الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

قراءة في كتاب (( إشارات أدبية ))

Share

من الكتب الادبية التى صدرت خلال سنة 1982 كتاب صغير الحجم أخضر الغلاف فى 147 صفحة للاديب المعروف رشيد الذوادى (( إشارات أدبية )) وما كانت هذه الاشارات الا لان الكاتب أراد أن يسلط الضوء على مسائل أدبية هامة ليذكى الحوار حولها حينا ولينفض الغبار عن بعضها أحيانا ، فى مقالات قصيرة اذ نشرت كلها بالصحف اليومية ما بين سنتى 1980 و 1982 . وقد قدم لهذا الكتاب الاستاذ محمد العروسى المطوى الذى أبرز فى كلمة قصيرة ما تكشف عنه هذه الاشارات من مبادئ آمن بها الكاتب وركز عليها جل كتاباته إيمانا منه بأن الادب قوة هادفة . ومن خلال قراءة مقالات الكتاب الاربع والعشرين يمكن تبويب هذه المقالات ضمن محاور ركز عليها الكاتب اهتمامه :

1 عناية الكاتب الأولى :

تبرز فكرته الرئيسية ومبدؤه الاول من خلال العناوين التالية : (( مسؤولية  الكاتب - الادب الذى نريده - حول الادب الذى نريده - لمن يكتب الاديب ؟ )) . ومن أول صفحة فى الكتاب وفى أول سطر نقرأ : (( الكتابة مسؤولية أو لا  تكون )) . فالكاتب إذ يحدد مفهوم الادب من خلال هذه المقالات يلح على ضرورة  (( الالتزام )) بالنسبة للكاتب حتى تكون الكتابة صادرة عن معاناة ووعى ومسؤولية فيكون الادب بذلك تعبيرا (( عن مفهوم الامة ومشاكلها وتصويرا صادقا للمجتمع لتحليل أخطائه والتعبير عن حاجاته )) وحتى يكون الادب أدب الجميع لا أدب الخاصة أو أدب طبقة معينة . (( فالادب الحق هو ما عبر عن حاجات النفس وتمثلت فيه معانى الرجولة وصور الواقع الاجتماعى تصويرا صادقا )) . فيؤكد الكاتب بهذا على ضرورة تصوير الادب للواقع وعلى متانة العلاقة بين الادب والمجتمع .

لذلك لا بد من تطويع اللغة للوصول الى تلك الغاية وقد تكون اللغة ثانوية أمام المضمون : (( والكتابة الخالدة لا يهم الشكل الذى تصاغ فيه بقدر ما يهم فيها المضمون والافكار والمحتوى )) . فيقف بذلك ضد المدرسة الجماليه فى الادب وينكر جدواها فيقول متحدثا عن أمثال أبى نواس ممن كتبوا أدبا

مجونيا : (( هو أدب ذاتى وخاص ولا يجوز أن ينشر )) لان غاية الادب لا الجمال الفني فحسب بل المضمون القيم الهادف .

②نماذج لأدباء حققوا هذه الغاية :

يهتم الكاتب فى مقالى : (( حركة التجديد فى الادب العربى )) و (( ظاهرة المواجهه فى الادب العربى )) بدراسة نماذج من شعر ونثر بعض القدامى والمحدثين صورت التزامهم ومحاولتهم تصوير الواقع المعاش كالمهلهل ، والشنفرى ، وابن المقفع ، الذى انتقد سياسة القوة والبطش فى حكايات :  (( كليلة ودمن )) فلم يكن بذلك سلبيا إزاء نظام الحكم فى عصره ، وعكف على الكتابه والاخذ عن الفرس لما يفيد وينفع مجتمعه ، ويؤكد بذلك على مبدئه الاول فى الكتابه الادبية . فيكتب فى احدى هذه الدراسات : (( الكاتب الحق مطالب بأن يبقى دوما فى موقع المواجهة والتصدى ، ولا يجر أية حال من الاحوال أن يظل منعزلا عن وطنه فى معركة تجسيد الاصالة والدفاع عن القيم الاخلاقية والوطنية )) .

