الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

قراءة في أبي القاسم الشابي، من (( الخيال الشعري ... ))

Share

يمكن النظر الى الخيال بوصفه مفهوما اساسيا فــى شبكة المفاهيم التــى تتكون منها أية نظريــة ادبية ، كما يمكـــن النظر اليه بوصفه فاعلية اساسية فى أية ممارسة ابداعية للادب . ولكن الخيال المفهوم يتجلى فى كل نظرية على نحو مغاير ويتجدد على أساس من العلاقات الوظيفية التى يؤديها داخل النظرية، كما ان الخيال - الفاعلية يتجلى تجليات متباينة ، لا يمكن فصلها عن العلاقات الوظيفة التى تنطوى عليها كل ممارسة ابداعيـــة . ويبدو الامــر - من هــذا المنظور - وكان النظر الى الخيال لا بــد ان ينطــوى عــلى قــدر من الازواج على نحو يصبح معه الخيال - فى مستوى النظر - اقرب الى ان يكون قاسما مشتركا عاما ، لا تخلو نظرية ادبية من تقدير اهميتــه ، او تخلــو ممارســة ابداعية من اظهار فاعليته ، ويصبح الخيال - فى مستوى آخـــر - اقرب الى ان يكون خصوصية تـــرتبط بالنظــــرية التى نتحـــدث عنها أو تنتمى اليها ،

او ترتبط بالممارسة الابداعية التى نتأملها او نعانيها . واذا كان الخيــــال - فى المستوى الاول - يأخذ صفـــة الخاصية النوعية العامة التى تميز الادب - فى مجمله ، او فى نوع من انواعه - عند غيره ، فان الخيال - فــى المستوى الثانى - ياخذ صفة الخاصية النوعية الخاصة التــى تميز نظرية عــن نظرية او ممارسة عن ممارســــــــــة .

فى المستوى الاول ، لا يمايز مفهوم الخيال بين ممارسة ابداعية للشعــر  وممارسة ابداعية مغايرة ، بل يصل المفهوم بين مختلـف انواع الممارسة ،  مجردا منها قاسمها المشترك الذى يجعل الشعر فاعلية تخيليــة ، او يجعــل  الخيال خاصية نوعية ترتد اليها قيمة الشعر من جانب او اكثر من جوانبـــه  ولقد يختلف - من هذا المستوى - شاعر ( احيائــى ) مثل حافظ ابراهيـــم

(1871-1932) عن شاعر (وجدانى) مثل ابى القاسم الشابى (1909-1934) رغم ان كليهما ابعد ما يكون عن الآخر نظرا وممارسة . واذا كان حافظ يصف شعر صاحبه شوقى ( 1868-1932) بقوله : ( 1 ) .

تخذ الخيال له مراقى فاعتلى              فوق السها يستن فى طيرانه

ما كان يامن عثرة لو لم يكن               روح الحقيقة ممسكا بعنانه

هل للخيال وللحقيقة منهل               لم يبغه الوراد في ديوانه ؟

فان الشابى يصف شعره بقوله (2) :

وما الشعر الا فضاء        يررف فيه مقالى

فيما يسر بلادى             وما يسر المعالى

وما يثير شعورى            من خافقات خيالى

وليس بين القولين فارق في تأكيد أهمية الخيال ، فى شعر شوقى او شعر الشابى ، من حيث هو خاصية نوعية لا يقوم الشعر دونها .

ولقد يختلف كل من حافظ والشابى - فى هذا المستوى - مع ما أكده محمد الخضر حسين ( 1875-1958 ) الذى ذهب الى ان جمال التخيل اعظم اركان الشعر ، وان (( الخيال )) هو المبدأ الاساسى الذى يجب ان يطلق منه تعريف الشعر ، ولذلك ألف أول كتاب نعرفه - فى نقدنا العربى الحديث - عن (( الخيال فى الشعر العربى )) (1922) وافتتحه بقوله : (3) (( ذهب بعضهم فى حد الشعر الى انه كلام موزون مقفى ، وهذا مثل من يشرح لك الانسان بانه حيوان بادى البشرة منتصب القامة ، فكل منهما قد قصر تعريفه على ما يدرك بالحاسة الظاهرة ، ولم يتجاوزه الى المعنى الذى تتقوم به الحقيقة ويكون مبدأ لكمالها ، وهو التخييل فى الشعر والنطق من الانسان ، فالروح التى يعد بها الكلام المنظوم من قبيل الشعر انما هى التشابيه والاستعارات وغيرها من التصرفات التى يدخل لها الشاعر من باب التخييل )) .

ان الخيال عند هؤلاء الثلاثة خاصية نوعية لا غنى عنها ، ولا سبيل الى تجاهلها من ابداع الشعر أو تنظيره على السواء . ولكن ما ان نبدأ فى تأمل طبيعة هذه الخاصية عند كل واحد من هؤلاء او الفاعلية التى تنطوى عليها فى سياق محدد من الممارسة والتصوف ، حتى تنتقل من المستوى الاول لفهم الخيال الى المستوى الثانى . وعندئذ ، تنجلى الخاصية النوعية العامة عن مغايرة حادة ، تصل بين ما يريده حافظ من (( الخيال ))وما يقصد اليه محمد الخضر حسين من (( التخييل )) وتفصل بين ما ينطوى عليه الخيال من معنى وقيمة عندهما وما ينطوى عليه من معنى وقيمة عند الشابى .

وتتجلى هذه المغايرة فيما تظهره الممارسة الابداعية لحافظ والشابى - اولا - من كيفية يعمل بها خيال كلا الشاعرين ، وفيما ينطوى عليه تنظير الشابى ومحمد الخضر حسين - ثانيا - من مدى ما يصل اليه الخيال الشعرى فى الكشف عن لون متميز من المعرفة ، وما يترتب على هذا المدى من تحديد لوضع الخيال الشعرى نفسه بين طرفى ثنائيات متعددة ، يتعارض فيها القلب مع العقل والروح مع الجسد ، والمثال مع الواقع والشاعر مع التراث .

ولذلك تؤكد ابيات حافظ التوازن بين طرفى ثنائية الخيال (( والحقيقة )) وما يتجاوب معها من ثنائيات أخرى فى شعر شوقي الذي :

يملى عليه عقله وجنانه ما ليس ينكره هوى وجدانه ويتخذ هذا التوازن معناه المحدد فى علاقات تصورية لسياق اوسع ، يتحول فيه (( الخيالى )) الى مجرد كساء براق يعرض (( الحقيقى )) عرضا مؤثرا محببا ، وعلى نحو لا يكشف فيه الخيالى عن حقيقة خاصة به ، بل يغدو صفة من صفات تحليق لا يتباعد عن (( روح الحقيقة )) الخارجية التى تعقد كل حركة من حركات الخيال ، فتشد تحليقه الى امراس العقل والصنعة والتقاليد .

