الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

قراءة في " وشم " عبد الرحمن مجيد الربيعى

Share

" ان الرواية بحث مستمر عن الحقيقة ، وميدان بحثها هو العالم الاجتماعى ، ومادة تحليلها هى عادات الناس التى تتخذ دليلا على الاتجاه تسير فيه نفس الانسان " . " لايونيل توينغ "

المهم فى الرواية الواقعية ان يعمد الروائى الى تسجيل مظاهر الواقع المعاش ، ونقل صورة فوتوغرافية عنه ، تغنى عن مشاهدته.. لكن المهم هو ان تقوم هذه الرواية بعملية ( قمعية ) فيها لون من العنف العالى الذيذبات ، كى تتمكن من ( تصدير ) عقل القارىء ومشاعره الى ذلك الواقع فيعيشه بنفس درجة الحرارة التى عاش فيها المؤلف " الروائى " فالقارىء الواعى لرواية عبد الرحمن مجيد الربيعى ( الوشم ) لا استغرب اطلاقا إذا ما ترك لرواية وهو ما زال فى منتصفها.. ويفتح باب بيته ، ويخرج للشارع يتفحص عيون الناس على ضفة النهر.. وفى البارات.. وقريبا من السجون بحثا عن ( كريم الناصرى ) بل خيل الى وانا أقرأ الرواية أنه من الممكن فى أى لحظه قريبة أن يفتح كريم الناصرى باب البيت ، ويقتحم عالمى هذا.. وهنا تكمن براعة الربيعى فى مقدرته الفائقة على استحضار العوالم الخصبة للشخصية , والابعاد الخفية فيها ، سواء كانت سلوكا أم أوصافا وروايته ( الوشم ) ربما لا تعنى شيئا لدى الباحث عن الاوصاف التقليدية للرواية من : زمان ومكان وشخصيات وعقدة.. الخ.. انها مزيج من هذا وذلك فى تدفق شائك لا يراعى الرواسب والحدود.. فبينما انت مع حسون فى لحظة ايمان او ما يشبه ذلك , اذ بشهر زاد تقتلعك من هذه اللحظة بعالمها النابض ، وجسدها المعتز بدون ايقاع يمنح كل مدخراته بلا انانية او تحفظ .. حيث انها امرأة لم تخلق لرجل واحد.. بل خلقت لكل الرجال .

وللربعى براعة اخرى تدلل على انه يكتب الرواية لا بقلمه لكن بأظافره التى تحرث فى واقعه ، تسلسل الاحداث مغلفة عنده بقدرة هائلة على التذكر حيث يتداخل عنده الحاضر فى الماضى ، والمستقبل فى الحاضر ، وتنعدم الحدود الزماكانية ، لينتج من هذه الانعدامية شئ يولد ببطء ، هو فى النهاية شريحة من واقع كل فرد منا . . فالزمان والمكان عنده لا يعنيان التداعى المعروف ، ولكنه التداعى الذى يفرضه شعور انسان معذب.. ناضل . . ولكن دون فائدة.. فبينما انت تعيش بكامل نبضاتك الانسانية مع ( كريم الناصرى ) فى السجن ، حيث لا شئ سوى قهقهات المسجونين ، ونكات ( كريم ) التافهة ..  فاذا به فجأة يضعك على سرير ( شهرزاد ) حيث هى امرأة خلقت لكل الرجال و ( تركتنا نحن الثلاثة متعبين لاهثين تتدلى لستنا ) . . وكل ذلك يتم على صوت أذان حسون وأدعية حامد الشعلان لا يهم عند عبد الرحمن الربيعى التسلسل والتداعى المنطقى للاحداث والزمان .. المهم عنده ان ينقلك بنوع من ( العنف ) الى عالمه هو . . ( عالم الروائى ) . . العالم الذى تعرف فيه كيف يقمع الانسان ، وتتلبد مشاعره الانسانية وتتوقف عن العمل . . ويصبح رهين قلم وورقة .. واعتراف فى الجريدة .. انسحاب مغلف بنوع من البطولة ( اللامرئية ) .

وشئ هام جدا ذلك الذى تشخصه رواية ( الوشم ) فى تقديرمها لنماذج من رموز بشرية تعيش فى واقعنا.. مثل ( حسون السلمان ) و ( حامد الشعلان ). . النموذج المزيف أو فلتقل القلق الذى لا يعرف بدايات النهاية , ولا نهايات البداية ( . . فلا الحزب قدم له الخلاص . . ولا التنظيم ، الصق المنشورات على حوائط الحمامات المقابلة للنهر . . فكان لا بد من تجريب المشجب الاخير . . والذى دائما ما يلجأ اليه الفرد والجماعات فى اعقاب كل عزيمة .. مادية أم معنوية . . وهو ما لجأ اليه حسون السلمان ومن قبله حامد الشعلان ... وفى نفس الاطار نضع صرخة علوان الحلاق ( هل عدتما لمناقشة هذه النظريات الجوفاء ؟ . . ان الواقع غير الاقوال التى تثرثران بها دائما , وهى التى قادتنا الى الفشل الذى نرضعه الآن ان سبب بلائنا انتم ايها المثقفون ، لماذا لا تتركوننا وشأننا وترفعون عنا وصايتكم التى لا نريدها ؟ ). هذا من ناحية موضوعية ، حيث تحمل ( الوشم ) اعمق التنقلات فى واقعنا الذى طالما أهمل عفوا او قسرا وهروبا .. الواقع الذى من افرازاته الطبقية كانت ( الشخصية الهروبية ) التى تبدأ نهايتها قبل بداية البداية . . ومن مجموع هذه الشخصيات كان الواقع الجبان الجريح.. عميق الجرح ، الذى نعيش.. والغريب جدا انك - ربما لا تحس بآثار السجن والمعتقل لو كنت

أحد خريجيه بنفس الحدة لو كنت أحد الخريجين ل ( وشم ) الربيعى ... فبعد خروجك من الرواية تنطبع آثار المعتقل القمعية .. المادية والمعنوية .. تنطبع على جسدك ونفسك بنفس حدة ( الوشم ) المطرز على فخذيها عندما ذهب يطلب لديها الراحة والشهوة ، فشعر بغثيان فظيع . انه لا محالة .. وافقنا أم كتبنا الاحتجاجات .. فهو واقعنا .. منه تخرجنا ولفتنا الشوارع وبيوت ( شهرزاد ) ومثيلاتها.. وبالتالى فالخلاص صعب ولقد ( شوهنا الشك والفشل يا كريم ، وها نحن الآن كالموتى الذين ينتظرون دفنهم ) . أتعرفون كيف يصبح المواطن.. أو صاحب البطولات الذى تهزمه سياسة الواقع العربى عندنا ..  فى ( وشم ) الربيعى ، وهو ( وشم ) الواقع العربى يصبح ( خروفا موثق العنق الى حبل طويل لا يرد بشئ غير الثغاء ).

ومن الناحية الفنية .. تكنيك الرواية ، يسيطر عليك الربيعى ... وتحس انه بهذه ( الفوضى ) - ان جاز ذلك - يعيد ترتيب أمورك النفسية .. يشكل حاد ينقلك الى عالمه هو.. حيث ظلت رأسه متيقظة رغم ما ألم بها.. وراء الجدران.. تحس وأنت تتابع سرد القصة ان الربيعى يلعب بك فعلا عن طريق تلك النقلات الرائعة التى يجريها ... ففجأة : بينما انت تتابع احداث الرواية , تسيطر عليه وعليك ( التذكرى)  او التذكر .. او  التداعى ، وهى من أهم كشوقات الرواية الحديثة ، وللبعد الجديد الذى اضيف للرواية حديثا .. مع تداعى التذكر الذى يشبه ( المونولوج الداخلى ) تشعر انك امام انسان عادى يحدثك عن تجربته الواقعية ... ونظرا لعمق هذه التجربة فى جروحه الجريحة ، تسيطر عليه الذكرى (( بعدها الرابع ) . . وقد طفت ( الذكرى ) هذه .. أو تداعى الذكريات على الرواية - رغم قصرها - مما اكسها ان تكون شريحة نفسية من واقع مهزوم . وميزة التداعى عنده فى عفويته .. فلا حرج عنده ان يسجل لقطة من ذلك ولو كانت صراحتها عند البعض منفرة ... فتسمعه يقول بعفوية مدهشة : ( لتمت مريم عبد الله او فلتكن فى المبغى العام ، ولتندثر اسيل عمران ، ولتذهب يسرى توفيق الى الجحيم ..) ... ونقطه هامة اخرى هى ان عبد الرحمن الربيعى لم ينبه القارئ إلى ان هناك بعدين يتجاذبان الرواية : بعد الواقع المرئى والمعاش والحاضر وبعد الذكريات المتداعية .. ورغم ابراز ذلك بالتنويع فى بنط الطباعة الا انها فرضت نفسها على القارىء العادى والذكى ليميز بين هذين البعدين فكنت تحبس ان يعد الذكريات المتداعية تدخل فى السرد العادى بنوع من التسلط والتعسف .. فلو سلخت هذه الذكريات لبقيت أمامك قصة مسرودة غير مؤثرة .. بل لجأ البعض الى تنبيه القارئ فى الصفحة الاولى الى ان المكتوب ببنط ( كذا ) هو

السرد ، والمكتوب ببنط ( كذا ) هو الذكريات او التداعى ، بينما فى ( الوشم ) تحس انها تقتحم عليك عالمك وتفتح لك بابا شائكا لتعبره الى عالمها هى.. الذى هو فى النهاية عالمك انك .

ومن ناحية فكرية ( خلاصية ) يبقى لجوء حسون السلمان الى الدين .. هذا اللجوء المفاجئ بحاجة الى مناقشة . . حتى هروب ( كريم الناصرى ) ولفظه لكل عشيقاته أمر يعرفنا بنوعية الواقع المتوحش الذى قمع فيه وفينا ( الانسان ) ليبقى شىء واحد : غول الشهوات والمصالح المادية فقط ، وربما ظهر ذلك فى تردد ( كريم الناصرى ) وتفكيره الدائم مرة فى ( مريم ) وأخرى فى ( اسيل ) وثالثة فى ( يسرى ) ورابعة مضاجعة مع ( شهرزاد ) ...

ان المتتبع للخيط المتنامى فى تكنيك الرواية عند الربيعى من مجموعاته القصصية الاربع الى ( الوشم ) يدرك قيمة الاضافات التكنيكية التى زود بها الرواية فى العراق .. الوشم .. وشمنا جميعا .. عرفنا أم تناسينا .. وفضل الربيعى ( الموضوعى والفنى ) انه وضعنا فى ( دائرته ) . . ووضع ( الوشم ) المعنى على كل بقعة من اجسادنا انه وشمنا ( وروايتنا ) جميعا .. ويبقى للربيعى الفضل ..

اشترك في نشرتنا البريدية