③3 لقاءات وذكريات :

من ذكريات الكاتب ، نقل الينا لقاء مع الشاعر أحمد رامى ، وفى هذا اللقاء فى احدى الامسيات على ضفاف النيل ، تتدفق ذكريات الشاعر المصرى الكبير وأشعاره فيقدم لنا بذلك لقاء طريفا جمع الى جمال الشعر طرافة الذكريات . كما تقرأ : (( تحية الى صاحب الفكر )) ، وهو لقاء للاستاذ محمد مزالى (( على الورق )) وذكريات عن المفكر من أيام الكفاح ، أيام سعيه الى نشر الكلمة الطيبة التى تنير السبيل وسيره على درب النضال بالقول والفعل الى يوم ترقيه منصب الوزير الاول ، فيرفع اليه الكاتب تحيته وتقديره .

4 دراسات للأدب العربى القديم والحديث :

وتمثل هذه الدراسات جانبا تاريخيا فى الكتاب إذ نبحث فى : - تطور أدب الاطفال - تطور القصص الشعبى - تطور الشعر العربى فنقرأ : (( تساؤلات )) ، (( أدب الاطفال )) ، (( حول القصص الشعبى )) ، حيث يحلل الكاتب المراحل التى قطعتها هذه الانماط الادبية مع أمثلة حية منها  ، ويدلى برأية حول ما وصل اليه القصص الشعبى عند العرب ، وحول شروط الكتابه للاطفال : (( إن  الجودة فى الكتابة للاطفال فى رأيى تكمن فى عنصر التشويق وفى اختيار المضمون وفى عدم الرمزية وفى تجديد البنية اللغوية بحسب كل مرحلة عمرية للطفل )) .

5 تعريف لبعض المجالس والجماعات الأدبية :

تأتى مقالات هذا المحور فى الجزء الاخير من الكتاب اذ كانت آخر المقالات المنشورة ، ولكنها تظل بين أهم المقالات فى الكتاب ، نذكر منها : جماعة الديوان - جماعة أبولو - جماعة تحت السور - جماعة رابطة القلم الجديد ، فهى تحيى جوانب من تراثنا يكاد يهملها أدباؤنا رغم ما فيها من قيمة تاريخية وأدبية وحضارية .

تصور لنا هذه الدراسات تجمعات لأحباء الكلمة فى تونس وفى مصر منذ أوائل القرن العشرين حاولت أن تفرض وجودها وترفع شأن الحرف فى أيامها ، فيفتح أمامنا الكاتب دروبا نجهل الكثير عنها ويدخلنا المقاهى والدور التى احتضنت هذه الجماعات فاذا هى تحرك الحياة الادبية وتدفعها لتنهض وتنير ظلمة الجهل فتقيم المجالس والنوادى الادبية وتنشر انتاجها فى المجلات والجرائد ، ويروى لنا الكاتب بعض طرائف وأخبار هذه الجماعات سعيا منه للتعريف بكل ما وصله عنها ، وذلك حتى يسد ثغرة فى تاريخنا الادبى لجهلنا - تقريبا - بهذه الجماعات ومجالسها وأخبارها ، ولذا ، كما يقول الكاتب : (( بات من المتأكد علينا أن نكتب عن تاريخ أدبنا التونسى وعن مجالسه وجماعاته وتياراته وحلقاته المجهولة ليتسنى لنا فهم الكثير من هذه الحقائق وتوضيحها حتى نعطى لهذا الادب مستوياته الحقيقية ونثبت الاستقرارية فى ثقافتنا وفكرنا على الدوام )) .

الخلاصة :

وأخيرا ، بعد هذه القراءة السريعة للكتاب ، نلاحظ أن هذه المقالات تلقى الضوء على جوانب هامة من تراثنا وتشعل الضوء الاحمر للذين يتيهون بين شتى المذاهب ، منبهة الى غاية الادب الحقيقية . ولكن تبقى هذه المقالات بعيدة عن الدراسة العميقة والمتأنية ولعل عذرها فى ذلك كونها كتبت لتكون مقالات سريعة القراءة سريعة الهضم فى الصحف اليومية . وهذا ما جعل الكاتب يعنون كتابه ب (( إشارات أدبية )) رغم تجاوزه الاشارة فى بعض الاحيان الى إلقاء الضوء الكاشف على عدة مواضيع هامة . بهذه الدراسات يواصل الاستاذ الذوادى على نفس الخط الذى انتهجه لنفسه بداية من (( أدباء تونسيون )) الى (( عظماء بلادى )) الى (( جماعة تحت السور )) ، واذن هذه الاشارات (( عينة من مبادئه )) كما ذكر الاستاذ محمد العروسى المطوى وصورة مجسمة لافكار حول الادب الهادف المسؤول رغم ما فيها من تعميم أحيانا وتطرف فى الاحكام أحيانا أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية