهر المادى لهذا النشاط ، فان هذه الثنائية تفسرها وتتضح بها صورة " الشاعر " فى شعر الشابى ، خصوصا حين يصبح الشاعر قرين هذا الطائر السماوى ، فى حركته ما بين الاعلى والادنى ، وفي حنينه الدائم الى عالم الروح وغربته 654 78
بين عالم المادة . واذا كانت هذه الثنائية تتضمن - فى الكتاب بعدا صوفيا يصل بين روح الانسان وروح الكون ، خلال الخيال الشعرى ، فان تجليات هذه الثنائية تعود لتؤكد - فى الشعر - سمو الشعور على العقل ، وسمو " دنيا الخيال " على " دنيا الناس " لتصبح الدنيا الاولى - للخيال الشعرى - منبع البراءة والنقاء ، ومجال التحليق والسمو ، وقرينة التوحد والعودة الى الاصل .
وتتجاوب كل هذه الابعاد - فى نهاية الامر - داخل السياق الرومانسى الواسع الذى يصل الشابى بمن سبقه من ممثلى " المدرسة الحديثة " ليعود هذا السياق فيما يميز بين مفاهيم هذه المدرسة ونقائضها التى تتجاوب - بدورها - فى السياق المعارض للمدرسية القديمة . ولكن الامر لا يقتصر - فى هذا التمايز - على المفاهيم التى تحدد التصورات الخلافية حول طبيعة الخيال او فاعليته ، فى الشعر الذي تبدعه كل مدرسية ، بل يتجاوز الامر ذلك الى مفاهيم اساسية أخرى ، ذات طبيعة تأويلية ، توجه العمليات التى تتضمنها قراءة التراث السابق ، بحثا عن نوع الخيال الذى تؤكده - او تتصوره - كل مدرسة على حدة .
والفارق بين كتاب محمد الخضر حسين وكتاب الشابى فارق تأويلى ، من هذا المنظور الاخير ، ذلك لان كلا الكتابين يصوغ مفهومه الخاص عن الخيال ، على أساس من ممارسته النظرية والابداعية فى الحاضر ، ويحاول - فى الوقت نفسه - ان يقرأ هذا المفهوم فى تراثه الشعرى الذي يستند اليه فى الماضى ، وعلى نحو يغدو معه تأويل الماضى وجها آخر من اوجه قراءة الحاضر .
واذا كانت ( المدرسة القديمة ) التى ينتمى اليها محمد الخضر حسين تلوذ بصورة من التراث ، تعول عليها فى فرض ثبات الماضي على تحول الحاضر ، على اساس من قداسة ما تسميه " الاسلوب العربى الصميم " وضروبه المحدودة " فى الخيال " فمن الطبيعى ان يعود ممثلو (المدرسة الحديثة) الى هذا التراث ، ليعدوا اكتشافه من ناحية ، ويدمروا الصورة الحامدة لهذا " الاسلوب العربى الصميم " وضروبه المحدودة " فى الخيال " من ناحية ثانية . والفعل الاول قرين البحث عن الاصول الحية التى تدعم حركة الجديد وتخلقه ، ليتصل التمرد على الحاضر بتجليات التجدد في الماضي . والفعل الثانى قرين عملية النفس التى ينفى بها الجديد ( المحدث ) نقيضه (القديم) 79 655
فيدمر اصوله الجامدة فى الماضى ، ليدمر فروعه الممتدة فى الحاضر . وكلا الفعلين يتضمن موقفا تأويليا ، بالمعنى الذى يجعل قراءة الماضى تتحرك على أساس من قراءة الحاضر ، أو المعنى الذي يجعل العناصر الحية أو الجامدة - فى التراث - تتحدد على أساس من تجاوبها الضمنى - أو الظاهر - مع العناصر الحية أو الجامدة فى الحاضر فتصبح قراءة التراث فى آخر الامر تأويلا له على أساس من موقف محدد فى الحاضر ومنه على السواء .
