- 2 - (*)
ولقد عبر اعلام الرومانسية العربية عن مكابدتهم قصور اللغة بعبارات قريبة الدلالة من عبارات لامرتين فيؤكد العقاد ( 25 ) - فى (( الفصول )) (1922) - (( ان الناس فى حاجة الى تفاهم ارقى من هذا التفاهم اللغوى )) وكان المازنى يؤكد ان كل اداة للتعبير اداة ناقصة ، لانه من العسير على المرء (( ان يعبر بالالفاظ أو غيرها من الاصوات ... عن كل ما فى ... النفس من الحركات وظلالها التى لا ياخذها حصر )) . ( 26 ). وكتب عبد الرحمان شكرى قصيدته الشهيرة (( معان لا يدركها التعبير )) ( 27 ) ، وهى قصيدة تتجاوب دلالتها مع شكوى ميخائيل نعيمة ( 28 ) من (( نفس اللغة البشرية كاداة للافصاح عما يجول فى النفس )) ومع ما قاله طه حسين (29) - فى أوائل العشرينات :
(( وقد اطيل القول فلا اقول شيئا ، وقد اتكلف بخير الالفاظ فلا اجد ما أؤدى به شيئا مما أجد فى نفسى .. من ذا الذى يستطيع ان يصور بالالفاظ ما يحس في نفسه .. !؟ واعترف وأظن غيرى من الكتاب يعترفون بالعجز لان استعدادنا للشعور اعظم من قدرتنا على الوصف ولان الالفاظ التى أتيحت لنا حين نحاول الوصف اقل عدد عددا واضيق نطاقا من هذه العواطف
والاهواء التى لا تحصى)) . ويؤكد الشابى دلالة سياق هذه النصوص السابقة ، ولكنه يكيفها مع فهمه للمعضلة التعبيرية التى يواجهها الشاعر بالخيال ، فيقول : (( إن اللغة مهما بلغت من القوة والحياة علا ولن تستطيع ان تنهض - من دون الخيال - بهذا العبء الكبير الذى يرهقها به الانسان هذا العبء الذى يشمل خلجات النفوس الانسانية وافكارها واحلام القلوب البشرية وآلامها وكل ما فى الحياة من فكر وعاطفة وشعور ، بل انها لا تقتدر على الاضطلاع بهذا الحمل الثقيل حتى بالخيال وانما الخيال يمدها بقوة ما كانت تجدها لولاه ، وكيف يتصور من هذه اللغة الخامدة التى منشؤها هاته المادة الباردة ان تحمل بين جنبيها ذلك اللهيب المقدس المتدفق من ابعد قرار فى النفس الانسانية الخالدة بكل ما فيه من توهج وتالق وضياء ؟ )) ( ص : 25 ) .
ومن اليسير ان نصل عبارات الشابى بالنصوص السابقة ، او ان نلمح - لوجه خاص - تجاوب اصداء ترجمة الزيات لرفائيل لامرتين فى عبارات الشابى عن اللغة الخامدة )) و (( المادة الباردة )) و (( اللهيب المقدس )) ولكن الاهم من ذلك كله ان نلمح كيف تحولت دلالة هذه النصوص الى عون على تحديد دلالة ( الخيال المجازى ) فى كتاب الشابى . ان هذا العون - على أية حال - لا يحضر الى نهايته الطبيعية التى يمكن ان يؤكد معها الشابى ان (الخيال المجازى) مجرد وجه آخر لفاعلية أساسية ، متحدة وآنية اذ يظال هذا ( الخيال ) قرين (( الصناعة )) و (( التخييل )) ، فيظل قرين (( اللغة الخامدة التى منشؤها هاته المادة الباردة )) ، ليظل مظهرا أدنى قيمة من الحقيقة الروحية التى تتصل بهذا (( اللهيب المقدس المتدفق من ابعد قرار فى النفس )) حيث الخيال الشعرى .
