الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

قراءة في رواية " عائشة "، للبشير بن سلامه

Share

ملخص الرواية :

لرواية البشير بن سلامة ( عائشة ) ، مضامين اجتماعية وتاريخية ونفسية وثقافية . ويمكن تناول الرواية من زوايا مختلفة ، وتسليط الاضواء على جوانب عديدة . فالرواية كقطعة البلور تشع فى شتى الاتجاهات .

( عائشه ) البشير بن سلامه زاخرة بالحركة والمعانى والاحداث والشخصيات . ولنقف فى البداية عند مضمون الرواية كما ترمز اليه عناوين بوابها الاربعة ، التى تشكل رباعية الرواية الرواية ، وتحدد أماكن الاحداث ، فالتقسيم هنا مكانى ، يمتد ليحدد مغزى الاحداث وتفاصيلها .

تبدأ الرواية " بباب العرش " ويرمز الى تطلع ( الطاهر ) ، الشخصية المحورية للرواية ، الى الجنة الموعودة ، وهى قصور الاغنياء . ويذكر قول جدته بأننا خلقنا عندما أغلق باب العرش . وفى فهرس معانى الكلمات ، يطالعنا معنى ( باب العرش ) : ( يعتقد عامة الناس ان هذا الباب موجود فى السماء وعندما يفتح للانسان فطلباته كلها مجابة ) . وعندما رحل الطاهر من قريته الى تونس العاصمة أحس أن باب العرش فتح ودله الى تونس . والباب الثانى هو " باب الخضرة " ، وهو الباب المفضى الى مخدع عادل ، حيث يمارس الجنس صنوفا شتى . والباب الثالث " باب سطح " عندما انتقل الطاهر وأسرته الى شقة متواضعة بحى شعبى ، ومن خلال نافذة بالسطح تطل عائشة على الشارع ، وعن طريقها تتعرف على العالم الخارج بمجرياته وشخوصه . والباب الاخير " باب الجنان حيث استقر الطاهر وعائلته بالقرية بمنزل بفناء واسع ومطبخ ، وفى ركن من المطبخ يوجد " باب الجنان " المفضى الى البستان .

والابواب الاربعة رموز أو هى دلالات للنقلات المكانية والحياتية للطاهر وعائلته . فتتلخص حياة الطاهر فى تطلعه الى تونس وحياة المدينة ومجتمع الاغنياء ، مودعا قريته ، ثم تتاح له الفرصة للعيش فى أحد القصور ، فيتعرف على خباياه ومفاسده . ثم يهجر القصر بأسرته ليقيم فى شقة متواضعة بحى شعبى ، ثم يهجر مجتمع المدينة الى القرية حيث نشأ ، لكنه حمل معه هو وأسرته بذورا فاسدة من المجتمع الذى عاش فيه .

فالرواية مدورة ، أى أنها تدور فى دائرة لتعود من حيث بدأت . اذ تبدأ بمجتمع القرية وتطلع أحد أفراده " الطاهر " الى مجتمع المدينة ، لكنه لا يسلم من مفاسد القصر الذى عاش فيه ، وحين يعود الى قريته ، تكون الصورة قد تغيرت تماما ، فقد ارتحل الى القرية بأوزاره وآثامه ، وتنوء عائلته بخطاياها .

يصدمنا البشير بن سلامة فى أول الرواية بموت عائشة ، تلك الصدمة يجابهها القارئ قبل أن يخوض فى أحداث الرواية . وعائشة هى ابنة الطاهر . يتعقب البشير ابن سلامة والدها منذ ارتحل الى تونس وأقام بقصر الفريك مصطفى ، وزواجه بزبيدة ، وانجاب عائشة . ويعد موت عائشة فى اول الرواية ، صدمة نفسية متعمدة ، كصرخة حادة لادانة المجتمع ، إبان الحرب العالمية الاولى ، فى عصر البايات والحماية الفرنسية لتونس ، وتنتهى الرواية كما بدأت بموت عائشة ، محققا التدوير مرة أخرى ، أى العودة من حيث بدأ . والرواية كلها ادانة لحكم البايات وأعوانهم ، من أمثال " الفريك مصطفى " ، وهو يعد من عبيد البايات ، كما يعد البايات من عبيد الفرنسيين .

باب العرش :

حاول " الطاهر " عدة محاولات للسفر الى تونس ، متطلعا الى جامع الزيتونة والقصور والحدائق والمقاهى والملاهى . ثم جرب السفر ( بالكريطة ) سرا حتى لا تفسد الخطة ، قاصدا ابن عمه . وقضى ثلاث سنوات فى رحاب جامع الزيتونة لم تثمر شيئا . وحين قرر العمل فى شركة ( الترامواى ) ، نهره أبوه الذى سمى الشركة " مدرسة الفساد " ، لانها شركة فرنسية . وذهب به الى صديقه " الفريك مصطفى " ووالد الطاهر ( دائما يجرى وراء عظماء تونس ولكنه لم ينل من خلطته شيئا ولو حتى مظاهر العظمة ) ص 36 . وخصص الفريك غرفتين للطاهر تضمان مكتبة خاصة به .