وينتمى كتاب الشابى - " الخيال الشعرى " - الى جانب النفى فى قراءة الماضى ، ذلك لان الكتاب ليس سعيا وراء اكتشاف الابعاد الايجابية او الاصول الحية المتجددة فى الشعر العربى القديم ، بل الكتاب فى جانبه النظرى - مواجهة ضمنية للعناصر المفهومة الجامدة التى يمثلها كتاب محمد الخضر حسين في الحاضر ، والكتاب - فى جانبه التطبيقى - مواجهة ظاهرة للعناصر الجامدة فى شعر الماضى ، خصوصا تلك العناصر التى راى فيها الشابي أساس هذا " الاسلوب العربى الصميم " الذي يفرض به امثال محمد الخضر حسين سطوة الماضي على الحاضر . وكما تتخذ هذه المواجهة خاصيتها التأويلية التى تؤكد سلب الماضى ، فى علاقته بالحاضر ، تؤكد المواجهة - بالقدر نفسه - حركة الحاضر فى علاقته بالمستقبل .
ويتحرك كتاب الشابى - من هذا المنظور - ليقدم قراءة للتراث الشعرى . قراءة تتحرك على أساس من إطار مرجعى محدد سلفا ، تبدا منه لتعود اليه ، نافية القيمة عن كل ما يتنافر مع عناصره ، او يعرقل بذرة المستقبل الواعد الكافية فى داخله . ومنطلق هذه القراءة هو البحث عن " الخيال الشعرى عن العرب " . ومجالها حقول ابداعية ثلاثة تنطوى على " الاساطير " و " الطبيعة " و " المرأة " ونوع أدبى مستحدث هو " القصة " . ولا شك ان اختيار هذه الحقول له دلالته التى تتصل بالاطار المرجعى للقراءة ، وتؤكد عناصره المتميزة فى السياق الرومانسى العام ، كما ان اختيار القصة دون المسرح " له دلالته المماثلة واذا كان الهدف القريب من القراءة هو الوصول الى " فكرة عامة عن الأدب العربى " فان الهدف البعيد هو محاولة تحديد " الروح العربية " التى ينطوى عليها هذا ( الادب ) ومن ثم قيمة هذا " الاسلوب العربى الصميم " الذى يصدر عنها . ولكن هذا الهدف الاخير لا يتحقق الا من خلال عملية مقارنة ، 656 80
يوضع معها الادب العربي ازاء نقيض له ، على نحو يكشف فيه كل نقيض عن حسن او قبح نقيضه ، والنقيض - فى هذا السياق - يمثله بعض النتاج المترجم للرومانسية الاوربية ( من مثل ترجمة السباعى ابطال كارلايل ) او ترجمة الزيات ( آلام فرتر ، جوته و ( رفائيل ) لامرتين ... الخ ) .
وإذا كانت بداية القراءة تنطلق من الخيال ( نهر الانسانية الجميل الذى اوله الروح وآخره الله ) ومن المتخيل ( الطائر السماوى الذي يؤثر دنيا الخيال على دنيا الناس ) فالنهاية معروفة سلفا ، بل هى متضمنة في حركه البداية نفسها . والأمر صحيح بالقدر نفسه فى عملية المقارنة التى يتحول فيها النقبض الغربى الى طرف اعلى ، يمثل بؤرة الاشارة المرجعية للفهم او الحكم ، فى ثنائية جديدة ، تتعارض فيها " رومانسية " المدرسة الحديثة مع " الاسلوب العربى الصميم " للمدرسة القديمة ، أو تتدابر فيها " الروح العربى " و " الروح الغربية " .
وعندئذ تغدو اساطير العرب من قبيل الاساطير الجامدة ، فهى " جافية لم تفقه الحق ولا تذوقت لذة الخيال " ، وهى " اوهام معربدة شاردة لا تعرف الفكر ولا اشتملت على شئ من فلسفة الحياة " ( ص : 38 ) . و " من المحال ان يجد الباحث فيها ما الف ان يجده فى اساطير اليونان والرومان من ذلك الخيال الخصب الجميل ومن تلك العذوبة الشعرية التى تتفجر منها الفلسفة الغضة الناعمة تفجر المنبع العذب " ( ص : 33 ) .