ويصل الشابى - من هذا المنظور - بين الشكاية الرومانسية العامة من عجز اللغة وسوء الظن الخاص الذي يكنه للخيال ( التخييلى ) الذى يتحدث عنه محمد الخضر حسين ، فتتجاوب الشكاية الرومانسية مع سوء الظن ، على نحو يسقط معه كلا الجانبين نفسه على الآخر ، ليسقط كلاهما ظله على الخيال باطلاقه ، فيقول الشابى فى النهاية :
(( ان اللغة البشرية لاصغر واعجز من ان تحمل مثل هذه الامانة السماوية مهما بلغت من الرقى والتقدم لانها ضيقة محدودة فانية والنفس الانسانية فسيحة لا نهائية باقية . وستظل اللغة فى حاجة الى الخيال لانه هو الجنز الابدى الذى يمدها بالحياة والقوة والشباب ، ولكنه مهما أمدها بالقوة
والشباب فستبقى عاجزة عن استيفاء ما فى النفس الانسانية من عمق وسعة وضياء )) (ص : 26) 2-2 .
لنقل - مع الشابى - ان (الخيال الشعرى) نشاط للنفس الشاعرة ، يتحرك مجاله الابداعى ما بين مطلق محدود هو لا نهاية الانسان (او الروح) ومطلق كل هو لا نهاية الحياة (او الله) فمعنى هذه العبارات - فى آخر الامر - أن الخيال الشعرى نشاط معرفى يتحرك ما بين قطبى الحقيقة الداخلية للانسان والحقيقة المطلقة للكون - ولكن حركة الخيال بين هذين القطبين لا تجعل العلاقة بينهما اشبه بعلاقة انقطاع بين طرفين متنافرين بل أشبه بعلاقة اتصال بين الحقيقة المطلقة ومجلاهما فى النفس الشاعرة فهى علاقة تنطوى معها حركة الخيال على ما يشبه الانعكاس ، بالمعنى الذى يجعل الحقيقة الخارجية تتجلى فى النفس الشاعرة لتصبح حقيقة داخلية او المعنى الذى يسقط الحقيقة الداخلية على الخارج لتظل الحقيقة الخارجية داخلية بالقدر نفسه . واذا استبدلنا (( القلب )) بالنفس الشاعرة - فى هذا السياق - فاننا نظل نتحدث عن العلاقة نفسها ، بكل ما تتضمنه هذه العلاقة من تسليم بان الموجودات حقائق داخلية فى المقام الاول ، او تسليم بان (( القلب )) اشبه بالمرآة التى يتحدث عنها الصوفية ، والتى يشير اليها ببت ابن عربى (30) :
قلب المحقق مرآة فمن نظرا يرى الذى أوجد الارواح والصورا
وتحوم دلالة (( القلب )) - فى شعر الشابى - حول هذا البعد الصوفى للمرآة ولذلك يظل (( القلب - فى هذا الشعر - قرين الشعور اليقظ الذى يسمو على العقل ، وقرين الشاعر الذى يعيش بهذا الشعور :
فى نشوة صوفية ، قدسية هى خير ما فى العالم المنظور
( ص : 323 )
واذا كانت هذه النشوة التى تنبع من القلب تومئ الى المعنى الصوفى للمعرفة ، فى قصيدة (( فكرة الفنان )) فان الايماءة السريعة تتحول الى اشارة موسعة ، فى قصيدة (( قلب الشاعر )) ، حيث نقرأ :
كل ما هب وما دب وما نام او حام على هذا الوجود
وبنابيع واغصان تميد من طيور وزهور وشذا
وبحار وكهوف وذرى وبراكين ووديان وبيد
وضياء وظلال ودجى وفصول وغيوم ورعود
وثلوج وضباب عابر وأعاصير وأمطار تجود
وتعاليم ودين ورؤى واحاسيس وصمت ونشيد
كلها تحيا بقلبى حرة غضة السحر كاطفال الخلود
( ص : 452-454 )
وتحوم القصيدة كلها حول البعد الصوفى للقلب الذى يغدو مرآة ، تحيا فيها عناصر الوجود الذى تنعكس فيه ، على نحو يذكر بشعر ابن عربى بوجه خاص ( 31 ).