باب الخضرة

عاش " الطاهر " مع علية القوم . التقى بزييدة ومال اليها . تراءى له القصر جنة موعودة . . ( السمو بعينه مع أفراد القصر كلهم ، والمعرفة والعلم مع " عادل " فى المكتبة وفسحة الامل عندما ينظر الى " زبيدة " ) ص 62 . و " زبيدة " تكفل بها " الفريك " ، وكادت تقع فريسة لابنه " عادل " ، فتصدى له " الطاهر "  مستغلا " دوجة " المرأة المكلفة بخدمته . فتنازل " عادل " عنها ، قانعا بثالوث النساء " علجية " و " ربح " و " حليمة " اللاتى يستجبن لنزواته . تورط " الطاهر " مع " دوجة " . يقول لنفسه : ( فتح لى " باب العرش " فدخلت نظيف النفس ، طاهر الذيل الى هذا البيت ولم ألبث أن ولجت " باب الخضرة " ثابت القدم فى حياة الدعارة والفساد ، والخذلان ) ص 77 . ووافق " الفريك " على زواجه بزبيدة . .( وتكفل " سيدى مصطفى " بكل المصاريف بطبيعة الحال . وليس " للطاهر " الا أن يغسل ساقيه ، ويدخل على العروس ) ص 88 .

باب سطح :

خشى " الطاهر " على زوجته من " عادل " . أنجب " عائشة " التى صارت البسمة الحلوة للجميع . ساءت العلاقة بين " الطاهر " و " عادل " ، فسافر " الطاهر " الى بلدته ، فسنحت الفرصة لتلتقى " زبيدة " بعادل ، وتتورط معه أنجبت " الناصر " بعد تسعة أشهر ، فلا يشبه أمه ولا أباه . هو طفل الخطيئة .

قرر " الطاهر " مغادرة القصر ، ليسكن هو وأسرته بحى شعبى . مات " الفريك " ، وبموته تنحل العلاقة التى تجمع أفراد العائلة ، عامل الاب ابنته " عائشة " معاملة طيبة ، بينما قسى على " الناصر " . ترددت " سكيلة " الارملة على بيته ، و " زبيدة " لا تبالى بشئ بعد انقضاء أيام العز .

نشبت الحرب ، فعانت الاسرة من نقص المواد الغذائية . انعكست آثار الحرب على بيت " الطاهر " ، الذى تزوج " سكيلة " وعاد الى قريته . . وسجن " الناصر " لجريمة أخلاقية ، ودخل جيوش الحلفاء تونس ، وسجن " عادل " فى قضية قمار وفساد .

باب الجنان

انتقل " الطاهر " وعائلته الى القرية . أقامت " زبيدة " وأولادها فى غرفة ، و " سكيلة " وأولادها فى غرفة ثانية . وتسلط " الطاهر " على الجميع ، بعد

موت أبيه . خرج " الناصر " من السجن ، وأغرى امرأة أبيه ، فلانت ورضخت . بينا " سالم " أكب على مداعبة " عائشة " فزلت معه ، حاول خطبتها فرفضت أمها . وخطبت " لخالد " ، وبعد الزواج ، افتضح أمرها ، فطلقها بمعروف . مرض خالد بالشلل ، فطببته " عائشة " لكنها بدأت فى الهذيان . ومات " خالد " فتزوجت شيخا فى السبعين يدعى " المكنز " ووقعت فى حبائل ابن أخيه " الازهر " ، الذى تعرض لحادث أدى الى بتر يده .

مرضت " عائشة " بالسل . احتضنت بنت أختها ، وتمنت أن تموت معها ، وألا تبقى معهم ، فهم ( أشرار لا يحبون البنت فهى اما موؤودة أو موجوءة ) ص 170 . كما مات " سالم " فى حرب الهند الصينية .