اما الطبيعة فان شعراء العرب لم ينظروا اليها " نظرة الحي الخاشع الى الحي الجليل " ، وانما كانوا ينظرون اليها نظرتهم الى رداء منمق وجماد جميل ، و " مثل هذه النظرة لا ينتظر منها ان تشرق بالخيال الشعرى الجميل " ( ص : 76 ) . وتظهر المقارنة بين الشعر العربى المترجم من الشعر الغربى - من هذا المنظور - الفارق " بين الرنة العربية الساذجة البسيطة وبين الرنة الغربية العميقة الداوية " ( ص : 65 ) . ويرجع هذا الفارق الى ان الشاعر العربى كان اذا عن له مشهد جميل عمد الى رسمه " كما ابصره بعين راسه لا بعين خياله ... كانما هو آلة حاكية " اما الشاعر الغربى فانه يفتح مغاليق نفسه ازاء موضوعه ، ويتأمل مغزاه فى الوقت نفسه . و " هذا هو علة ما نحسه من ان الصوت الغربى اقوى رويا وابعد رنينا من الصوت العربى 81 657
الخافت الضعيف ، لان الصوت الغربي هو لحنان مزدوجان في آن واحد ، لحن يتصل باقصى قرار فى النفس ، ولحن يتصل بجوهر الشئ وصميمه ، اما الصوت العربى فليس مصدره النفس ولا جوهر الشئ ولكن مصدره الشكل واللون والوضع ، وشتان بين القشرة واللباب " ( ص : 113 ) .
واذا انتقلنا من الطبيعة الى المرأة ، والصلة بينهما وثيقة ، فالنتيجة واحدة " لا سمو فيها ولا خيال " ( ص : 76 ) . ذلك لان نظرة الادب العربى الى المراة " نظرة دنيئة سافلة منحطة الى اقصى قرار المادة ، لا تفهم من المرأة الا انها جسد يشتهى ومتعة من متع العيش الدنئ ... اما تلك النظرة السامية التى يردوج فيها الحب بالاجلال والشغف بالعبادة ، اما تلك النظرة الروحية العميقة التى نجدها عند الشعراء الاريين فانها منعدمة بتاتا او كالمنعدمة فى الادب العربى كله " ( ص : 72 ) .
ولا يبقى بعد ذلك سوى " القصة " . ولم يعرف العرب منها الا ما كان الغرض منه " اللذة والامتاع " ، او " النكتة الادبية والنادرة اللغوية " ، او " الحكمة وضرب المثل . وكلها أنواع قد تشبع النهم فى تصنع اللغة (المقامات) او تصنع الحكمة (كليلة ودمنة) او تسطح الحواس (قصص ابن ابى ربيعة الشعرى) ولكنها ابعد ما تكون عن " الخيال الشعرى " ، لان العرب لم تشم نفسها - فى القص - السبيل الغامضة المتعرجة التى تغوص الى اعماق الروح بل آثرت " تلك الطريق المنبسطة ... العارية التى سارت عليها أساطير العرب وادابهم " (ص : 102) .
ومعنى ذلك كله ان الادب العربى فى مجمله - ادب " لا سمو فيه ولا الهام ولا تشوق الى المستقبل ولا نظر الى صميم الاشياء ولباب الحقائق " (ص : 103) يضاف الى ذلك ان كل ما انتجه هذا الادب - فى مختلف عصوره - " ليس له من الخيال الشعرى حظ ولا نصيب وان " الروح السائدة فى ذلك هى النظرة القصيرة الساذجة التى لا تنفذ الى جواهر الاشياء وصيم الحقائق " (ص : 121) .