واذا مضينا فى تأمل أبيات حافظ - داخل سياق هذا المستوى من النظر - لاحظنا ان الخيال (( براق )) يعتليه من يستخدمه ليطير محلقا ((فوق السها)) . ولكن البراق مجرد اداة لا تقود من يستخدمها فى التحليق او تهديه بذاتها ، فلا بد من قوة اخرى ، خارجية ، تتولى الهداية والتوجيه وامكان السقوط أو العلو امكان قائم ، محتمل ، فى كل حركة للتحليق ، لا سبيل الى تجنب عثرته الا بالتمسك بعنان العقل او (( روح الحقيقة )) . ان

هذا التسمك - وحده - هو الذى يوازن بين ( الخيال ) و ( الحقيقة ) ، كجار لا يطغي احدهما على الآخر ، فيصل الشاعر الى هلوسة المجنون من غلو الخيال ، او جفاف الفكر مع طغيان العقل . وخير الشعر - من هذا المنظور - ما توازن فيه النقيضان ، فيملى العقل ما يؤديه الوجدان ، ويحلق الوجدان بما لا ينكره العقل ، لتظل الحقيقة المعقولة مستوية بالخيال ، ويظل الخيال مرتكز الى الحقيقة المعقولة ، واكثر ما نسمع - داخل سياق هذا المنظور - شيئا قريبا . مما ذهب اليه المنفلوطى ( 1876-1924 ) عندما قال (4) :

(( ان الخيال غير المرتكز على الحقيقة انما هو صبوة طائر من هوات الجو لا تهبط ارضا ولا تصعد سماء )) .

قد يتشابه السطح الظاهرى بين دلالة التحليق (( فى أبيات حافظ والشابى خصوصا حين يتحول الشعر - فى أبيات الشابى - الى (( فضاء يرف فيه مقالى )) ولكن هذا التشابه قرين المستوى الاول من فهم الخيال , فاذا قرناه بالمستوى الثانى انزاح هذا السطح الظاهر في سياق محدد ، يؤكد ، حركة المحلق فى هذا الفضاء الشعرى ، بل حريته التى يؤكدها الشابى بقوله (5) :

(( ان روح الشاعر حرة لا تطمئن الى القيد ولا تسكن اليه ، حرة كالطائر فى السماء ، والموجة فى البحر ، والنشيد الهائم في آفاق الفضاء ، حرة فسيحة لا نهائية )).

وتتأكد الصلة بين (( الشعور )) و (( خافقات الخيال )) فى ابيات الشابى . ويبرز القلب فى الصيغة الاستعارية (( خافقات الخيال )) ، بعلاقتها المضمنة التى تجعل حركة الخيال(( خفقا )) للقلب ، وعلاقتها الظاهرة التى تجعل (( خافقات الخيال )) ثورة من ثورات (( الشعور )) . وكما يغدو الخيال قرين الشعور - فى هذا السياق - يتجاوب (( الخيالى )) مع (( الروحى )) تجاوب

القرين مع القرين ، ويتنافر الخيالى - فى الوقت نفسه - مع (( العقلى و (( المادى )) تنافر النقيض مع النقيض ، فيغدو الخيال - فى آخر المطاف - قرين نوع متميز من المعرفة يسمو على المعرفة العقلية والحسية على السواء .

وكما تتقارب افكار حافظ ابراهيم ومحمد الخضر حسين ، فيما ينطوى عليه (( جمال التخييل )) من قيمة ، يتقارب كلاهما فى النظر الى الخصوصية الادائية لعملية (( التخييل الشعرى )) نفسها ، وذلك على اساس من علاقات تصورية لسياق أوسع ، يصل بينهما كل الوصل ويباعد بينهما وبين الشابى كل البعد . ولا يتباعد - فى هذا السياق - ما افاده محمد الخضر حسين من عبد القاهر الجرجانى وابن سينا فى تحديده المعنى الذى تتقوم به حقيقة الشعر عما افاده حافظ ابراهيم من (( جماعة المنطق )) فى تحديد الشعر ، خلال تقديمه ديوانه الاول (1-19) . ولا يتباعد - في هذا السياق ايضا - ما قصد اليه حافظ ابراهيم عندما وصف شوقي بانه (( واسع الخيال )) والرافعى بانه (( راقى الخيال )) ( 6 ) عما يقصد اليه محمد الخضر حسين بعبارات من مثل : (( هذا خيال واسع )) و (( هذا تخيل بديع )) ، ذلك لان كلا الاثنين يقصد الى ان للشاعر الموصوف (( قدرة على سبك المعانى وصوغها فى شكل بديع )) (7) .

وما يرمى اليه محمد الخضر حسين بسبك المعانى او (( صوغها فى شكل بديع )) - داخل هذا السياق - هو الوصل بين التخييل وكيفية (( الابانة )) عن المعنى ، فى بلاغة عبد القاهر وشراحه . واذا كانت (( الابانة )) - او (( البيان )) - قرينة التعبير عن المعنى الواحد بطرائق متعددة ، من حيث وضوح الدلاله عليه ، تشبيها واستعارة وكفاية ، فالتخييل - عند محمد الخضر حسين - عملية نفسية تحدث اثرها باللغة في اطار (( البيان )) لكنها تتجاوز التوضيح الى التزيين ، وتصل بين التأثير والاقناع ، وتتفاضل وسائلها على اساس من درجة الايهام فى مخايلة القارىء من ناحية وعلى اساس من براعة الصنعة التى يصوغ بها الشاعر ادراكه النادر للمشابهة البديعة من ناحية ثانية .

والمسافة قريبة كل القرب بين براعة الصنعة فى التخييل - عند محمد الخضر حسين - وبراعة السبك التى يغدو بها التخييل نفسه كساء خارجيا للمعنى ، او صورة لغوية مستقلة عن مادتها ولاحقة عليها . والمسافة قريبة - بالمثل - بين اثر هذه البراعة وما يؤديه القياس المنطقي الخادع ،  اذ يقصد بكليهما (( اختلاب العقول ومخادعة النفوس )) . ويصل بين براعة الصنعة وأثرها قاعدة نفسية مؤداها (( انه من عادة النفس الارتياح للامر تشاهده فى زى غير الذي تعهده به (( . والتخييل يأتى النفس عن هذا الطريق (( فيعرض عليها المعانى فى لباس جديد ويجليها فى مظهر غير مألوف ))  (8) .