تزدحم الرواية بعشرات الشخصيات ، تتداخل العلاقات فيما بينها وتتشابك ويظل " الطاهر " الشخصية المحورية التى بنيت عليها الرواية ، على الرغم من تسمية الرواية باسم ابنته " عائشة " . وقد ترجع التسمية الى أن " عائشة " ولدت فى ظروف غير طبيعية ، فنشات تشرئب للعالم الخارجى ، وتتطلع اليه هى ابنة القهر ، والتردى ، والخطيئة ، والكبت . وهناك شخصية فى الظل ، لم يتضح لها دور مؤثر ، هى شخصية " على " من هو " على " ؟ يقول المؤلف فى مدخل الرواية : ( ستكون رباعية " العابرون " عاجة بالاشخاص ولكنها ستستقطب أربعة منهم : عائشة وعلى وعادل والناصر ) ص 5 . نعرف " على " فى مستهل الرواية ، ملتاعا لموت " عائشة " ، وهى رفيقة صباه ، مستعرضا أطوار حياتها . . فقد ( قصت عليه عائشة قبل عام من موتها محنها ، ولكنه يعرف دقائق أخرى ، غابت عن " عائشة " وتلقفها من هنا وهناك ) ص 11 . ويروى " على " الرواية كلها . وفى الصفحة الاخيرة يقول المؤلف : ( هكذا مرت بخاطر " على " أثناء مراسم جنازة " عائشة " كل مراحل حياتها ) ص 171 . ولم يظهر " لعلى " أى دور ، ولم يشارك فى أى حدث ، رغم أنه رفيق صباها . واخفاء دور " على " أو شطبه من الرواية ، وعدم تبين العلاقة التى ربطته " بعائشة " ، يبعث على الظن أن " على " هو مؤلف الرواية . يؤكد ذلك حرصه على تأكيد أهمية دور " على " فى مدخل الرواية ، رغم أن القارئ لا يكاد يتبين ملامحه أو شخصيته ، سوى حضوره جنازة " عائشة " رفيقة صباه . . وروايته لاحداث الرواية كلها ، كما مرت على خاطر " على " .

وفى الرواية أشياء حادة بارزة ، وهى الاسباب الموضوعية لتحريك الاحداث مثل : حكم البايات والحماية الفرنسية لتونس ، والاحقاد والرغبة فى الانتقام .

لكنها تتجه اتجاها سلبيا ، حيث تتخذ من الجنس والقمار والمخدرات مظهرا لها ، دون أن يكون الاشخاص قادرين على فعل شئ سوى الاضرار بذواتهم وتدميرها معنويا . وانعكس طغيان الرجل واستبداده على علاقته بالمرأة ، التى لم يعرف لها دور ، أيا كانت شخصيتها سوى ارضاء نزوات الرجل ، ويتردى الجميع فى الخطيئة واللذة المحرمة ، كذلك التفاوت الطبقى ، أدى الى اتساع الهوة بين طبقة الاثرياء وطبقة الفقراء المعدمين ، مما ولد فى نفوس الفقراء أحقادا . كما لم تظهر فى الرواية أية علامة تشير الى تعليم الفتاة ، بل هى حبيسة البيت ، تعانى الكبت والقهر . فالشخصيات النسائية شخصيات مقهورة ، وتتبدى ايجابيتها فى الجرأة الوقحة على ممارسة الجنس .

وفساد البايات ، وممالأتهم الفرنسيين ، والتواطؤ معهم ، ترك أسوأ الأثر فى نفوس الشعب . واستطاع البايات تحقيق مآربهم عن طريق فئة تعاونت معهم لمصلحتها ، وأثرت هذه الفئة ، وسكنت القصور ، وهم عليه القوم ، أمثال " الفريك مصطفى " ، الذى يقبل الظلم ويسخر نفسه لخدمة الظالمين ونظام الحماية ، والفريك لا تهمه المفاسد بقصره طالما بقيت طى الكتمان . فالفريك يتنصل من المسؤولية ، ومن رعاية عائلته ورعايا قصره . تهمه صورته الظاهرة خارج حدود القصر . لكنه متأزم داخليا . وقد كاشف الطاهر بمعاناته ، فالفرنسيون يحتقرونه ، وكذلك البايات ، وهو معرض لغضبهم لاية هفوة وقد عزل مرتين ، ومنع عنه أصدقاؤه ، أو هم يمنعون أنفسهم . . ( نعم أنا من الحاشية ولست من الحاشية ) ص 100 . كما لا يتحرج الفريك ، فى زيارته لزبيدة بالحى الشعبى ، من مكاشفتها بأن الطاهر ثائر ضده ، غير راض عنه ، فهو من عبيد البايات ، والبايات من عبيد الفرنسيين ، والفريك يراه ابنه ( من أتقى الناس وأورعهم رغم انه فى خدمة هؤلاء البايات ، الظالمين السفاكين ، العائثين فسادا فى الرعية مع نظام الحماية ) ص 85 .

ورواية البشير بن سلامة مليئة بمشاعر الاستياء من الاستعمار الفرنسى ، ومن أمثلتها : خوف أم " الطاهر " من الرومى والجندية لما فيها من دفع فرنسا لأبناء تونس ليحاربوا لها . ووصف مراقب شركة الترام الفرنسى وهو يصعد يطلب التذاكر ( وهو شامخ بأنفه كأنه قائد حملة من حملات الاستعمار ) ص 36 ويدور حوار فى السجن بين " الطاهر " والمتفقد ، يكشف صورة من صور استبداد المستعمر فى البلاد . وأصدقاء " خالد " يتهمونه بأنه تعلم الميوعة من الفرنسيين ، واعتبروه خارجا عنهم .