قد تدمر هذه النتيجة الهالة التى احاطت بهذا " الاسلوب العربي الصميم " الذى تلح عليه " المدرسة القديمة ولكن النتيجة نفسها تنفي القيمة عن الادب العربى القديم كله ، لتجعل منه نتاج " روح عربية " لم يكن لها الا أسوأ الاثر فى " اضعاف ملكة الخيال الشعرى " ( ص : 112 ) . وأخص خصائص 658 82
هذه الروح انها تنطوى على نزعة " خطابية مشتعلة " ونزعه " مادية محضة " والخيال الشعرى نقبض النزعة الخطابية بطبعه - فيما يراه الشابى - ذلك لان هذا الخيال حركة للنفس المتاملة والشعور العميق ، والخطاية حركة للسان المندفع والانفعال العابر . و " النزعة المادية " اعدى اعداء الحيال ، وكل ما يتضمنه الثانى من سمو نورانى وشفافية روحية . واذا كانت فالنزعة المادية لا تعد الشاعر شاعرا الا اذا حاكى الحواس وخاطب الغريزة والنزعة الخيالية - فى المقابل - " لا تعتبر الشاعر شاعرا الا اذا كان شعره عالما سحريا ، لا تنتهى اطيافه وخيالاته ولا اضواؤه وظلماته ، وتشعر فيه بنفس القارئ انها قد ارتفعت الى ما وراء الغيوم وما خلف النجوم " (39) واذا كانت النزعة الخطابية قد أثمرت ( كثرة المترادفات ) - فى الشعر العربى " والميل الى الايجاز " و " وحدة البيت " فان النزعة المادية قد أثمرت النظر الى الشعر بوصفه " وسيلة للهو وتزجية للفراغ " ، كما أثمرت كل هذا التلاعب الشكلى بالكلمات والاساليب .
وتاتي عملية المقارنة - اخيرا - لتوضح المزيد من الخصائص السالبة التى يلصقها الشبابى بالروح العربية بالقياس الى نقيضها الاعلى ، فنسمع :
- " الروح العربية لا تستطيع ان تنظر الى الأشياء كما تنظر اليها الروح الغربية فى عمق وتؤدة وسكون لانها مادية تقنعها النظرة العجلى التى يقنع بالسطح دون الجوهر واللباب " (ص : 111) .
- " الروح العربية متكتمة لا تسمح للنور ان يلامس احلامها ، ولا الظلمة ان تعانق آلامها . واما الروح الغربية فهى منبسطة تلقى بافراحها واتراحها تحت اقدام الليل وفوق اجنحة الرياح " ( ص : 119 ) .
ومن الواضح ان ناتج مثل هذه المقارنة يتضمن هاجسا ملحا ، مؤرق ، مؤداه انه اذا كانت الروح العربية على هذا النحو فمن الأفضل ان نستبدل بملامحها السالبة ملامح موجبة ، وان نستبدل باسلوبها " العربى الصميم " أسلوبا آخر بنطوى على روح جديدة ، تحمل " طلاقة الحياة والحنين الى المجهول " . وبالمثل ، إذا كان الادب العربى " كلمة ساذجة لا تعبر عن معنى عميق بعيد القرار ، ولا تفصح عن فكر يتصل باقصى ناحية من نواحى النفس " (ص : 103) فمن الافضل لنا ان نطرح هذا الادب ، وان نتخلى عن
اتباعه ، وان نطلب ادبا جديدا " يجيش بما فى اعماقنا من حياة وامل وشعور " ، ويعبر عن " خفقات قلوبنا وخطرات ارواحنا وهجسات امانينا واحلامنا " (ص : 105) . باختصار ، " ينبغى لنا ان اردنا ان ننشئ ادبا حقيقا بالخلود والحياة ان لا نتبع الادب العربى في روحه ونظرته الى الحياة " (ص : 112) .
من اليسير ان نصف القراءة التى قام بها الشابى للتراث الشعرى بانها قراءة غير بريئة ، لا تفارق اطارها المرجعي الذي تبدأ منه لتعود اليه ، ملحة على نفى القيمة عن كل ما لا يتجانس معه . صحيح ان كل قراءة هىي قراءة غير بريئة فى آخر المطاف . وصحيح ان القراءة المحايدة للماضى قراءة مستحيلة لاننا لا نفهم الماضى الا على اساس من انظمة اولية شاملة لفهم وجودنا نفسه ، فى الحاضر الذى نحياه . (40) . ولكن ذلك كله لا يعنى الغاء الوجود الموضوعى المستقبل للماضى المقروه ، بل تأكيد فاعلية الذات القارئة فى ادراكها موضوعها المستقل عنها فحسب .