والعلاقة وثيقة  - من هذا المنظور - بين مصطلحات اساسية تتكرر فى كتاب محمد الخضير حسين عن (( الخيال فى الشعر العربى )) . واول هذه  المصطلحات يقترن بالنشاط الابداعى الذى يقوم به الشاعر ، وهو عملية ((التخيل)) والتى تصل بين المدركات والصور التى تحتويها الذاكرة ، ليصوغ الشاعر منها وبها الشكل البديع للمعنى . وثانى هذه المصطلحات يقترن بالاثر الذى يحدثه الشعر فى القارئ ، وهو عملية (( التخييل )) التى يؤثر بها (( سبل )) الشعر على انفعالات القارئ , فيوجه استجاباته ازاء موضوعه ونقطة الوصل بين (( التخيل )) و (( التخييل )) واصل نشاطها عند الشاعر

والقارئ على السواء هى (( المخيلة )) وتلك هى (( القوة النفسية )) او (( الملكة )) التى تمكن الشاعر من استعادة صور الذاكرة فيتم عملها بصفة (( الاستحضار )) او نمكنه من التركيب الجديد للصور فيتم عملها بصفة (( الابتكار )) واذا كان الشاعر يعتمد على هذه القوة فى عمله فانه يعتمد عليها فى اثارة القارئ ، ذلك لانه يتوجه الى مخيلة القارئ ، فيثيرها على نحو يؤدى بهذا القارىء الى انفعال يفضى به الى استجابة ونزوع الى فعل مقصود من قبل . ويصل بين هذه المصطلحات كلها - على أية حال - مصطلح (( الخيال))  . وهو مصطلح يستخدمه محمد الخضر حسين على سيل التوسع ، لينقله عن اصل معناه القديم المحدد عند الفلاسفة - من امثال ابن سينا - ويجعل منه - تمشيا مع العصر - مصطلحا عاما يشمل كل جوانب النشاط النوعى للشعر : من منظورى التخيل والتخييل ، او الابداع والتلقي - لو شئنا مصطلحا اقرب الى عصرنا .

ولكن الخيال - هذا المصطلح العصرى العام - يظل مفهوما متميزا فى كتاب محمد الخضر حسين ، ذلك لانه يظل منطويا على خصوصية محددة فى سياق أدىي وفكري محدد . اعنى سياقا يصل بين شعر محمد الخضر حسين نفسه وشعر البارودى والرصافى اللذين يستشهد بنماذج لهما وله فى كتابه . واعنى سياقا يصل بين مفهوم (( الخيال )) - فى الكتاب - ومفهومه الذي يبدأ من النماذج الفكرية والأدبية فى عصر الاحياء ليتنهى عند أصولها الاولى فى التراث . ولذلك ينطوى المفهوم - عند محمد الخضر حسين - على أساس بلاغى يصله بعبد القاهر صلته بصناعة (( البيان )) , بكل ما تنطوى عليه هذه الصناعة من ثنائية يتدابر فيها (( السبك )) او (( الشكل البديع )) مع (( المعانى )) او (( الافكار )) التى يمكن ان تقوم مستقله بذاتها . وينطوى المفهوم - ثانيا - على اساس منطقى ، يصل بين الخيال وثنائية (( التخييل / التصديق )) التى تحدد انواع القياس فى المنطق ، ليصبح (( التخييلى )) من الكلام - او القياس - هو (( الذى يرده العقل ، ويقضى بعدم انطباقه على الواقع ، اما على البديهية . . . او بعد نظر ))  (9) ، كما يقول

محمد الخضر حسين ، أو عبد القاهر ، أو ابن سينا ، بلا فارق يذكر . وينطوى المفهوم - ثالثا - على اساس نفسى يفضى - بدوره - الى نظرية فى المعرفة والاخلاق على السواء . ذلك لان التخيل كالتخييل كلاهما فاعلية خاصة بهذه ((" القوة المتخيلة )) وهى قوة تتوسط حائدة - فى تراثنا الفدسفى ( العقلانى )  - بين الحس والعقل : يغاويها الاول ( الحس ) اليدنو بها من الغريزة فيصبح تخييلها اثما اخلاقيا او معرفة زائفة او هلوسة تعويضية ، ويكبح جماحها الثانى (العقل) فترتدع به او تهتدى بسوره . ليصبح تخيبلها متعقلا ، ويزخرف الحقائق الثابتة التى يعرفها خاصة العقلاء بالاستبدال ، وبحسن الاخلاق التى يقرها الحكماء بالبرهان .

والاسس السابقة ، تجديدا ، هى ثلاثة من اهم الاسس (( الاحيائية )) التى تمردت عليها الرومانسية العربية بكل اجنحتها ( جماعة (( الديوان )) و (( المهجر )) و(( ابولو )) . . .الخ)  التى ينتمي اليها ابو القاسم الشابى ولذلك لن يرى الشابى - فى الخيال - قابعا يزخرف الحقائق التى يتوصل اليها العقل بحسن (( السبك )) او براعة (( الشكل )) ، بل يرى فيه نشاطا لاسمى ملكات النفس وهى (( الشعور)) او  (( القلب )) . ولن يرى الشابى

الخيال  -ثانيا - بوصفه غاويا ينجذب الى الاثم كما تنجذب الفراشات الى النار لتحترق بها ، بل يراه طائرا سماويا يحلق صوب الحقيقة المطلقة للنور الالهى ، كما لو كان يعود الى اصله الذى تولد منه . ولن ينطوى الشابى - ثالثا - على هذا التوجس الاحيائى التراثى من الجوانب الداخلية الاننسان , ليكبحها بعنان العقل الذي يوجه حركة الخيال ، بل تتحول هذه الجوانب الداخلية لتصبح اساس تميز (( الفرد الفذ )) الذي نادت به الرومانسية العربية ، لترد الى تميزه الداخلى نبع الشعر والوحى والالهام , ونصل بين هذا النبع وانطلاقة الخيال .

إذا كان (( الخيال )) الذى يتحدث عنه محمد الخضر حسين قرين هذه ((المخيلة )) التى قد ينتهى جموحها - فى التراث الفلسفى الذى يعتمد عليه - الى الجنون والهلوسة ، فان (( الخيال )) الذى يتحدث عنه الشابى قرين هذه الطاقة الخلاقة التى تحدث عنها الشعراء الرومانسيون ، والتى راوا فيها السببل الوحيد إلى اكتشاف الحقائق الروحية للانسان والحقيقة المطلقة للعالم .

ولذلك يتباعد (( خيال )) الشابى كل البعد عن السياق الذى يدور فيه (( خيال )) محمد الخضر حسين وحافظ ابراهيم واقرانهما ، ليقترن ((خيال )) الاول بصفة (( الشعرى )) , وتقترن الصفة نفسها بسياق آخر ، هو نقيض للسياق الاحيائى ونفى له على السواء .

وتكشف العلاقة بين كتاب محمد الخضر حسين (( الخيال فى الشعر العربى ))  (1922) وكتاب الشابى (( الخيال الشعرى عند العرب )) (1929) - من هذا المنظور - عن نوع من القضاء الحاسم ، هو ذلك القضاء الذي يواجه به (( الحديث )) الصاعد ( القديم ) السائد ، ليتحرر الاول من سطوة التقاليد التى يفرضها الثانى ، فيؤكد هويته الجديدة التى تعد بالكشف ما لم يتم الكشف عنه .