واذا كانت دلالة (( القلب )) - من هذا المنظور - تؤكد الطرف الاول من ثنائية الروح / الله ، وتدنو من التصوف كل الدنو ، فان هذه الدلالة تصل الطرف الاول للثنائية بالطرف الثانى ، فتحوم حول التصوف مرة اخرى ، لتؤكد فاعلية الخيال ، بل تجعل منها مجلسا للخلق الالهى ، وعندما نصل هذا البيت الذى تنتهى به قصيدة (( قلب الشاعر )) .
ههنا فى كل آن تمحى صور الدنيا وتبدو من جديد
( ص : 456 )
بذلك البيت الدال من قصيدة (( صلوات فى هيكل الحب )) .
فى فؤادى الغريب تخلق الوان من البحر ذات حسن فريد
( ص : 312 )
يبدو هذا المجلى الصوفى للقلب ، من منظور يؤكد فعل الخلق الذى يقوم به الخيال . وتتجاوب (( صور الدنيا )) التى يعيد القلب خلقها كل آن - فى البيت الاول - مع (( الوان السحر )) التى (( تتخلق )) فى اشكال ذات (( حسن فريد )) - فى البيت الثانى - ليؤكد التجاوب معنى (( النشوة الصوفية )) التى يعيد الشاعر بها وفيها خلق كل ما فى العالم المنظور ويسمو عليه ، فينطوى خلقه على عنصر (( من معنى الالوهية التى تخلق ( من ) المادة الصماء حياة ساحرة وفلكا دائرا )) ( اثار الشابى ، ص : 131 )
من المؤكد ان الشابى لم يكن متصوفا بالمعنى المحدد للتصوف . ومن المؤكد انه لم يكن على معرفة دقيقة بالنظرية الصوفية المتكاملة عن الخيال سواء عند ابن عربى أو ابن الفارض . ولكن القرابة بين الشابى والتصوف قرابة لافتة ، تؤكدها اهمية المعرفة القلبية في كتاباته ، كما يؤكدها الحاحه على مبدأ (( الحب )) الذى يصل بين الكائنات والأشياء فى وحدة (( شيدت على العطف العميق )) أو وحدة تنسرب في هذه الجمل الدالة من مذكراته :
(( أحس بروح علوية تجعلنى أحس بوحدة الحياة فى هذا الوجود . وأشعر بأننا فى هذه الدنيا - سواء فى ذلك الزهرة الناضرة ، أو الموجة الزاخرة ، او الغادة اللعوب - لسنا سوى آلات وترية تحركها يد واحدة ، فتحدث انغاما مختلفة الرنات ولكنها متحدة المعانى )) (ص : 21-22 )
قد نقول : إن هذه القرابة التى تصل الشابى بالتصوف ترجع الى اطلاعه الادبى اكثر مما ترجع الى اطلاعه النظرى فى التراث الصوفى . وذلك صحيح الى حد بعيد . ولكن هذه القرابة - على اية حال - تؤكد البعد الروحي للخيال الشعرى من ناحية ، وتصل هذا البعد بتصور متميز للنفس الشاعرة او (( القلب )) من ناحية ثانية ، لتذوب - بعد ذلك - فى ثنائية جديدة ، تتعارض فيها النفس الشاعرة مع غيرها من النفوس الادنى .
والنفس الشاعرة - فيما يراها الشابى - منبع الشعور العميق الذى ينفذ الى اغوار الاشياء فيكشف سترها بالخيال ، وهى القلب الذي يشف ليدرك ما لا يدركه الآخرون ، عندما يسمو فيه الشعور ليتحد بالجوهر الخالص لموضوعه . ويخلع الشابى على هذه النفس مجموعة من الصفات تجعل منها شبيهة بذلك العنصر النورانى الذى يهبط نقيا من عالم الملا الاعلى ليعيش مغتربا فى عالم الملا الادنى ، ولكنه يمس بنقاء عنصره كل ما يتحد معه او ينبع منه ، فتبدو هذه النفس كأنها مجلى آخر لهذه (( الورقاء )) التى هبطت من (( المحل الارفع )) لتعانى سجن المادة وغربة الاجساد ، فى عينية ابن سينا المعروفة .