ومن المؤكد ان الوجود الموضوعى للماضى المقروء قد شحب الى اقصى درجة فى قراءة الشابى ، وان العلاقة بين الذات القارئة وموضوعها قد اختلت اختلالا بينا ، بل تحولت العلاقة بينهما الى علاقة تعارض ، تذكر بعلاقة الأعلى والأدنى ، تلك العلاقة التى تنافر فيها " النبي المجهول " مع شعبه الجامد ، ليعود فيتدابر - هذه المرة - مع تراثه " المادى " الخطابى " .
ولذلك تحول وجود الماضى المقروء إلى اسقاط سالب لصورة الذات القارئة اعنى ان هذه الذات قد نفت القيمة عن موضوعها عندما لم تدرك صورتها فيه . فنفيها القيمة عن الموضوع - بهذا المعنى - نفى لوجوده الذى لا يحمل - او يعكس - صورتها فى حقيقة الامر .
والاساس المعرفي الذي تقوم عليه هذه القراءة ذو صلة بالاساس المعرفى الذى يصل الرومانسية بالتصوف ، والذى تتضمنه هذه الاسطر من جبران : (41) :
كل ما فى الوجود كائن فيك وبك ولك ... كل ما فى الوجود كائن فى باطنك وكل ما فى باطنك موجود فى الوجود .
وقراءة الشابى تستنطق التراث الشعرى على أساس من عملية ادراكية لا تختلف - فى جذرها - عن العملية التى تجتلى بها الانا - المتضمنة فى أسطر جبران - ذاتها فى موضوعها . ولكن الذات - فى قراءة الشابى - تنفى القيمة عن موضوعها لانه لم يعكس صورتها ، وتنفي وجوده المستقل لانه لم لم يستجب الاستجابة المرآوية المباشرة التى توحد بينها وبينه .
وعلينا ان نلاحظ - فى الوقت نفسه ان هذه الانا التى تنطوى عليها قراءة الشابى لم تكن تنفتش عن صورتها فى التراث الشعرى ، من حيث هو معطى مستقل قابل للاكتشاف فى ذاته ، ويمكن ان يتضمن - بذاته - السالب فى مقابل الموجب ، فى اى نوع من انواع القراءة ، بل كانت هذه الانا تفتش عن صورتها فى تراث جاهز ، سبق تصنيعه من قبل ، فى كتابات محمد الخضر حسين وأمثاله من ممثلى المدرسة القديمة . ولذلك فان نفى القيمة الذى نقابلة فى كتاب الشابى ليس نفيا للتراث المستقل الذى نعرف بعضه ، او نحتج ببعضه على الشابى ، بل هو نفي لتراث سابق التجهيز ، فى كتابات الاحيائيين ومختاراتهم الشعرية على السواء .
ويبدو ان الشابى لم يلتفت - فى حماس معارضته كتاب محمد الخضر حسين - الى الفارق الحاسم بين ما هو سابق التجهيز ، ابتداء ، وما هو معطى مستقل، يتضمن احتمالات تأويلية متعددة . ولذلك قرأ الشابى تراث محمد الخضر حسين والمدرسة القديمة اكثر مما قرأ تراثه هو او تراث المدرسة الحديثة ، نظرا الى التراث الاول على أساس النفور من الخيال الصناعى وايثار الخيال الشعرى ، فكانت النتيجة قرينة النفى المطلق لذلك التراث الذي يستند اليه محمد الخضر حسين ، وليس هذا التراث الذى كان يمكن للشابى ان يعثر فيه على مجلس ذاته القارئة . ولم يكن من قبيل المصادفة - والامر كذلك - ان تنسرب في اوصاف الشابى التى تنفى القيمة عن ذلك التراث الاول كثير من الاوصاف التى استخدمها العقاد - على وجه التخصيص - فى نفى القيمة عن شعر شوقى والمدرسة القديمة
ولنتذكر - على سبيل المثال - " الولوع بالاعراض دون الجوهر " و " اللباب " و " القشور " و " التفضل " وغيرها من المصطلحات الوصفية المتكررة فى " الديوان " .
وعلى اى حال ، فان الجوانب السالبة - فى قراءة الشابى - لا ترجع الى الماح معارضة كتاب محمد الخضر حسين ونفى قيمة تراثه فحسب ، اذ هناك جوانب أخرى تقودنا الى السياق الواسع الذي يمكننا من تأمل الدوافع التى تتحرك بها قراءة الشابى ، من منظور تجاوبها مع دوافع مشابهة لقراءات مغايرة .