ولن تتباعد عن الحقيقة لو قلنا ان مجموعة من العوامل الاساسية التى دفعت الشابى الى القاء محاضرته الشهيرة التى صارت كتابا عن (( الخيال الشعرى )) مرتبطة بالهجوم على المفهوم الاحيائى لهذا الخيال ، على النحو الذى صاغه به كتاب سلفه التونسى المتمصر محمد الخضر حسين . ولا شك ان هذه العوامل كانت تتجاوب مع مجموعة مقاربة من الدوافع ، رفعت

الشابى الى تقبل التحدى ، والتحدث فى الموضوع الذي اقترحه (( النادى الادبى لجمعية قدماء الصادقية )) عن (( الخيال الشعرى عند العرب )) ، وهو الموضوع نفسه الذى كتب فيه سلفه الذى صار خصما عنيفا للمدرسة الحديثة ، فى القاهرة (( وواحدا من رجعيي مصر )) - فيما يصفه الشابى ىي احدى رسائله (10) .

ولقد القى الشابى محاضرته عن (( الخيال الشعرى )) فى امسية من الاماسى العاصفة (11) التى شهدتها (( قاعة الخلدونية ، فى تونس العاصمة , فى شهر شعبان ( 1248 ه / 1929 م ) أى فى نهاية العقد الذى وصل فيه هجوم (( المدرسة الحديثة )) على ((المدرسة القديمة )) الى ذروته ، بعد ان قدم أبناء المدرسة الاولى نماذج من أدبهم فى العقد السابق ( 12 ) ، ولقد بدأ هذا الهجوم مع نشر كتاب ابراعيم المازنى عن (( شعر حافظ ابراهيم ))  (1910) - فى العام نفسه الذى صدر فيه كتابه الحاسم (( الشعر : غاياته ووسائطه )) - وظل الهجوم يتصاعد طوال العشرينات ابتداء من (( الديوان ))  (1921) الذي شارك فيه العقاد المازنى ، ومرورا بمقالات طه حسين عن (( القدماء والمحدثين )) - فى السياسة )) ..  (1922 ) وكتاب (( الغربال )) (1923) لميخائيل نعيمة ، وانتهاء بكتاب (( فى الشعر الجاهلى ))  (1926) لطه حسين ، وقد نقضه محمد الخضر حسين فى العام اللاحق ، مفتتحا نقضه بتصدير من مفتى الديار المصرية .

ولا شك ان امثال هذه الكتب المتلاحقة تمثل تصاعد مد (( المدرسة الحديثه )) فى جوانبه النقدية المتعددة ، وتحولها الى الهجوم العنيف على التيارات التقليدية الادبية السائدة . ويوازي تصاعد درجة الهحوم وتعدد جوانبه - فى هذا المد - تصاعد موجة (( المدرسة الحديثة )) نفسها واندفاعها لتغمر كل الشواطئ الادبية ، ومنها تونس ، على نحو تولدت

معه موجة نشطة . تدافعت محاضراتها فى (( النادى الادبى لجمعية قدماء الصادقية ، وتدافعت كتاباتها فى مجلة (( العالم الادبى )) التى اصدرها زين العابدين السنوسى

ولم يكن من قبيل المصانعة - والأمر كذلك - ان توجه الى الشابى واقرانه من ابناء (( المدرسة الحديثة )) - فى تونس - التهم نفسها التى كانت توجه الى طلائع هذه المدرسة فى مصر او (( المهجر )) , وان تسبق محاضرة الشابى العاصفة محاضرة اخرى تذكر بطه حسين على نحو مباشر ، فقد ، قامت ضجة . . اثر مسامرة امرئ القيس التى افكر فيها ... المهيدى وجود امرئ القيس (13) وان يتولى محمد الحليوى الكتابة منتصرا للعقاد من كتاب الرافعى ((على السفود )) .

ويحدد الشابى الفارق بين المدرستين - فى تقديمه ديوان (( الينبوع )) لاحمد زكى ابى شادى - على النحو التاليى: (14) .

اما المدرسة القديمة فهي تزعم ان (فى) اللغة العربية مزاجا خاصا . لا يسبغ الا ضروبا محدودة من التفكير والوحى والخيال ، وهي تنقم على المدرسة الحديثة انها تستحدث فى الادب العربى فنونا من البيان مشبعة بما فى الروح الاجنبية وادابها من طرائف التفكير والخيال والاحساس , وهى تدعى ان ذلك لا يلائم طبيعة اللغة العربية ولا ينسجم على ما تسميه : الاسلوب العربى الصميم .

واما المدرسة الحديثة ، فهى تدعو الى كل ما تكفر به المدرسة القديمة بدون تحرز ولا استثناء ، هى تدعو الى ان يجدد الشاعر ما شاء فى اسلوبه وطريقته في التفكير والعاطفة والخيال ، والى ان يستلهم ما شاء من كل هذا التراث المعنوى العظيم الذى يشمل كل ما ادخرته الانسانية من فن وفلسفا ورأى ودين ، لا فرق فى ذلك بين ما كان منه عربيا او اجنبيا ، وبالجملة فهى تدعو الى حرية الفن من كل قيد يمنعه الحركة والحياة ، وهي فى كل ذلك لا تكاد تتفق مع المدرسة القديمة الا فى احترام قواعد اللغة واصولها ))

ومن اليسير ان نلاحظ - فى النص - ان الخيال يحتل دوره اللافت فى تمييز الشابى بين المدرسة القديمة والمدرسة الحديثة . يتجلى ذلك فى الحاح المدرسة الاولى على (( الاسلوب العربى الصميم )) الذى يقترن بضروب محدودة ثابتة (( من التفكير والخيال والاحساس )) ، وذلك على النقيض من المدرسة الثانية التى تنبذ الاسلوب الثابت لهذه الضروب , فتعمل على اطرراحها لتتمكن من التعبير عن اخفيى العواطف المسترة التى كان اديب الامس لا يستطيع تصورها وادراكها ، فضلا عن التعبير عنها ونفخ الحياة فيها (15) . واذا كانت المدرسة الاولى تؤكد "((التفكير والاحساس والخيال )) بوصفها عناصر ذات مواصفات ثابتة ، كأنها عمود شعر لا سبيل الى تغييره او الخروج عليه ، فالمدرسة الثانية تنفى هذه المواصفات وتحطم هذا العمود ، لتحرر التفكير والاحساس والخيال فتؤكد حضور الشاعر الذى يشعر ويفكر ، ويجاوبنا بالعطف والحبس والخيال وينسينا لحظة وجودنا المحسوس بما يخلعه علينا من جمال الفن وصوره ، ويرتفع بمشاعرنا فوق دنايا يا هذا العالم ومحتقراته (16)

ويبدو الامر - فى هذا السياق - وكان الشابى قد اختار مفهوم الخيال واعيا باهميته الحاسمة فى اية نظرية او ممارسة للشعر ، وواعيا بان اعادة النظر فى هذا المفهوم هى المنطلق الاول فى تجاوز التقاليد الاحيائية وتأسيس ممارسة ابداعية جديدة ، تؤكد انطلاقة " التفكير والاحساسا والخيال )) . ومن الواضح ان قراءة الشابى لأساتذته من طلائع الرومانسية العربية كانت تؤكد وعيه بالاهمية الخاصة التى ينطوى عليها الخيال فى النظرية الرومانسية ، تلك الاهمية التى جعلت ناقدا مثل موريس بورا يقول : (17) .