تكشف الرواية عن التفاوت الطبقى بين الفقراء والأغنياء ، بين ساكنى القصور وساكنى الاحياء الشعبية ، بين مجتمع القرية ومجتمع المدينة . يقول البشير بن سلامة : ( عالمان اثنان التقيا فى هذين الشخصين : عالم " البلدية " وعالم ساكنى الارياف . هما ركيزتان لتونس الخالدة ، امتزجا منذ الدهور ، وبقيا على طبائعهما تتلاقفهما أمواج الاحداث ، وتفرق بينهما حينا ولكنهما محكوم عليهما بالتلاقى والتفاعل والاندماج ) ص 39 . وهى مقارنة ذكية لماحة معبرة ، قاصدا بالشخصين " الفريك مصطفى " و " أبى محمد " والد الطاهر . وكانت مغامرة الطاهر للسفر الى تونس ، تطلعا الى مجتمع المدينة ، هاربا من مجتمعه الريفى . يقول " الطاهر " لنفسه : ( نعم كلنا سخفاء ، ضعفاء . . نعم خلقنا لنكون كذلك " الرومى " خلقه الله ليكون سيدا وأهل تونس جعلهم الله عظماء . أما نحن فاننا خلقنا عندما أغلق " باب العرش " كما تقول جدتى ص 15 لكن هذا الباب انفتح له عندما ذهب الى قصر " الفريك " وعاش فيه . ويمثل عادل طبقة الاغنياء . يتهم الفقراء بالسفالة قائلا للطاهر : إنكم ( الوصوليون الفقراء الذين تعتزون بقدرتكم على اقتحام الحياة بجرأة ، ورقاعة لتقويم الناس وتأديبهم ، واشاعة العدل نقمة على ذوى اليسار ) ص 84. ويثور " عادل " على " الطاهر " ، حين يفاجئه وقت اتصاله بحليمة . يذكر له فضل أبيه عليه ، اذ انتشله من حياة الفقر . كذلك تتطلع " زبيدة " وهى بقصر الفريك ، أن تنال شيئا من الثروة والاملاك .

هذا التفاوت الطبقى ، خلق التوتر فى النفوس ، فاتسمت تصرفاتها بالنقمة والحقد والثورة . نلمس ذلك فى حقد أهل الطاهر عليه ، وزجرهم له اذ هو لم يذكرهم بخير أو عطاء ، ولم يؤد لاحد منهم أية خدمة بحكم معايشته لعلية القوم ، ويعتبرونه مجرد خادم ، وحين يغادر " الطاهر " القصر ويعيش فقيرا ، تظهر أحقاده لأهل القصر .

والأحقاد قد تدفع الى الانتقام ، لكن الانتقام يأخذ مظهرا سلبيا . فعائشة تلبى نداء اللذة ( ملءا لفراغ حياتها ، وانتقاما من جسدها ومن نفسها ومن لمجتمع ) ص 167 . فالمجتمع لم يولها اهتماما ، ولم تكن الا متفرجة من خلال باب سطح على العالم الخارجى . وتشبعت بالحكايات الشبقية من النسوة العجائز ، واستمرأت مداعبات ابن أخى زوجها " الازهر " . . وكانت قبل قد فرطت فى شرفها مع سالم وكان ذلك سببا لطلاقها من زوجها الاول ، فأصبحت زلتها الثانية انتقاما لما جرته عليها الزلة الاولى .

وحين أساء " الطاهر " الى " عادل " ، اضطر الى ترك القصر عدة أيام . فاستغلت " زبيدة " غياب زوجها ، لترضى رغبة " عادل " ، طامعة أن تنال حظها من الثروة والاملاك . لقد خانت زوجها انتقاما لاساءته لعادل . و " الناصر " ابن الخطيئة ، يقابل معاملة أبيه السيئة ، بأن يوقع زوجته الثانية " سكيلة " فى الائم ، هى شهوة الانتقام من نفس غير سوية .

وعلاوة على الخلفية السياسية والتاريخية لرواية " عائشة " ، فهناك ظواهر اجتماعية مثل : عدم تعليم الفتاة ، فلم يذكر أن بنتا نالت حظها من العلم والثقافة . كما أن الشخصيات النسائية يقعن فى الاثم والخطيئة نتيجة الكبت الضاغط عليهن ، فالرجل هو المسيطر ، وهو المستبد ، وهو الطاغية . الرجل هو الآمر الناهى . فتبدو النساء شخصيات مقهورة ، مغلوبة على أمرها . ومن سيرة حياة " الطاهر " نلمس كثرة الانجاب . تزوج " الطاهر " امرأتين ، وانجب منهما أولادا ، طمعا فى تحصيل علاوة الانجاب . لكنها أبدا لا تعوض أو تغطى متطلبات المعيشية اللائقة ، ومن هذه الظواهر : التشاؤم والحسد . فقد تشاءم أهل القصر من " الطاهر " لان قدومه ارتبط بحادث سقوط العربة و " الفريك " بداخلها . كما أن ناس الرواية لا ينطقون رقم خمسة أو مشتقاته ، أو يذكرون يوم الخميس صراحة .