والقرابة لافتة بين هذه (( الورقاء )) وصورة الشاعر التى تنطوى على رمزية (( الطائر )) فى شعر الشابى وكتاباته النثرية على السواء . ولكن صورة الشاعر - عند الشابى - لا تدنو من هذا البعد الصوفي - المتضمن فى عينية ابن سينا - الا لتؤكد بعدا خاصا بسياقها ، أعنى بعدا يتضمن هذه الثنائية الجديدة التى يتعارض فيها (( الطائر )) المحلق صوب الاعلى مع (( الناس )) الذين ينحدرون صوت الادنى .
ان الشاعر الذى (( يتخذ من خياله اجنحة نارية ترفرف )) - فى كتاب الشابى عن (( الخيال الشعرى )) - يتحول - فى مذكراته - الى (( بلبل سماوى قذفت به يد الالوهية فى انات قلبه الغريب )) ( ص : 32 ) . وكلاهما يقئران برمز دال ، يتكرر فى شعر الشابى على هذا النحو :
- انا طائر متغرد مترنم لكن بصوت كآبتى وزفيرى
- يا طائر الشعر روح على الحياة الكئيبه
وامسح بريشك دمع القلوب فهى غريبه
وعزها عن أساها فقد دهتها المصيبه
وانت روح جميل بين الهضاب الجديبه
فانفخ بها من لهيب السماء روحا خصيبه
- انت قلب الشاعر المتعب بالحب النمير
ساءه موطنه الضنك ومأوه الحقير
فهفا والشوق يدنيه الى النور النضير
ثم امسى بين افنان الغياض العازفه
شاعرا ينشطر الوحى الجميل
ما حياته ( ص : 582 )
ويتضمن هذا الرمز المتكرر - ضمن ما يتضمن فى سياقه من شعر الشابى - دلالتين اساسيتين تفضى كلتاهما الى الاخرى . اما اولاهما فتصل بهذه (( الورقاء )) التى تهبط من (( المحل الارفع )) - فى عينية ابن سينا - الى (( الحياة الكئيبة )) - فى شعر الشابى - كانها (( روح جميل )) يهفو به شوقه الى موطنه الاصلى (( حيث النور النضير )) . والصلة وثيقة بين هذا (( الروح الجميل )) - فى شعر الشابى - وبين الشاعر الذى يتحول - فى كتاباته النثرية - الى (( روح الهى نبيل )) (32)، ينطوى على (( شئ من معنى النبوة وعلى عنصر من معنى الالوهية )) (33) . انها الصلة التى تجعل الشاعر طائرا مقدسا : يحلق حيث لا يصل البشر (( ليتحدث بلغة السماء عن نشوة الروح وحيرة الفكر التائهة بين نواميس العالم وبهاء الوجود )) (34) ، وتحن روحه -
دائما - الى الجمال المطلق الذي جبل منه عنصرها ، فتظل تفتش عنه فى اى مظهر كان فان فقدته ظلت تبحث عنه بين سمع الارض وبصرها حتى ظفر به)) (35) . ويرى هذا الطائر - أخيرا - ما لا يراه غيره فى الطبيعة ، فهى (( كائن حي يترنم بوحي السماء )) فى ناظره وسمعه ، لانه يحس بما فى قلبها الذى هو قلبه (( من نبض خافق وحياة زاخرة تفيض على مظاهر الكون هذا الجمال الالهى الوضىء ، فاذا الحياة بأسرها صورة من صور الحق واذا العالم كله معبد لهذه الحياة )) (36) .
هذه الدلالة التى تصل الشاعر بالطائر السماوى ، فتصله بالورقاء التى تتضمنها عينية ابن سينا ، تفضى الى الدلالة الثانية التى يتعارض فيها عالم الملأ الأعلى الذى ينتمى اليه هذا الطائر مع عالم الملأ الأدنى الذى تنتمى اليه
(( دنيا الناس )) على نحو يذكر معه هذا الطائر السماوى - عند الشابى - بطائر سماوى آخر ، هو (( عصفور الجنة )) ، فى قصيدة عبد الرحمن شكرى التى نقرأ فيها : (37) .
الا يا طائر الفردوس ان الشعر وجدان
وفى شدوك شعر النفس لا زور وبهتان
فلا تعتد بالناس فما فى الخلق انسان
وجد لى منك بالشعر فانا فيه اخوان
ولذلك يحيا الشاعر ( الطائر السماوى ) - فيما تنطق به دوال ديوان الشابى - (( فى عالم فوق الزمان )) الذي تعرفه (( دنيا الناس )) ، لا يأبه لصخب (( الحياة الكئيبة )) أو عراك المنافع فى (( الهضاب الجديبة )) ، بل يصيخ بدمعه الى (( الصوت الالاهى )) داخله ، لتكشف له (( صميم الوجود )) و (( روح الكون )) ، فتذوب روحه (( فى فجر الجمال السرمدى )) وتنطق قصيدته (( بالوحى المقدس )) . ولان هذا الشاعر يحاول الوصل بين عالمين في تحليقه بين الملأ الأعلى والملأ الأدنى ، يهبط على الملأ الأدنى بالمعرفة المقدسة التى تنطقها قصيدته . وعندما نتلقى - نحن أبناء هذا العالم الثانى - قصيدته بالقبول ، ونسلم انفسنا اليها ، خاشعين كاننا نستمع (( الى الوحى من لسان القدرة الازلية )) (38)تحملنا هذه القصيدة الى (( دنيا الخيال )) ، وتطهرنا (( فى نار الجمال )) فنسمو على ماديتنا ، ونغدو اشبه بهذه الكائنات الشفافة التى تقول عن نفسها :
نحن مثل الربيع نمشى على ارض من الزهر والرؤى والخيال
(ص : 401)
ولكن طبيعتنا الارضية - نحن الذين ننتمى الى العالم الادنى - تباعد بيننا وبين هذا الطائر المقدس ، وطبيعته السماوية التى تنتمى الى العالم الاعلى تجعل منه نقيضا لنا ، فيصبح مقامه بيننا اشبه بمقام ( النبى
المجهول ) ومقامنا منه أشبه بمقام شعب جامد انكر رسالة نبيه ، وصم سمعه عن سؤال الملح :
أين يا شعب روحك الفنان ؟ أين الخيال والالهام ؟
( ص : 426 )
فيتحول هذا (( النبى المجهول )) الى (( صوت تائه )) يهيم فى البرية ، ويشدو بحزنه (( كطائر الجبل )) ، لينطق (( كآبته )) التى خالفت نظائرها ، ولكن على نحو يتكشف فيه حنينه الى عالمه الاول - (( المحل الارفع )) الذى هبطت منه (( الورقاء )) ، فنسمع :
- شردت عن وطنى السماوى الذى ما كان يوما واجما مغموما
(ص : 203)
- ليتنى لم ازل - كما كنت - ضوءا شائعا فى الوجود غير سجين
وتظل ((كآبة)) هذا الطائر قرينة تشرده عن عالمه السماوى ، وحزنه قرين غربته بين من لا يفهمه ، وألمه قرين شكواه (( الى الله )) :
انت انزلتنى الى ظلمة الارض وقد كنت فى صباح زاه
كالشعاع الجميل اسبح فى الافق واصغى الى خرير المياه
واغنى بين الينابيع للفجر واشدو كالبلبل التياه
( ص : 240 )
وبقدر تعارض الاعلى مع الادنى ، فى هذه الثنائية الجديدة التى تفصل النبى المجهول عن شعبه الجاحد ، يتعارض الخيال مع الواقع ، ليقترن الاول بالارتفاع والسمو والتحليق والروح ، ويقترن الثانى بالارتفاع والجمود والمادة والجسد . ولذلك يبدو (( الخيالى )) - فى جانب منه فى شعر الشابى - قرين كل ما يسمو بالروح وينادى بها عن وضاعة المادة وغريزة الجسد وجمود الشعب الجاحد . ويبدو (( الخيال )) - فى جانب ثان - قرين (( الرؤى )) و (( الاحلام )) التى تمثل تعويضا - عن (( الحياة الكئيبة )) ، او سفرا - بالوهم الجميل - الى الموطن الاول حيث (( المحل الارفع )) . ويبدو
(( الخيالى )) - اخيرا - قرين (( الطفولة )) و (( الغاب )) ، خصوصا عندما تقترن الطفولة بالعودة الى الصورة الانسانية الاولى للاصل الانقى ، او يقترن الغاب بالتوحد مع الواحد ، فى اكثر صور الطبيعة براءة .
ويتصل اول هذه الجوانب الدلالية بالعلاقة التى تجمع الخيال والرؤيا والنشوة الروحية فى قران واحد ، ينطلق معه الطائر السماوى صوب الاعلى ليغدو والشعر نفسه :
مثل رؤيا تلوح للشاعر الفنان فى نشوة الخيال الجليل
( ص : 388 )
ويتصل ثانى هذه الجوانب بدلالة (( دنيا الخيال )) التى تتحول الى نقيض صارم لدنيا الواقع ، حيث صناعة المادة التى تسجن الروح وجمود الشعب الذي يحجر نبيه ، فنقرأ :
طهرت فى نار الجمال مشاعرى ولقيت في دنيا الخيال سلامى
ونسيت دنيا الناس فهى سخافة سكرى من الاوهام والاثام
(ص : : 469)
والثنائية الحادة التى تقابل بين (( دنيا الناس )) و (( دنيا الخيال )) تضيف بعدا دلاليا الى (( السلام )) الذى يلقاه (( النبى المجهول )) ، بعيدا عن شعبه الجاحد خصوصا حين ينادى هذا النبى عن الآخرين ليخلق لنفسه دنيا جديدة ، يستبدل فيها بالقبح الخارجى لدنيا الناس الجمال الداخلى للقلب ، فنقرأ :
في فؤادى الرحيب معبد للجمال
شيدته الحياة بالرؤى والخيال
(ص : 397)
وعندما يجد (( النبى المجهول )) - المتخيل المتوحد - ملاذه فى (( الفؤاد الرحيب )) يتحول عالم الخيال الى ارتحال فى عالم (( الحلم )) ، ليغدو الحلم - بدوره - سفرا عن (( دنيا الناس )) وبديلا عنها . ولكن يصبح الحلم قرين (( الوهم الجميل )) ، من حيث اتصالهما بدنيا (( الرؤى ))
ومن حيث تعارضهما مع دنيا الناس . وما ان يبدا النبى المجهول تباعده عن هذه الدنيا الاخيرة حتى يدنو من (( الوهم الجميل )) :
ويقوده الوهم الجميل للجة الاحلام منها ينتقي وينضد
ويصوغ من درر الخيال قلائدا منها السعادة فى الورى تتخلد
(ص : 53)
واذا كان (( الوهم الجميل )) الذى يفضى الى لجة الاحلام (( حيث تستطع درر الخيال )) قرين ارتحال فى الشعور ، او فى (( معبد القلب (( ، فان هذا الارتحال يوازيه ارتحال آخر ، هو مجلس له فى المكان فحسب . وذلك هو الارتحال الى (( الغاب )) ، حيث التوحد فى زمان الشعور وعزلة المكان على السواء ، فنقرأ :
فى الغاب ، دنيا للخيال وللرؤى والشعر والتفكير والاحلام
(ص : 463)
ويمثل الغاب - هذا المرتحل المكانى بدنياه الدالة - النقيض الحالم لدنيا الناس ، فى هذا السياق . يضاف الى ذلك ان دلالة الارتحال اليه تتضمن معنى العودة الى الاصل والرحم والمنبع ، فتؤكد معنى العودة الى (( المحل الارفع )) للطبيعة قبل ان تهبط - بدورها - الى (( المدينة )) و (( دنيا الناس ))
( يتبع )