(( اذا اردنا ان نميز خاصية بعينها تفرق بين الرومانسيين الانجليز وشعراء القرن الثامن عشر وجدنا هذه الخاصية فى الاهمية التى جعلها الرومانسيون على الخيال وفى النظرة التى نظروا بها اليه )) .

ولقد كانت افكار الرومانسية الانجليزية عن الخيال - بوجه خاص - مبذولة للشابى فى كتابات عبد الرحمان شكرى ( 1886-1958) وعباس العقاد (1880-1964) وابراهيم المازنى ( 1590-1949) وغيرهم . واذا كنا نلمح - فى هذه الكتابات - المكانة الخاصة التى يحتلها الخيال عند ((المدرسة الحديثة )) فاننا نلمح - بالقدر نفسه - صدى أفكار كولردج  1792-1834      ( S . T . Coleridge ) وشللي 1792-1822      (P . B . Shelley)  وورد زورث 1770-1850   ( W . Wrodsworth )   وبليك 1757-1827  ( W . BLAKE )     وهازلت  1778-1830  (W . HAZLITT) وغيرهم  من الشعراء والنقاد الذين تساموا بالخيال فى مواجهة العقل , وقرنوا الخيال بالحدس والقدرة على اكتشاف الحقائق الروحية . ولقد صارت هذه الافكار جانبا من تصور (( المدرسة الحديثة )) للشعر . اعنى التصور الذى يصل الشعر بالتعبير الرحبانى ، ويصل التعبير الوجدانى بفاعلية الخيال ، لتصبح هذه الفاعلية قرينة الالهام والكشف عن ناحية , وعلامة على الشاعر الذى صار نبيا من ناحية ثانية .

واذا كنا نجد عند عبد الرحمان شكرى صدى لتمييز كولردج الشهير بين (( الوهم )) و(( الخيال )) ونجد فى كتابات المازنى صدى لافكار شيللى ، أو نجد عند العقاد تأثرا واضحا بهازلت ، فاننا نجد عند الجميع ايمانا شبيها بذلك الايمان الذى دفع كولردج الى ان يتصور الخيال بوصفه قوة الادراك الحية التى ينطوى بها الشاعر على تكرار الفعل الخلو الازلى للانا المطلقة للكون (18) . والفارق بين هذه الفكرة ودلالة بيت العقاد الشهير (19) :

الشعر من نفس الرحمان مقتبس   والشاعر الفذ بين الناس رحمان

فارق يسير يصل بين الشعر والكشف ، ويصل بين الكشف وقدرة الخيال على الخلق . ويبدو ان هذا النوع من الايمان هو الذى يصل جماعة (( الديوان )) بجبران خليل جبران (1883-1931) على نحو من الانجاد , خصوصا فى منطقة التأثر بأفكار شاعر مثل بليك مان له أثره الاوضح فى

جبران فيما يتصل بالايمان بقداسة الخيال ، وما يؤكده هذا الايمان من عبارات حاسمة من قبيل (20) .

(( ان عالم الخيال هو عالم الابدية . انه الصدر المقدس الذى يجب ان نتجه اليه بعد ذبول الجسد المادى . انه عالم مطلق خالد ، بينما عالم الطبيعة محدود زائل . وفى هذا العالم الخالد ، وحده ، توجد الحقائق الثابتة للأشياء التى نراها منعكسة فى مرآة الطبيعة الطبيعة ، فنحن لا ندرك الاشياء فى هيئاتها الازلية الا فى الخيال الانسبانى الذى هو بمثابة الجسد المقدس للمخلص والكرمة الصافية للخلود )) .

ولقد كان لهذا الايمان البالغ بالقيمة الروحية للخيال اثره اللافت فى تكوين فكر ابى القاسم الشابى ، هذا التكوين الذي جعله ينفر من فهم محمد الخضر حسين لفاعلية الخيال ، بكل ما ينطوى عليه هذا الفهم من تكوين لشأن هذه الفاعلية التى قد يوصف بها (( مالا يصادق عليه العقل )) ، او يتحد بالغرائز ، فلا تنطوى على قيمة الا اذا لم تخرج عن دائرة التعقل )) (21) وكما يعارض الشابى المفهوم الاحيائى الترائى (القديم ) للخيال - فى كتاب محمد الخضر حسين - بالمفهوم الرمانسى (الحديث) يؤكد كتاب الشابى القيمة الروحية للخيال ، فنقرأ فى الكتاب جملا حاسمة من قبيل (22) :

- (( اريد ان ابحث فى الخيال من ذلك الجانب الذي يتكشف عن نهر الانسانية الجميل الذى اوله لا نهاية الانسان وهي الروح وآخره لا نهاية الحياة وهى الله )) .

- (( الخيال الشعرى (هو) ذلك الخيال الذى يحاول الانسان ان يتعرف من ورائه حقائق الكون الكبرى ويتعمق فى مباحث الحياة الغامضة )) .

- (( الخيال الشعرى لا يضطر البه الا من اراد خوض ظلمات الحياة وانفاقها ، واستطلاع ما فى خفايا النفوس من صور ورسوم ، لان الخيال هو فانوس الحياة السحرى الذى لا تسلك مسالكها بدونه )) .

ان هذه الجمل دوال تعنى مدلولهاتها بالسياق المحدد الذي يتحرك فيه مفهوم الشابى عن الخيال . فهى دوال تصل الكتاب بالنظرية الرومانسية للشعر ، وتنطوى على بعض ما تتضمنه هذه النظرية من أصول معرفية وميتافيزيقية لا سبيل الى فهم كتاب الشابى دونها .

2-1 يبدا الشابى كتابه بتحديد رايه فى الخيال عبر نقاط ثلاث أساسية . تتصل اولاها بضرورة الخيال ، من حيث وظيفته الاولية التى لا غنى عنها فى الحياة الانسانية بكل اطوارها .

وتتصل النقطة الثانية بما يتميز به الخيال البدائى من وحدة ادراكية لا انفصام فيها بين الروحى والمادى ، او بين الشعور والفكر ، او بين الحقيقة والمجاز .

أما النقطة الثالثة فينقسم فيها الخيال الى قسمين : (( قسم اتخذه الانسان ليتفهم مظاهر الكون وتعابير الحياة ، وقسم اتخذه لاظهار ما فى نفسه من معنى لا يفصح عنه الكلام المالوف )) . (ص : 20)

هذه النقاط الثلاث تمثل المهاد الذى ينبني عليه مفهوم الخيال عند الشابى . واذا وصلنا هذه النقاط بغيرها من نقاط الكتاب ، بل بغيرها مما يتناثر من كتابات الشابى التى نعرفها ، اكتملت صورة البناء النظرى لمفهوم ، بكل ما ينطوى عليه من جوانب معرفية وميتافيزيقية .