ولنتذكر - ونحن نعرض لهذا السياق الواسع - ان الذين ثاروا على الشابى بعد ان القى محاضرته عن " الخيال الشعرى " ونشرها كتابا ، كانوا يصلون بينه وبين اعلام المدرسة الحديثة ، ويرددون الاتهام نفسه الذى كان يوجه الى العقاد وطه حسين وجبران . وايا كان الاتهام الذى لمحه الشابى ، وآذاه فيما توضح مذكراته ورسائله ، فان الخلاف بين الشابى وموجة الاتهام ليس خلافا حول الماضى ذاته فى حقيقة الامر ، بل خلاف حول قراءة الحاضر نفسه ، وما يترتب على ذلك من خلاف حول الكيفية التى يمكن بها قراءة هذا الماضى .
اما الشابى - وكان فى العشرين من عمره - فقد كان يعي انه يعيش فى طور من " أطوار الانقلابات الكبرى " التى يريد فيها التاريخ " ان يدور دورته المحتومة الخالدة " ، وان الاستجابة الى المد الصاعد فى هذه الدورة الانقلابية للتاريخ تعنى التطور والتحرر والاستحالة " ، وترتبط بالدوافع التى يتوتر معها الوعى منشطا الى شطرين : " شطر حلول متبرم بالحاضر وما فيه ، وشطر مشوق طامح الى المجهول وما فيه " (42) .
وعندما يصبح التطلع الى المستقبل - فى هذا الطور - مشبوبا بلهفة الوعى على مفارقة كل ما يعوقه من الماضى ، والابحار صوب ما يلوح له بوارق المستقبل ، تتصاعد حدة احساس الوعى بالعناصر الجامدة فى الحاضر من ناحية ، وتسقط هذه الحدة نفسها على الماضي - خلال عملية قراءته - من ناحية ثانية - ولا يرى الوعى من الماضى - والأمر كذلك - سوى
مجلى لما يدعم العناصر الجامدة فى الحاضر ، فينفي الوعى قيمة هذا الماضى ، مسقطا بعض الحاضر على كل الماضى ، على أساس قناعة مؤداها :
" لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب . ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذى في قلب الحياة . أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت وانضاء القبور الساخرة " ( الخيال الشعرى : 106 ) .
ولا تختلف دوافع عملية قراءة الماضى التى انتهى بها الشابى الى هذه النتيجة عن دوافع عمليات القراءة التى قام بها العقاد وطه حسين وجبران للماضى نفسه الا فى الدرجة فحسب . ان الفارق بين هذين النوعين من الدوافع فارق بين توتر الوعى الذى يسقط نفسه على الماضي ، مرة بالسلب وأخرى بالايجاب ، لكن باعث الاسقاط واحد فى الحالين . ولذلك نفى الشابى القيمة عن الماضى كله ليدفع المد الصاعد فى " الدورة الانقلابية " التى يعيها ، واثبت العقاد وطه حسين وجبران القيمة فى بعض عناصر هذا الماضى ، ليدفعا المد الصاعد للدورة نفسها .
لقد اعاد طه حسين - على سبيل المثال - اكتشاف ابى العلاء ، واعاد العقاد اكتشاف المتنبى . ولم تقتصر القراءة - عندهما - على اعادة الاكتشاف بل تضمنت عملية اسقاط لافتة فكان المتنب تجسيدا للفرد المتميز فى تأبيه على الآخرين وتمرده على مجتمعه ، فى عصر أصبح " الفرد الفذ " فيه مركز الكون فى الاقتصاد والسياسة والفكر والادب ، بل في عصر اصبحت " عبادة بطولة " هذا الفرد موضوعا بارزا فى الكتابة ( ولنتذكر ترجمة محمد السباعى الباكرة لكتاب كارلايل (Carlyle) "الابطال" وصداه اللافت ) وكان ابو العلاء نموذجا آخر لهذا الفرد الفذ فى اندفاعته المذهلة - بأقصى درجة من القلق والتمرد - في عوالم الافكار والمذاهب والعقائد . ولا يختلف جبران عن صاحبيه الا على اساس من قلقه الروحى الخاص ، هذا القلق الذى وجد ملاذا ، وأسقط صورته على ابن الفارض ، وهو فرد فذ اخر " كانت روحه الظمأنة تشرب من خمرة الروح فتسكر ثم تهيم سابحة ، مرففة فى عالم المحسوسات حيث تطوف احلام الشعراء وميول العشاق وامانى المتصوفين ثم يفاجئها الصحو فتعود الى عالم المرئيات لتدون ما رأته وسمعته بلغة جميلة مؤثرة " (43) .
واذا كانت القراءة التى قدمها الشابى قد اقترنت بالنفى ، فى مقابل القراءة التى انطوت على الايجاب عند العقاد وطه حسين وجبران ، فان كلا النوعين من القراءة وجهان للوعى نفسه ، فى دوافعه المتحدة العلة المختلفة المعلول . كل ما فى الامر ان هذا الوعى يؤكد القيمة فى الماضى ليعود فيسلبها عنه ، او العكس ، فى نوع من الانقسام الحاد بين اقصى مدى البحث عن نظير قديم واقصى مدى البحث عن جدة التفرد . ولكن يزيد من حدة الوعى - فى هذا الانقسام - نموذج " الآخر الذي ينطوى على وعد المستقبل ، كما يطرحه الغرب (المتقدم) على الشرق (المتخلف) . ولنتذكر ان " الفرد " الفذ الذى تحولت بطولته الى عبادته ، وفرديته الى ايمان بلا نهاية ، ليس سوى مجلى لنموذج هذا الآخر الذى يخايل الوعى المنقسم على نفسه بحلم المستقبل ، ويبشره بقرب وصول " الدورة الانقلابية " - فى تاريخه - الى كمالها . ويقدر اسهام هذا الآخر فى حدة التمرد على عناصر الحاضر الجامدة ، بفاعلية التضاد بين المتقدم والمتخلف ، يسهم هذا الآخر في توجيه قراءة الحاضر والماضى على السواء ، فيتحول إلى ما يشبه النموذج الاعلى الذي تتقمصه الذات القارئة لهذا الوعى المنقسم ، فى نفيها القيمة عن الماضي كله - كما فعل الشابى - او اثبات القيمة لبعض عناصره - كما فعل العقاد وطه حيسن وجبران .
ولم يكن من قبيل المصادفة ان يبحث العقاد وطه حسين وجبران عن تجليات مشابهه لنموذج هذا الآخر فى تراثهم ، وان يرد العقاد عبقرية ابن الرومى الى اصله الرومى ، والى ما يتميز به الجنس الارى - عن الجنس السامى - من عمق وانطلاق فى الخيال ( هذا التميز الذي اكده العقاد قيل ذلك فى تقديمه الديوان الثاني لرفيقه عبد الرحمن شكرى - 1913 ) . ويتحدث طه حسين - بعد العقاد - عن الشعر العربى " الذى قام به شعراء المهجر ، خصوصا جبران ، ليرى - فى هذا التغريب - " تشريفا للشعر العربى ورياضة للذوق الشرقة العربية على ان يسبغا ما لم يتعودا ان يسيغا من قبل " (45) . والعقاد و الذى قال - فى تقديم الديوان الاول للمازنى ، عام 1913 ، فى القاهرة : (46)
" لقد تبوأ منابر الادب فتية لا عهد لهم بالجيل الماضى ، ونقلتهم التربية والمطالعة اجيالا بعد جيلهم ، فهم يشعرون شعور الشرقي ، ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربى " .
وطه حسين هو الذى قال - فى تقديم اطروحته عن " فلسفة ابن خلدون الاجتماعية " ، عام 1917 ، فى باريس : ( 47 ) .
" انى اعتقد بمنتهى اليقين ان تأثير أوربا ، وفى مقدمتها فرنسا ، سيعيد الى الذهن المصرى كل قوته وخصبه " .
وكلاهما قد تعارك - مع الآخر - عراكا نقديا لافتا ، جر اليه الخصوم والانصار ، بعد ذلك ، تحت عنوان " اللاتين " و " السكون " ، او تحت قناعين لهذا " الآخر " على السواء .
وقراءة الشابى لترائه جانب من جوانب هذا السياق العام . ينسرب نموذج (الآخر) فيها ليصبح النموذج الاعلى الذى تتحد بالقياس اليه قيمة الماضى الشعرى ، فتتحد الذات القارئة بهذا النموذج ، او تتقمصه ، وتنطلق باحثة فى التراث عن ما هو صدى له ، او ما هو صورة مسقطة لها بعد انحادها به ، فتنتهى القراءة الى النفس المطلق للقيمة ، وتختتم بنبرة تذكر بالنبرة التى افتتح بها طه حسين كتابه " فى الشعر الجاهلى " ، منذ سنوات ثلاث فحسب ، ولكن على نحو اكثر حدة .
" ذلك رأي في الأدب العربى وفى موقفنا تجاهه ، اقوله لانه الحق وان كنت أعلم انه سيغضب طائفة كبيرة ممن يؤثرون الحياة فى اكناف الدهور الغابرة ، حيث السكينة التى لا تصم الاذان والسبات الذي لا يستفز الحياة ، ولكننى فى غنية عن سخط هاته الطائفة من الناس وعن رضاها ، لانها تقدس كل ماض وتعبد كل قديم لا لان فيه حقا ونورا ولكن لان رداء القدم يكسيه مهابة الماضى وجلال التاريخ ، انا فى غنية عن مثل هاته الطائفة من الناس " . (ص : 121) .
من المؤكد ان الشابى كان سيرضى هذه الطائفة التى يتحدث عنها ، لو بدا بداية شبيهة بالبداية التى انطلق منها احمد شوقي - النقيض الاحيائى
فى الابداع عندما قال ( فى العام الذي صدر فيه " الديوان " للعقاد والمازنى ) : (48) .
والله مــا مــوســى وليلاتــه وما لمرتين ولا جيرذيل
احق بالشعر ولا بالهوى من قيس لمجنون او جميل
قد صورا الحب واحداثه فى القلب من مستصغر او جليل
تصوير من تبقى من شعره فى كل دهر وعلى كل جيل
فيفضل قصائد جميل بثينة على " ليالى " الفرد دى موسيه وقصائد مجنون ليلى على قصتى لامرتين " جيرازييلا " و " رفائيل " او يقول كلاما شبيها بما قاله محمد الخضر حسين قبله بسبع سنوات عندما قارن - فى كتابه - بين تشبه لفيكتور هوجو وتشبيه لمعروف الرصافى . ولكن الشابى صدم هذه الطائفة ، عندما عارض كتاب محمد الخضر حسين ونقض نظرته الى الخيال ، وعندما تصاعد بلامرتين - ومن شابه بالطبع - الى أعلى عليين ، وهبط بشعر امثال المجنون وجميل الى اسفل سافلين ، ونفى ان يكون العرب قد صوروا الحب واحداثه فى القلب ، من مستصغر او جليل ، فهم جفاة غلاظ الاكباد ، ماديون ، لا ينظرون الى المرأة الا بوصفها لعبة للهو الجسد . وهل نجد بين هؤلاء العرب - فيما يقول الشابى - شاعرا " يعبد فى محبوبته ذلك الجمال الروحى المجسد . . كما يقول لامرتين ؟ " (ص : 90)
والاجابة عن سؤال الشابى معروفة ، تردنا الى " الوسط الطبيعى " الذى حرم العرب من " النظرة الروحية العميقة التى نجدها عند الاريين " - من ناحية - والى النزعة المادية التى اجدبت الخيال - نهر الانسانية الجميل الذي اوله الروح وآخره الله - من ناحية ثانية . والشابى - فى كلتا الناحيتين - تلميذ مخلص للعقاد ( ابيه الفكرى ) وجبران ( ابيه الروحى ) فالاول علمه ان الجنس الارى صانع اساطير وشعب خيالى ، بحكم وسطه الطبيعي الذي يوحد بين الجميل والجليل ، والثانى علمه ان " انسان كائن منتصب بين اللانهاية فى باطنه واللانهاية فى محيطه " و " ان للتخيلات رسوما كائنة فى سماء الالهة تنعكس على مرآة النفس " (49)