وقد أدت هذه الظواهر الاجتماعية والسياسية والتاريخية الى فساد البيئة ، وانهيار المثل والقيم ، والارتماء فى أحضان الشهوات الحسية ، وتعاطى المخدرات ، ولعب القمار ، والشذوذ .

ولعب الجنس دورا أساسيا فى " عائشة " البشير بن سلامة ، لابراز ما آل اليه حال المجتمع من فساد وانحلال ، لكنه فى سبيل ذلك ، أسرف المؤلف اسرافا مخلا ، ولم نعد نتبين شخصية سوية على الاطلاق ، اللهم سوى شخصية " على " ، الذى لا نعرف عن حياته شيئا ، وشخصية بنت أخت عائشة الطفلة ، التى ماتت وهى طفلة ، مثل موت الامل الاخضر فى النفوس اليائسة من الصلاح والاصلاح .

فنساء الرواية تدفعهن الشهوة المحرمة ، النزوة الاولى تتم عن رضى ، ولا توجد حالة اغتصاب واحدة . الشخصيات النسائية مدفوعة لارضاء الجوع الجنسى . هذه " زبيدة " ترتمى فى أحضان " عادل " . و " سكيلة " مع ابن زوجها " الناصر " و " حليمة " زوجة الجنان مع " عادل " . و " سكيلة " مع " الطاهر " قبل زواجه

بها. و " عائشة " مع " سالم " ابن " سكيلة " ، ثم مع الازهر " ابن أخى زوجها ، الاول فض بكارتها والثانى خان عمه " المكنز " .

نعب الرواية من خضم الجنس وعالمه المريض ، فينتابنا ما أصابنا من " سأم " البروتومرافيا . لا سيما أن " عائشة " البشير بن سلامه جنحت الى الجنس الصريح ، ولم تومئ اليه ، والايماء يفى بالغرض ، وعلى سبيل المثال ، ايضاح علاقات " عادل " مع " علجية " و " ربح " و " حليمة " . و سلوك " الناصر " مع زوجة أبيه . وطالما سادت فوضى الجنس بين شخصيات الرواية ، فان من طبيعتها التلصيص والتجسس والتنصت والمراقبة والترصد ، وهى أعراض واضحة . . مثال ذلك ثقب " الناصر " ثقبا فى جدار ليرى مفاتن زوجة أبيه ، وتنصتت " عائشة " لسماع الحكابات الشبقية من العجائز ، وسماعها الحكايات والنصوص الجنسية من " سالم " واستمراء مداعباته . وعكوف " عادل " بغرفته فى انتظار من تطرق باب الخضرة . وقد يكون الواعز لذلك ، ايمان البشير بن سلامة بحرية الفنان في اقتحام عوالم الانسان الخفية ، فى ضوء الواقعية النقدية .

وعلاوة على وباء الجنس الذى فتك بأصحابه وهد كيانهم وشل ارادتهم ، فهناك أوبئة أخرى كتعاطى المخدرات ولعب القمار والشذوذ والتهور والطيش ، وامتدادا لتردى شخصيات الرواية فى الرذيلة ، تعرض شخصيتان غير سويتين " عادل " المتخنث وشذوذه ، و " الناصر " ابن الخطيئة بتهوره واستهتاره . بينما تبدو النساء شخصيات مقهورة ، وان كن يفرضن سطوتهن باللذة الجسدية ، يجابهن بها استبداد الرجل وطغيانه متمثلا فى " أبى محمد " و " الطاهر " . فبينما تبدو شخصية " الفريك مصطفى " انهزامية استسلامية ، تؤمن بسلامة الظاهر غير عابئة ببواطن الامور ، تؤمن بالشكل دون الجوهر .

وتبد " عائشة " شخصية قدرية . كتب عليها العيش فى وسط مريض ، فتمرض بذات الداء ، وتقع فى الخطيئة . وسرعان ما تذبل زهرة شبابها ، تمرض بالسل ، وتموت ، فعائشة بذرة بذرت فى تربة غير صالحة ، فلم تقو على النماء ومواصلة الحياة . هى شخصية مقهورة ، عانت من الكبت والضغوط ، كالنبت الاخضر فى تربة غير صالحة ، سرعان ما يذبل ويموت . هكذا ماتت " عائشة " وماتت معها بنت أختها الطفلة ، وتتحقق بذلك أمنية " عائشة  " بأن تموت معها ، حتى لا تقع فى المحظور ، وتنال من الشقاء ما نالته هى .