واول ابعاد هذه الجوانب المعرفية متصل بالمقدمة الاولى ، ويرتبط ما تنطوى عليه من تسليم بان الخيال هو الوسيط الاول لكل ادراك انسانى او كل معرفة بشرية . قد يكون هناك فارق فى طبيعة هذه المعرفة بين خيال الانسان الاول الذي يتميز ادراكه بوحدة لا تنفصل عناصرها وبيننا نحن الذين نقسم العالم الى هذه الثنائيات التى يمليها العقل . ولكن مهما اختلفت طبيعة ادراك العالم بيننا وبين الانسان الاول ، ومهما تزايد اعتمادنا على العقل ، فستظل معرفتنا الانسانية مرتبطة بهذا الوسيط الاول للادراك ومعتمدة عليه . ولا غرابة فى ذلك فالانسان (( مضطر الى الخيال بطبعه ، محتاج اليه بغريزته لان منه غذاء روحه وقلبه ولسانه وعقله )) (ص : 24 : ) . وسيظل الامر كذلك (( ما دامت حياة والانسان انسانا )) ( ص : 18 ) فالخيال عند هذا المنظور "((خالد لا ولن يمكن ان يزول الا اذا اضمحل العالم )) فيما يقول الشابى - او اضمحلت المعرفة الانسانية - فيما يمكن ان نضيف مفسرين .

ويبدو ان الفارق بين هذا الخيال - الوسيط الاول - وبين الخيال الذى يعول عليه الشاعر في عمله فارق فى الدرجة فحسب ( ولنتذكر ما يقوله الشابى من "((ان الانسان شاعر بطبعه ، فى جبلته يكمن الشعر )) ( ص 25 ) . يضاف الى ذلك ان الخيال الثانى يعيد للادراك الانسانى وحدته الاولى المفتقدة بين العوالم والأشياء ، ليصبح الكون كله نسيجا حيا ، تتجاوب عناصره بلا انفصام او انقطاع .

وسواء كنا نتحدث عن الخيال الاول والثانى فان الوحدة التى يؤكدها كلاهما هى التى تعطى للكون معناه المتصل الذى اوله لا نهاية الانسان - وهى الروح - وآخره لا نهاية الحياة - وهى الله - لكن هذا المعنى المتصل لا يظهر الا من خلال العلاقات التى يكتشفها الخيال بين الكائنات والأشياء ، ان هذه العلاقات هى التى تبرز معنى الائتلاف والاختلاف بين الاشياء والكائنات ، فتفسر الكون للانسان ليتعرفه ، وتفسر له تعرف لينطقه او يعبر عنه .

وما بين التعرف والتعبير ، تنطوى فاعلية الخيال على ثنائية حاسمة ، نضم طرفين يكابد الشابى فى صياغة مصطلح لهما ، بل يتابى عليه - فى غير حالة - ادراك العلاقة المتبادلة بينهما . اما الطرف الاول فيطلق عليه الشابى(( الخيال الشعرى )) او (( الحبال الفنى )) واما الطرف الثانى فهو "((الخيال اللغوى)) او ((الخيال المجازى )) او (( الخيال الصناعى ")) . والطرف الاول اقرب الى فاعلية التعرف التى يتفهم بها الانسان - بواسطة الخيال- (( سرائر النفس وخفايا الوجود )) وهو ((هذا الفن الذي تندمح فيه الفلسفة بالشعر ويزدوج فيه الفكر بالخيال )) ( ص : 26 ) - وهو خيال فنى (( لان فيه تنطبع النظرة الفنية التى يلقيها الانسان على الوجود ")). وهو خيال شعرى (( لانه يضرب بجذوره الى ابعد غور فى صميم الشعور )) ( ص : 26 ) - اما الطرف الثانى فهو اقرب الى فاعلية التعبير التى ينطق بها الانسان - بعون من الخيال - ما يؤرقه من شعور ، او يصوغه بكلمات هى اعجز من ان تؤدى هذا الشعور لولا الخيال . ويحدد الشابى هذا الطرف بانه ما يتخذ الانسان (( لاظهار ما فى نفسه من معنى لا يفصح عنه الكلام المالوف)) ( ص : 25 ) .

ولو قرأنا العلاقة بين هذين النوعين للخيال - فى كتاب الشابى - على نحو لا يضع التعارض بينه وبين كتاب محمد الخضر حسين فى

الاعتبار ، فقد تنتهى - فى خماسى وصله باسلافة الرومانسيين - الى ان الصلة بين هذين النوعين صلة متبادلة ، وان فاعلية النوع الثانى ليست الا وجها آخر لفاعلية النوع الاول منه . واذا كان  (لخيال الشعرى ) - من هذا المنظور هو تعرف الكون باكتشاف العلاقات التى تصل بين عناصره ، لتحدد معناه وغابته ، فان ( الخيال المجازى ) ليس سوى فاعلية للاول على مستوى اللغة ، خصوصا حين يعدل الخيال من علاقاتها المالوفة ، ويصوغ منها وفيها صورا جديدة ، تؤدى الشعور المصاحب لتعرف الكون . وهنا ما يدعم هذا الفهم فى كتاب الشابى ، خصوصا حين نقرأ :

(( والقسم الاولى ( الشعرى) اقدم القسمين فى نظرى نشوءا فى النفس لان الانسان اخذ يتعرف ما حوله اولا حتى إذا ما جاشت بقلبه المعارف اخذ بعير . عنها بالالفاظ والتراكيب )) . ( ص : 25 ) .

قد يلفت الانتباه هذا الفهم المتعاقب للخيالين عند الشابى ، وقد نقول ان كلا النوعين من الخيال وجهان لعملية آنية واحدة لا تعاقب فيها او انفصام ، وان افعالها الحرة تتحرك فى وقت واحد صوب اتجاهات متباينة لا تفقد تواصلها الانى وعلاقاتها العضوية ( وذلك هو ما يميز (( الخيال )) عن ((الوهم))  لوعدنا الى تمييز كولردج الشهير) . ولكننا لن نعدم - فى السياق الاوسع للنظرية الرومانسية - من يقول بمثل هذا التعاقب ، او يفصل بين فصل الخيال فى التعرف وفعله فى التعبير .

اما اذا قرأنا العلاقة بين هذين النوعين للخيال ، من منظور التعارض بين كتاب الشابى وكتاب محمد الخضر حسين ، فان العلاقة نفسها تبدو فى ضوء جديد مغاير . ولنلاحظ ان الشابى يجعل (الخيال الشعرى) ابعد فى الوجود من (الخيال اللغوى) على نحو تبدو معه العلاقة بين النوعين شبيهة بالعلاقة بين ( الحقيقة ) و ( المظهر )او شبيهة بالتعاقب الذي يصل بين المحتوى الروحى للادراك والشكل المادى اللاحق الذى يحتويه . قد لا نختلف هذه العلاقة الثنائية - فى جذرها الشكلى - عن العلاقة المماثلة التى تنفصل فيها المعانى عن الفاظها وتسبقها فى كتاب محمد الخضر حسين ولكن القيمة التى يتصف بها كل طرف من طرفى الثنائية نفسها قيمة متعارضة بين الكتابين . واذا كان التركيز فى كتاب محمد الخضر حسين يتوجه الى (( التخييل )) من حيث هو اداء لغوى متميز لمعان سابقة عليه ,

