الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

قراءة متأخرة لديوان الزنج

Share

ملاحظة أولية : حين أتيح لى مطالعة مسرحية " الاخيار " تأليف مصطفى الفارسيى والتيجانى زليلة ، وقفت مشدوها أمام الصمت الذى تلا ظهورها فى حين انها، وبصراحة ، تشكل عملا أدبيا لا يقل روعة عن " السد " الذى مازال , منذ اكثر من عشرين عاما ، " يهز الارض ويقعدها " .

وحين تمكنت أخيرا من اقتناء " ديوان الزنج " تأليفا - وقد تعذر على تأملها قبل ذلك لظروف صعبة - وجدت نفسى أعيد قراءة " الديوان " المرة تلو الاخرى ، وبينى وبين نفسى أردد : " يا لجريمة نقادنا ! . . يا لجريمة مثقفينا ! . . كنز كهذا يبقى مغمورا . . ويحرم منه من لم يتمتع به مسرحيا ، فى الحمامات ، وفى قرطاج ، وفى المنستير . . !؟ " فى اعتقادى أن مركب النقص فى بلادنا والمتمثل فى الاستخفاف بكل ما هو تونسى , مازال يسيطر على عقول مثقفينا . . . وأن " سد " المسعدى ، لولا اعجاب طه حسين وعبد الحميد يونس - الدكتورين المصريين ! - به ، لما وجد طريقه الى عقول وقلوب الناس ، هنا .

ديوان الزنج : ادراك واع لمشاكل العالم الثالث : بالاضافة الى الخطوة العملاقة التى يخطوها عز الدين المدنى بتجاوزه الشجاع لاشكال المسرح التقليدى ، والتى تستحق دراسة مستفيضة ، يسجل هذا المفكر التونسى رائعة أخرى من روائعة الجادة من خلال مواقف تاريخية وأسطورية ( خرافية ) مازالت تعيش معنا . . وتأكل " الماء والملح ( 1)"!  وفى هذا الديوان المسرحى الذى يقول عنه المؤلف - أحد شخصيات المسرحية -

". . لقد ألفت هذا الديوان المسرحى على ضوء الثورات ، والانتفاضات والانقلابات التى جرت فى النصف الثانى من القرن العشرين فى عدد من بلدان العالم الثالث ( 2) "

فى هذا العمل نجد المدنى الاديب الذكى الذى يتناول مشاكل الحاضر من خلال حقائق تاريخية قديمة ، ولعل من اسباب نجاح الكاتب ايمانه بالانسان ، واماننته فى فهم التاريخ وبالتالى أمانته مع نفسه ، العربية الاسلامية من جهة ، والمنتسبة الى عالم محكوم عليه بالخضوع الى " السارق ، شارب عرق الجائعين ( 3 ) . . "

ان أبرز مشاكل العالم الثالث ، عالم عز الدين المدنى ، تتمثل فى تحقيق آمال أربعة :

I ) السيادة الترابية ( التحرر من الاستعمار ) 2 ) البناء الداخلى . 3 ) التزام موقف الحياد ( عدم الانحياز ) 4 ) التعامل النزيه مع العالم المتقدم .

واذا أردنا معرفة موقف الكاتب ، او بالاحرى رؤيته لواقع هذا العالم من خلال هذه المشاكل ، نجده ينظر الى البناء الداخلى على أنه أصعب من العمل على الاستقلال السياسى :

يقول على بن محمد ، زعيم ثورة الزنج ، أمام الامر الواقع بعد نجاح الثورة : " شعب جاهل جاهل ! أرأيتتم ، ان الحرب أيسر علينا من بناء المدينة ( 4 ) ؟ "

أما عن معضلة الانحياز ، فى عالم " سئ النية " فان ستة من السبعة ، أعضاء مجلس الثورة ، ينحازون تلقائيا وحين يدركون ذلك فى آخر المطاف ، لا يجديهم " صدقهم وايمانهم " نفعا . . رغم تحذير أصغرهم :

يقول رفيق : " الاخلاص يكون دائما متحيزا . والصدق يكون دائما متحيزا ، ودع عنك الاتهامات ( يقصد على بن محمد الذى اتهمه بالتنكر لمبادئ الثورة , حين عارضهم ) أبصر حواليك يا رجل ! أنت ساذج ! كيف تخلص النية مع رجال لهم سوء النية ؟ وسوء الطوية ؟ وسوء الظن ؟ كيف ؟ قل لى : هل يجتمع الذئب والخروف ، ويتعايشان تحت سقف واحد ، ويتحدان فى اتجاه واحد ( 5 ) ؟ " أما عن تطلعات العالم الثالث " لتعامل نزيه مع العالم المتقدم " فان " معضلة تسويق ملح سباخ البصرة ( 6 ) مثل واضح لاستحالة هذه الغاية ، ففى حين يتكلم المتقدمون انسانيا فى البداية ، يقول أبو المحامد وهو أحد أعضاء الوفد العباسى الرسمى الى مجلس ثورة الزنج : " . . ولنتعامل لما فيه خير الانسان سواء كان حبشيا أو عربيا أو فارسيا أو بربريا ( 7 ) " بعد ذلك يملى أحدهم الشرط - المأساة وهو " التعهد باقامة الصلوات الخمسة باسم المولى والسيد الخليفة ( 8) "

تلك فى ايجاز أهم النقاط التى فهمتها من مسرحية عز الدين المدنى وهى نقاط حساسة جدا فى عالمنا اليوم ، بقى أن تعمل أقلام العاملين فى الحقل الثقافي على التعمق فيما يثيره هذا الديوان المسرحى من قضايا فكرية وقومية واجتماعية بل وحتى عالمية .

وأختم هذه الخواطر بتقديم اعتذارى الى عز الدين المدنى ، وبتوجيه تهنئتى - ولو متأخرة - لقلم وعد بالكثير والكثير ، وأخشى عليه " الاستقالة " فى زمن فقدنا فيه النقاد !

اشترك في نشرتنا البريدية