الموت ، يجابهنا فى أول الرواية ، وفى نهايتها ، وفى تضاعيفها ، فعائشة تموت ، والفريك مصطفى ، وأبى محمد ، وخالد ، وسالم ، وابنة أخت عائشة . على أن موت " عائشة " فى صدر شبابها ، يتمثل قبالتنا نصلا داميا ، وتتجسد فجيعة الاب فى ابنته .

ويلتاع " على " لموتها . يحس بوخزات كوخزات الابرة تضرب سويداء قلبه . وينتصب " خالد " زوج " عائشة " الاول ، وبيده ( نافعة ) يهوى بها على ربيب  عائشة " سالم " . يجسد المؤلف هذه الصورة ، كأنها واقع يعيشه " على " ، يدعمه بصورة حسية . . ( وتلاحقت الضربات مدوية فى أذن على وتعالى صراخ سالم ) ص 10 . . ثم افاقة للواقع ، كمن ينهض يقظا من حلم يرتبط آخر خيط فيه بأول خيط من دنيا اليقظة . . ( ولكن على فرك عينيه وتبين له أن الصراخ آت من دار الميت وان الضربات صادرة عن النعش الذى كان يحاول القوم ادخاله من الباب ومصراعاه يتلددان فى الطاعة ويصكان بقوة الجدار ) ص 10 . صورة الضربات المدوية تعيش فى وجدان " على " تفصله عن دنيا الواقع ، لترده اليها متنبها ، لتكون الضربات صادرة عن النعش . وتستبطن نفسه هذه الضربات ، لصورة وقعت فى الماضى وتجترها نفسه ، فى الوقت الذى نلمس نفس ايقاع الضربات لاصطدام النعش بالجدران القوى . يحاول الروائى أن يكشف عن الغلالة الشفيفة بين عالم الواقع وعالم الخيال ، والذى يربط ما بين العالمين ، شئ غامض فى النفس البشرية ، قد يتجسد فى الاحلام أو فى التكهن بالمستقبل ، أو فى الايحاء ، وما الى ذلك من مصطلحات أقرب الى الدراسات النفسية لشرح مدلولاتها وبواعثها .

يعبر الشبير بن سلامة عن لوعة الموت لدى الأب المفجوع ، بأسلوب فنى ، يعمد الى الرمزية البسيطة المحببة ، متجنبا التعبير الانشائى عما فى أغوار نفس " الطاهر " والد عائشة ، ليستعيض عن ذلك بصورة حركية تتمثل فى حر كة الذبابة التى أقلقته ، ( وأبت الا أن تزور تارة منخريه وطورا مآقى عينيه ، وكأنها تتجسس عليه ، وتريد أن تعرف مدى حزنه من دمعه ومخاطه . وكأنه فطن الى خزعبلاتها فترصدها وحرك يده بسرعة وتلقاها بعيدا قليلا عن عينيه وقبض عليها قبضة هالكة . ونادى عند ذلك المنادى الى الجنازة وتبع الناس النعش الى الجبانة ) ص 10 . فضيق " الطاهر " بحرية الذبابة ، هو ضيق بالموت ذاته . والتساؤل الذى طرح ( من يأخذ بثأر عائشة ؟ ) ص 11 . وبعد قتل الذبابة المضجرة التى هاجمته لحظة الفراق ، اذا بذبابة اخرى تتراقص أمام

عينيه . ولنقف قليلا عند هذه الصورة الحركية البارعة . . ( ولكنها لا تقدر على المكوث طويلا فى مآقيه . فحر كة يد الطاهر المصافحة للمعزين لا تترك لها الفرصة للأخذ بثأر أختها المقتولة منذ حين ) ص 11 . حركة اليد باعثها مصافحة المعزين باعث ظاهر ، لكن الباعث الخفى هو أنها لا تتيح للذبابة أن تثأر ويعقب هذه الصورة تساؤل عن ثأر عائشة ، فتكون الصورة الحركية للذبابة الثانية ، هى المقابل الموضوعى لما تضمره النفس بشأن ثأر عائشة . بينما قتل الذبابة الاولى ، هو تعبير عن الضيق والتبرم من الموت .

كما يرصد الروائى أحداثا تقع مصادفة ، مثل موت عائشة وبنت أختها بنفس المرض وفى نفس اليوم ، فيجمعهما نعش واحد ، مثلما جمعهما الحب . هى صورة من صور الرومانسية المغلفة برهافة حسن كاتبها .

ومن صور التعبير عن ( الموت ) بطريقة حركية ، تبين عن تعاسة النفس الانسانية ازاء فناء الجسد . . صورة ضمنها الكاتب كل ما يود التعبير عنه ، استغنى عن تصوير حالة التعاسة ، بكلمات وصفية للمشاعر والاحاسيس المقهورة ، ليضعها فى اطار صورة حركية ، تتمثل فى الدجاجة السوداء التى ( تجهد فى أن يصل منقارها الى ما فى " العجانى " من عجين أعد " لحمى " الخبز فى " الطابونة " . انها تبدو له وكأنها الغراب فى هجومه على الجسم الذى فارقته الروح ينهشه نهشا ويحيله عظما . لكأنه القبر يحتضن الميت فينسيه بأكل لحمه ودمه عذاب الدنيا وآلام الجروح التى أثخنت الجسد ) ص 16 . وهذه الصورة عبر بها عن مستقبل الطاهر الحالك ، كهذه الدجاجة السوداء . فمستقبله مقرون بالصورة المقززة لنهش لحم الميت ، برغم ترفق الروائى بنا ، فصور السلوى فى أن القبر يحتضن الميت وينسيه ما لاقى من عذاب فى الدنيا ، براحة الجسد مما أثخنه من آلام .

قد يلجأ الروائى الى مخاطبة القارئ مباشرة ، متخطيا الحاجز الذى اصطنعه ، كراوية لاحداث الرواية ، مثلما جالت بخاطر على مثال ذلك حديثه عن الشيخ حسن ، يصفه ويحلل سلوكه ، ويكمل حديثه عنه مخاطبا القارئ قائلا : ( أما اذا تكلم فلا تبحث عن شبيه به لأنه ارتضى أن يأخذ من الديك " سردكته " ومد عنقه وهز جناحيه . ولا يذهبن بك الظن أنه سيغير من هيئته . . الخ ) ص 29 .

يعتمد أسلوب البشير بن سلامة على الوصف والتحليل للواقع التونسى والعادات التونسية ، وقد يقف بالقارئ عند حى أو منطقة مسهبا فى الوصف

بعين الفاحص المدققق . لذا نجده يطعم روايته بكلمات شائعة فى اللهجة التونسية معتمدا على الثبت بآخر الكتاب عن معنى الالفاظ ، وان لجأ أحيانا الى شرحها فى سياق الرواية . مما يجعل قارئه متعايشا مع المجتمع التونسى ، قريبا من عادات أهله وثقافتهم . مثال لهذا وصفه للباس والد الطاهر ولباس الطاهر ، فيقول : ( هو بجبنه وكل ما يتماشى معها من توابع ووالده بقميصه ( سورية مدورة ) بدون ياقة والمسترسل الى الكعبين " وبحرامه " ( عباءته ) وبلغته ، وشاشيته " المزملة " بعمامة " تبرورى " ( قماش محبب ) وهو لباس العامة ) ص 34 . هنا شرح معنى القميص والحرام والتبرورى ، وفى فهرس الالفاظ يضيف مزيدا من الشروح للحرام أو التبرورى . ولولا شروحه وتفاسيره لمدلولات الالفاظ الشائعة فى اللهجة التونسية ، لا ستعصت بعض المعانى على القارئ غير التونسى .

كما أنه مغرم بوصف الاماكن ، مثل وصفه لباب سويقة التى ( تعج بالناس وبطحاؤها تموج بالعربات ( الكرارس ) وبالبراوطية الذين يتفننون فى وصف سلعهم من بطاطا وطماطم ، ورمان ، ودقلة ومادلينة وقسطل وموز و " الشياتة " يغدرون ويروحون والترامواى يئز بصوته المألوف ، والناس يتساقطون عليه كالذباب الحافل قرب عراجين " الدقلة " المعلقة فى واجهات دكاكين الغلال ، أو اللاصق بطوابق اللحم المزينة لحوانيت الجزارين ) ص 34 . وانصب الوصف على بائعى الخضر والغلال أو " البراوطية " وماسحى الاحذية أو " الشياتة " .

وبرغم ولوع الكاتب بالوصف والتحليل ، الا أننا نفتقد وصف ملامح شخصيات الرواية ، فلا يحفل الكاتب بها ، وانما هو يتجه الى الدافع النفسى والى الفعل مباشرة ، تتخلل ذلك استراحات قصيرة ليصف ويحلل الواقع التونسى ، والاماكن التى تدور فيها احداث روايته . وان لجأ الى وصف الملامح ، فلخدمة الدافع النفسى أو الفعل ، ودون ذلك نتعرف على شخصيات الرواية بنزعتها ودوافعها وأفعالها .

وقد يبالغ فى الوصف ، أو يكون الوصف غير مطابق للغرض ، وهى حالات قليلة . . مثال ذلك تشبيه صوت نقنقة الضفادع بالموسيقى . فالنقنقة برتابتها لا تتلاءم مع ما تشيعه الموسيقى فى النفوس . وفى قوله : ( أما النساء فيوم الجمعة مع أصحابه فى حومة . . يقضى وطره منهن وضميره مرتاح ) ص 71 . فكيف تتأتى راحة الضمير مع قضاء الوطر ؟ ربما هى راحة نفسية باشباع اللذة الجسدية ، ولكن ما دخل راحة الضمير فى هذا ؟ ربما كان المقصود أن يقضى

وطره دون الوقوع فى مشاكل . " فدوجة " خادمته أو وصيفته ، واذا مالبى نداء الاغراء الصادر منها ، فان ثقة " الفريك " فيه ستهتز ، ويقع فى مشاكل هو فى غنى عنها . وفى كل الاحوال ، لا أجد أن قضاء الوطر باعثا على راحة الضمير .

وفى وصف " الأم عزيزة " يقول : ( أما الجبين فلا جبين وفاء ربما للقرد جد الانسان ) ص 122 . متأثرا بنظرية داروين عن أصل الانسان ، مع المبالغة فى رسم صورة منفردة للعجائز وانسياقه فى الوصف المسهب لاخت زبيدة والتى تدعى " خالتى " و " أمك عزيزة " فهى - بتعبير المؤلف - ليست من فصيلة الانسان ولا الحيوان وبالغ فى تصوير قبحها ، واسترسل فى هذا ، باسراف أعتبره مخلا للسياق . . حتى أنه يلتمس من قارئه العذر ، فيقول : ( واعذرونى اذا أنا لم أملك قلمى فى هذا الوصف ولم أدققه ) ص 123 .

وقد يجنح به الوصف ، الى الاسترسال فى تعقب المشبه ، بطريقة قد تجهد القارئ ، وتصرفه عن المعنى المقصود . . مثل قوله : ( ولكن الزمن المرفوق بآفة الغفلة والتهاون أضر بالغرفة وأفسد وجهها وطعن وسامتها بخنجر الاهمال ، فانقلبت الطعنات ضفائر تنحل فى صمت الانهيار ، وتتهافت تحت لمسات رفيق التلاشى وميت الانتهاء فتئن بأنين خشبها ، وتدمع عينها بدفق رطوبتها ، وبتناثر جلدها فى أناة ضيقا بالحياة وتعبا أليما ) ص 135 . وبرغم ذلك ، أعتبر هذه الفقرة صورة جمالية أجاد رسمها يراع شاعر ، لكنه أسلوب يبتعد عن أسلوب الرواية كلها ، ويمثل ( نقلة ) فجائية من الاسلوب الواقعى ، الى أسلوب يتسم بالشاعرية .

ويعج الفصل الثالث ( باب سطح ) بالعديد من الشخصيات ، وتغيرت لغة القص . . فبدلا من الغور فى تحليل الاحداث ، أسهب المؤلف فى وصف الشخصيات ، وازدحام بيت ( الطاهر ) بالعجائز ورغبته فى الزواج من ( سكيلة ) التى تزوره هى وأولادها . وربما قصد هذا الازدحام فى مكان ضيق ، كشعاع ضوء كاشف لحياة الطاهر العائلية ، ولامبالاته ، ارضاء لنزواته وشهواته .

وازدحمت الرواية بالعلاقات الجنسية ، وتداخلها ، ولو أن مؤلف ( عائشة ) قصد الرمز والايماء بدل التصريح ، والايجاز بدل الشرح ، لكان أفضل . حيث أم الجنس لم يقصد لذاته ، وانما كان ضروريا لنمو وتكثيف الخط الدرامى ، وكشف صور المفاسد فى حقبة معينة .

وقد شكلت كلمات الرواية تشكيلا كاملا ودقيقا ، مما لم نعهده فى الكتب الحديثة الا فيما ندر ، وذيلت بفهرس لشروح الكلمات الواردة باللهجة التونسية وبذلك تستقطب الرواية جمهورا عريضا من قراء العربية ، وبالرجوع الى الفهرس ، نلمس تقاربا بين اللهجتين المصرية والتونسية مثل ( البسيسة )  و ( البشكير ) و ( بلغة ) و ( الشيشة ) و ( الطابونة ) وما الى ذلك . كذلك نلمس بعض التقارب بين العادات ونمطية الحياة التونسية والمصرية .

ان لرواية الاستاذ البشير بن سلامة ( عائشة ) قيمة اجتماعية وتاريخية ، فعائشة هى الصرخة الزاعقة لادانة عصر ، ومجتمع ، ونظام حكم تواجد فيه الدخلاء وأعوانهم . وتتسم الرواية بالقدرية ، وتسليط الاضواء على تيار كان سائدا ، وأشاع روح الهزيمة والاستسلام فى النفوس . واذا كانت الرواية تفتقد بصيص ضوء ولو باهتا ، فالصورة برغم سوادها ، ترنو الى المستقبل ، نرتجى منه التغيير والاصلاح .

اشترك في نشرتنا البريدية