فان هذا التركيز يرد القيمة الى المظهر المادي المعنى او شكله المخيل ، وليس الى المعنى ذاته او محتواه المجرد . والحال على النقيض من ذلك عند الشابى ، ذلك لان ( الخيال الشعرى ) يرتبط بالادراك الروحى الذى يقع فى النفس ابتداء ، اما الخيال اللغوى - او اللفظى - فهو قرين المظهر المادى او الصورة الخارجية التى تنقل هذا الادراك . ولذلك تنطوى العلاقة بين الطرفين على نوع من الهيراركية تتركز فيه القيمة على الطرف الداخل الذي ينتمي الى الروح والقلب والشعور ، اما الطرف الخارجي فهو مجرد شكل لا قيمة له الا من حيث هو صورة للاصل ومظهر له . والمظهر - فى السياق الفكرى الذى يتحرك فيه الشابى - ادنى قيمة من الحقيقة التى يعكسها ، بل انه قد يباعد بيننا وبينها على نحو يقلل من كمال توصيلها . ولدلك خص الشابى الطرف الاول - من نوعي الخيال - بصفتى "((الشعرى)) و ((الفنى)) ، ووسمه بكل صفات القداسة والتبجيل ، وجعله قرين نهر الانسانية الجميل الذي يبدأ من روح الانسان وينتهى بالروح الكلى المطلق للكون ، او الله . وفى المقابل ، حصر الشابى الطرف الثانى فى صفات تبدأ من اللفظى لتنتهى بشعرية لافتة بين ( المجاز ) و ( الصناعى ) .

وليس )(الخيال) الذي يتحدث عنه محمد الخضر حسين - من هذا المنظور - سوى ذلك الخيال (المجازى) او (اللفظى) - الخارجي - الذى يرتبط بالمظهر وليس الحقيقة ، ويرتبط بشكل المادة وليس جوهرها الروحى . ولذلك فهو قرين ( الصناعة ) و ( البلاغة ) ، بكل ما يعتور هذين المصطلحين من مدلولات سالبة لا تفارق ذهن الشابى . واذا عدنا الى كتاب الشابى نفسه وجدناه ينطق ذلك بكل وضوح ، فنقرأ :

(( اما القسم الثانى (من الخيال) فانني اسميه الخيال الصناعي لانه ضرب من الصناعات اللفظية ، واسميه الخيال المجازى لانه مجاز على كل حال سواء قصد منه المجاز كما عندنا الآن ام لم يقصد منه كما عند الانسان القديم  . . . ولا اريد ان اعرض للخيال من وجهته الصناعية ، لا من هاته الناحية ولا من تلك ، لان لمثل هاته المباحث هواتها وانا لست منهم - والحمد لله - ولان كلا من هاتين الناحيتين جامد جاف فى نظرى لاغنية فيه ولا جمال ، ونفسى لا تطمئن الى مثل هاته المباحث الجافة ولا تحفل بها - ثم لان مثل هاته المباحث لا يمكننا ان نستشف من ورائها خوالج الامة . . . ولا نستطيع ان نلمس فى جوانبها ذلك النبض الحى الخفوق المترنم بأنباء

النفس الانسانية واهوائها ولا ان نعرف مقدار شعورها بتيار الحياة كعضو حى فى هذا الوجود . واى فائدة من بحث قاتم لا ينير سبيلا ؟ )) ( ص : 26-27 ) .

واذا تدبرنا دلالة الصفات التى يلصقها الشابى بهذا القسم الثانى من الخيال ادركنا ما تتضمنه نظرة الشابى من تهوين لشان ذلك ( الخيال ) الذى يتحدث عنه محمد الخضر حسين . ويزداد الامر وضوحا عندما تصل هذا النوع الثانى ( من الخيال ) باقسامه المنطقية الشكلية . ومنها ما يقوله محمد الخضر حسين من ان الخيال يتصرف فى المواد التى يستخلصها من الحافظة على وجوه شتى : احدها تكثير القليل ، ومنها تكبير الصغير ومنها تصغير الكبير ، ومنها جعل الموجود بمنزلة المعدوم ، ومنها تصوير الامر بصورة اخرى ، ولهذا الاخير اربعة احوال : احدها تخيل المحسوس فى صورة المحسوس ، وثانيها تخيل المعقول فى صورة المحسوس ، وتالثها تخيل المعقول فى معنى المعقول ، ورابعها تخيل المحسوس فى صورة المعقول ، وتلك هى (( فنون الخيال )) فى كتاب محمد الخضر حسين )(ص : 27-32 ) .

وعندما يلصق الشابى بهذا القسم من الخيال صفتى (المجازى) و ( الصناعى) ، ويلصق بمثل هذه الاقسام صفات الجمود والقناعة ليجعل منها (( مباحث جافة )) لا نلمس فيها نبض (( النفس الانسانية )) ، فان الصفات نفسها تنفى القيمة عن هذا الخيال(التخييلى) لتصبح القيمة مقصورة على الخيال ( الشعرى ) , ذلك الذى يقترن - أول ما يقترن - بالشعور ، ويتصل - أول ما يتصل - بالقلب ، فينطوى على معرفة روحية اسمى من المعرفة الخارجية للعقل او المنظور ، او (( التخيل )) الذى يتبع نواهى الاول وينقسم بمقولات الثانى .

واذا كانت الصلة وثيقة بين الخيال والشعور ، عند الشابى ، فان هذه الصلة هى التى تؤكد حاجة الانسان الى الخيال ، ذلك لان الانسان (( وان اصبح يحتكم الى العقل ويستطيع التعبير عن خوالج نفسه ، فهو لم يزل يحتكم الى الشعور ، وسيظل كذلك لان الشعور هو العنصر الاول من عناصر النفس ، واحتكامه ( = الانسان ) الى الشعور يدفعه الى استعمال الخيال )) ( ص : 24 ) واذا مضينا مع هذه الصلة الى نهايتها الحتمية تكشف المفهوم عن وضع جديد تحتله (( المخيلة )) , لتفارق هو ان صلتها بالحواس

والغرائز ، وخضوعها من ثم الى العقل ، فى كتاب محمد الخضر حسين الى سمو صلتها بالشعور وصحبتها للقلب ، في كتاب الشابى وشعره على السواء .

بقدر اتصال الخيال بالشعور ، فى هذا السياق ، يصبح كلاهما أصل الابداع رعلته ، ليصبح الشعر - كالادب - تعبيرا عن الشعور ، فيؤكد الشابى - على نحو متكرر -(( ان الخيال الشعرى منشؤه الاحساس الملتهب والشعور العميق )) . ( ص : 67) وبقدر تجاوب الشعور مع الخيال ، ليؤكد كلاهما سمو المعرفة الروحية للقلب ، بالقياس الى المعرفة الآلية الباردة للعقل ، يصبح العقل نفسه دريئة للهجوم ، فى سياق اوسع ، يبدأ بما يقول ايليا ابو ماضى : (22)  .

سيرت فى فجر الحياة سفينتى    واخترت قلبى ان يكون امامى

ويصل ما يقوله نسيب عريضة : ( 23 )

ولنترك العقل حيث يبغى       فليس للعقل من شعور

بما يقوله الشابى :

عش بالشعور ، وللشعور ،   فانما دنياك كون عواطف وشعور

شيدت على العطف العميق ، وانها لتجف لو شيدت على التفكير

( ص . ص : 319-321 )

ليغدو هذا المنظور الجديد - من ناحية - بمثابة مواجهة اخرى للمفهوم الاحيائى للخيال ، و يغدو - من ناحية ثانية - بمثابة معيار فى تحديد درجات للقيمة فى فاعلية الخيال .

لقد ذهب محمد الخضر حسين الى ان التفاضل بين المعانى التخيلية يقع على (( غرابة الجامع بين الاجزاء المؤلفة ثم التوسع فى الخيال وبعده عن البساطة مع الالتئام بالذوق السليم )) ( ص : 51 ) . وذلك فهم يرجع التفاضل الى اساس عقلى صارم يرتبط بالعلاقات المنطقية التى تنبنيىبها الصور الخيالية ، بكل ما يتم به بناؤها من ندرة والتئام يقرهما الذوق السليم للعقل . ولقد كان محمد الخضر حسين متسقا مع هذا الفهم الشكلى ، عندما

تقبل مبدأ السرقة فى المعانى التخييلية على اساس من (( الكسوة البديعة )) التى (( تكون ادل . . . على البراعة (( التى يزيد بها فضل الفرع على الاصل . ( ص 25-29 )  .

وليس لمثل هذا الفهم مكان - بالقطع - فى السياق الذى تتحرك فيه أفكار الشابى ، ذلك لان مبدأ السرقة نفسه يتناقض مع الفردية او الخصوصية التى ينطوى عليها الشعور المبدع فى كل حالة . يضاف الى ذلك ان القيمة لا تتوجه - فى هذا السياق - الى الشكل الخارجى المنطقى ، بندرته او غرابته ، بل الى المحتوى الروحى نفسه . وما دامت فاعلية الخيال نرتبط بالشعور ، فى هذا السياق ، وما دام الشعور يتضمن معرفة اسمى من المعرفة العقلية الباردة ، فان قيمة الخيال قرينة ما يتضمنه من شعور , كما ان قيمة الشعور نفسه قرينة ما يتصف به من مدى او عمق . ولذلك يمكن التمييز بين درجات للقيمة - فى الخيال - على أساس من عمق مستويات الشعور نفسه ، ليقول الشابى :

(( الخيال مصدره الشعور ، فما كان الشعور دقيقا عميقا الا وكان الخيال فياضا قويا )) ( ص : 122-123 ) .

ولكن اذا كان الخيال الفياض قرين الشعور العميق ، فى الفعل المتحد للمعرفة والابداع ، فكيف يمكن التعبير عن هذا الفعل بالكلمات ؟ قد نقول ان الخيال يصل بين المدركات فى علاقات جديدة ، ويعيد تشكيلها يخلق منها عالما متميزا فى جهته واتحاد عناصره . وقد نقول ان فاعليه الخيال فى المدركات هى نفسها فاعليته فى الكلمات ، على نحو لا تختلف فيه الفاعلية الثانية عن الاولى الا فى مستوى النظر فحسب . ولكن الامر لم يكن يسيرا - على هذا النحو - عند الشابى .

لقد اقترن الجانب اللغوى من الخيال - فى ذهنه - بالتقسيمات البلاغية للتخيل - او المجاز - فنفى عنه القيمة بالقياس الى (الخيال الشعرى) ، فهمة - أى الخيال المجازى - بوصفه فاعلية لاحقة تجسد حدوس الخيال الاولى فى المكانه والوجود . ولان هذه الفاعلية اللاحقة تقسم بالمادية وتتصل بالمظهر الشكلى الخادع فى جانب من جوانبها ، ولان الرومانسيين انفسهم نظروا الى اللغة عموما بوصفها اداة قاصرة فى توصيل اعماق شعورنا وخصوصيته الفردية فى آن ، فلقد وصل الشابى بين نظرته الخاصة الى ((الخيال المجازى)) والنظرة الرومانسية العامة الى اللغة ، وتعامل مع هذا الخيال المجازي على اساس من قصور اللغة العامة فى توصيل اعماق الشعور

الفردى للشاعر ، وعلى اساس من قصور المظهر المادى فى اداء الحقيقة فى الوقت نفسه .

ان الشاعر - فيما تؤكد نظرية التعبير الرومانسية - يبدأ فعل تعرفه وابداعه بحالة من التوتر البالغ ، لانه يعانى شعورا داخليا فريدا فى نوعه وسماته . وعندما يحاول الشاعر اكتشاف هذا الشعور او التعبير عنه يصطدم باللغة التى يتعامل بها الآخرون . ان هذه اللغة لا تصف الا ما يجمع الافراد ولذلك فهى تتصف بالنمطية والتعميم ، وبالقدر نفسه تتصف بالعجز فى التعبير عن الشعور الخاص الفريد الذي يميز الشاعر عن الشاعر , والشاعر عن غيره من البشر ، بل الشاعر عن نفسه فى حالاته المتبانية ولان الشاعر يريد التعبير عن شعوره الخاص الفريد ، فى لحظة خاصة فريدة ، ولانه يريد توصيل خصوصية هذا الشعور وخصوصية لحظته الى الآخرين ، فلا مفر امامه من ان يلوذ بخياله ليواجه عجز اللغة . وعندئذ تظهر الفاعلية اللغوية للخيال من منظور متميز ، ينطوى على اعادة تشكيل علاقات اللغة فى مجازات وتراكيب جديدة . وكان الخيال بعد ان يقوم بعمل الأول بين مدركات الشعور - فى الداخل - يعود ليقوم بعمله بين معطيات اللغة - فى الخارج . ولكن اللغة ليست اداة طيعة في كل حال . انها نتابى على الشاعر كما يتابى المظهر على أداء الحقيقة ، فتغدو اللغة معضلة تعبيرية لا بد للشاعر من مواجهتها والشكاية منها فى الوقت نفسه .

ولذلك كان لامرتين ( الذي تهوس به الشابى فى ترجمة احمد حسن الزيات ) يتوجع من عجز (( اللغة الناقصة القاصرة )) ، وتلك هى (24) :

(( لغة الناس التى لم تخلق لشرح الغامض وتفسير المبهم ، وانما هى علامات ناقصة وكلمات فارغة وجمل جوفاء والفاظ باردة ، تمهرها نفوسنا بقوتها وحميتها واضطرابها صهر المعدن الادبى على النار ثم تصوغ منها لغة اثيرية مبهمة متقدة كالسنة اللهيب ، نفهمها نحن ولا يفهمها الناس لانها من نفوسنا وذواتنا . . . لقد كنت اجاهد . . . فقر هذه اللغة وجمودها لانى مضطر الى استعمالها ما دمت لا اعرف لغة السماء )) .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية