الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

قراءة موجزة عن جابر بن حيان الصوفي

Share

هو علم من اعلام الفكر الاسلامى (1) كنا نتوقع أن نجد عنه الروايه تستفيضة والخبر اليقين لكننا لا نصادف فى ذلك الا اقوالا متعارضة . فقد بلغ فيها اختلاف الرأى حدا ينكر معه المنكرون ان رجلا كهذا شهده التاريخ .

تقول عنه جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين : إنه لا أصل له ولا حقيقة (2) وبعضهم قال : إنه ما صنف وان كان له حقيقة الا كتاب الرحمة ان هذه المصنفات صنفها الناس ونحلوه اياها . ويعقب عليها صاحب الفهرست بقوله : ان رجلا فاضلا يجلس ويتعب فيصنف كتابا يحتوى على الفي ورقة يتعب قريحته وفكره باخراجه ويتعب يده وجسمه ثم ينحله لغيره اما موجودا أو معدوما ضرب من الجهل وان ذلك لا يستمر على أحد ، ولا يدخل تحته من تحل ساعة واحدة بالعلم وأية فائدة فى هذا وأية عائدة والرجل له حقيقته وأمره أظهر وأشهر وتصنيفاته أعظم وأكثر .

أما الاختلاف الثاني الذي نقع فيه يدور حول اسمه فهو آنا أبو عبد الله حار بن حبان (3) وأنا آخر : أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الكوفى (4) .

أما الاختلاف الثالث فى مسقط رأسه وتاريخ مولده حيث تعددت الروايات فهنالك من يعتبره فارسيا ولد فى طوس من بلاد خراسان (5) ورواية اخرى تقول : انه من طوسوس فقال عنه الطوسوسى (6) ورواية ثالثة تجعله صابئا من حران فقال عنه الحرانى أما صفة الكوفى التى نجدها فى الكثير من الروايات فهى على الارجح والمؤكد ترجع الى مقامه فيها مدة من الزمن - حيث قالت عنه الشيعة : انه من أهل الكوفة ... - وحدثنى بعض الثقات ممن تعاطى الصنعة : انه كان ينزل فى شارع باب الشام فى درب يعرف بدرب الذهب وقال لى هذا الرجل : ان جابرا كان أكثر مقامه بالكوفة وبها كان يدير الاكسير لصحة هوائها ولما أصيب بالكوفة الازج الذي وجد فيه هاون ذهب فيه نحو مائة رطل . ذكر هذا الرجل ان الموضوع الذى أصيب ذلك فيه كان دار جابر بن حيان فانه لم يصب فى ذلك الازج غير الهاون فقط وموضع قد بني للحل والعقد . حيث تقول الرواية : ان هذا حدث فى ايام عز الدولة ابن معز الدولة (8) .

وفى الاعلام أيضا ينحو بأن جابر بن حيان كان من أهل الكوفة (9) كذلك كان محسن الامين فى أعيان الشيعة . والظاهر أن ما دعا جابر الى الاقامة فى الكوفة زمنا هو ان ابن حبان عاش فى بلاط هارون الرشيد فى بغداد وكان على صلة حسنة بالبرامكة والظاهر من سيرته انه كان أشد تعلقا بهم منه بخليفة المسلمين لان البرامكة كانوا يعلقون على علم الكيمياء شأنا كبيرا وكانوا يشتغيون بذلك العلم ويدرسونه درسا عميقا ولقد ذكر جابر فى كتابه الخواص كثرا من المحاورات التى وقعت بينه وبينهم فى معضلات هذا العلم ، فقاسى الكثير من انتهاك الجهلاء لحرمته ومكانته وانهم كانوا يحسدونه على علمه وفضله وانه اضطر الى الافضاء ببعض اسرار الصناعة - أى الكيمياء - الى

هارون الرشيد والى يحيى البرمكى وابنه الفضل وجعفر وان ذلك هو السبب فى غناهم وثروتهم ولما ساورت الرشيد الشكوك فى البرامكة عرف ان غرضهم نقل الخلافة الى العلوين مستعينين على ذلك بمالهم فقتلهم عن اخرهم واضطر جابر ان يهرب إلى الكوفة خوفا على حياته حيث ظل مختبئا الى ايام المأمون وظهر بعد احتجابه (10) .

ومن نقط الاختلاف عن حياة جابر بن حيان ، تاريخ مولده ، حيث لم تذكر المصادر العربية المعروفة ولادة جابر والثابت ان الدعوة للعباسيين نشطت سنة 100 هجرية ، حيث انتشر رسلهم فى البلاد لبثها وقد ولد جابر فى اثناء قيام أبيه ينشر الدعوة في مدينة طوس لهذا رجح ان تكون ولادته سنة 100 هجرية وهى توافق سنة 720 م (11) وقد ورد فى كتاب الاعلام : ان جابرا نوفى سنة ، 161 ه لان وفاة جعفر الصادق كانت سنة 148 ه - ثم يورد بانه وجد فى كتاب الذريعة نصا جديدا له قيمته وهو رواية أبى الربيع سليمان بن موسى بن أبى هشام عن ابنه موسى فى صدر كتاب الرحمة لجابر بن حيان قال : لما توفى جابر بطوس سنة المئتين من الهجرة وجد هذا الكتاب تحت رأسه فهذه الرواية أفادتنا من معرفة البلد والعام اللذين توفى بهما جابر ، ورجح القول : بأنه كان من أصحاب جعفر بن يحيى البرمكى المتوفى سنة 187 ه ويؤيد هذه الرواية ما في " نهاية الطلب للجلدكى " من ان جابرا أدرك عصر المأمون (12) أما الاستاذ زكى نجيب محمود فهو يرجح على وجه يقرب من البقين : انه عاش خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي والجزء الاول من القرن التاسع (13) وعن ذلك يقول هو لم يارداج فى كتابه : " الكيمياء في عصر دالتون " الذي عنى بدراسته : ان حياة جابر امتدت خلال

الشطر الاكبر من القرن الثامن ، كما ذكر في بعض الروايات : انها كانت سنة مائتين للهجرة فى بعض الموارد (14) .

وكما اختلف الناس فى حقيقته التاريخية ، واختلفوا فى مولده مكانا وزماننا ، واختلفوا فى اسمه . وكذلك اختلفوا فى أمره والى أى فئة أو مذهب ينتمى فقالت الشيعة : إنه من كبارهم (*) واحد الابواب (15) . وزعم قوم من الفلاسفة : انه كان منهم وله فى المنطق والفلسفة مصنفات ، وزعم أهل صناعة الذهب والفضة : ان الرياسة انتهت اليه فى عصره وان أمره كان مكتوما ، قال : وزعموا انه كان ينتقل فى البلدان لا يستقر ببلد خوفا من السلطان على نفسه ، وقيل : انه كان فى جملة البرامكة ومنقطعا اليهم وملتحقا بجعفر بن يحيى ، ومن زعم هذا قال : إنه عني يسيده جعفر هو البرمكى ، وقالت الشيعة: انما عني جعفر الصادق لان جابرا شيعى فلا غرابة أن يعترف بالسيادة لامام شيعى (16) . وقال السيد على بن طاووس الحسين الحلى فى كتابه فرج

الهموم بمعرفة علم النجوم عن ذكره لجماعة الشيعة كانوا عارفين بعلم النجوم ومنهم جابر بن حبان صاحب الصادق عليه السلام (17) . وفي أعيان الشيع يؤكد : بأن جابر ابن حبان بجانب انه خراسانى النسب عراقى المنشا فهو شيعى المذهب كما له كتب فى الشيعة (18) هذا الى وفرة المصادر التى تتردد فى ان جعفر المشار اليه فى حياة جابر ونشأته هو جعفر الصادق . فيذكر حاجى خليفة جابر مصحوبا بعبارة تلميذ جعفر الصادق (19) ويقول البارون كارادى فو : وهو يتحدث عن جابر ومعلميه : هما خالد بن يزيد بن معاويه (20) و جعفر الصادق كما عد المشتغلون بالصنعة وهواة السيمياء والطلسمات والعلوم السرية جابر الحلقة الموصلة بين رجال هذه العلوم وجعفر الصادق أو جابر تلميذ جعفر الصادق وهو فى هذه أشهر تلميذ من التلاميذ المنسوبين الى الامام (21) . ومن أمثلة الاشارات الى جعفر الصادق الواردة فى الكتب المنسوية الى جابر والتي تؤيد معاصرته له هذه العبارة الموجودة فى كتاب الرحمة : " قال جابر بن حيان قال لى : سيدى جعفر يا جابر ، فقلت لبيك سيدى ، فقال : هذه الكتب التى صنفتها جميعها وذكرت فيها الصنعة وفصلتها فصولا وذكرت فيها من المذاهب وآراء الناس ، وذكرت الابواب

وخصصت كل كتاب منها بعمل ... " (22) . ولاحظ الاستاذ فليب حتى صلة جابر بالصادق في كتابه تاريخ العرب (23) . كما أساند وأشاطر الاستاذ كامل الشيبى في كتابه الصلة بين التصوف والتشيع (24) . حيث مهما يكن من أمر فان كتب الشيعة القديمة لم تورد اسم جابر بن حيان فى سلسلة نسند أى حديث بنسب الى جعفر الصادق ثم ان جابر ابن حيان فى روايته للعلوم عن جعفر الصادق كان على مثال افلاطون الذى روى انتاج سقراط اذ بصفة بأبى الفلاسفة وسيدها كلها وهذا دليل على تأثره وأخذه من اليونانيين (25) كما تختلط عند جابر طائفة الفلاسفة بطائفة الانبياء ، فهؤلاء من اولئك وأولائك من هؤلاء (26) وفي موضع آخر نجده يقول : ان لشرع الاول انما هو للفلاسفة فقط ان كان أكثر الفلاسفة أنبياء كنوح وادريس وفوتاغورس وطاليس وعلى مثل ذلك الى الاسكندر (27) ولو ان د . زكى نجيب فى كتابه عن جابر يعتبره من الشيعة سياسة وهو من الفلاسفة جدلا وهو من الكيماويين علما ، ثم هو فوق هذا وذلك صوفى حتى لقد لصقت صفة الصوفية باسمه كأنما هي جزء منه ، فيدعى حيثما ورد ذكره جابر بن حيان الصوفى كما يدل عليه قول ابن النديم المعروف بالصوفى وقول القفطى ومتقلد العلم المعروف بعلم الباطن وهو مذهب المتصوفين من أهل الاسلام بجانب المترجمين له بالصوفى . كما ورد أيضا فى كتاب أخبار الحكماء ان حابرا بن حيان كان مشرفا على كثير من علوم الفلسفة ومتقلدا للعلم المعروف بعلم الباطن وهو مذهب المتصوفين كالحارث المحاسبى وسهل بن عبد الله التسترى ونظرائهم وفي ترجمة القفطى له " فى تاريخ الحكماء " : ان العادة في الطريقة الصوفية ان يتبع كل صوفي منهم شيخا له ولا يبعد ان يكون

جابر قد تتلمذ بالفعل على جعفر فى الصوفية ولا يبعد ان يكون قد سمع منه شيئا فى الكيمياء . ويذهب صاحب " أعيان الشيعة " فى القول : بأننا نستنتج ان حابرا يعتقد بوجود طريقين لادراك الصنعة : طريق ظاهرى وذلك باقتناء أثر الطبيعة والتداريب وطريق باطن وذلك بمعرفة الفرضيات الكبرى وتطهير النفس البشرية وان ما استقاه من معلمه الروحى الطريق الثانى وهو فى العموم واضح التعبير عن رغبته فى اخفاء علمه الا على من يحسنه ففى رواية الجلدكى " شرح المكتسب " ، أراد أن يتعلم الكيمياء فأخذ هذا يصرفه ويراوغه ولما ألح عليه قال له : انما أردت أن اختبرك ... ولتكن من أهل هذا العلم على حذر ممن يأخذه عنك ... ( 28 ) كما نلاحظ فى تحاليل تجاربه نوعا من التمحيص والتيقن وفى تجارب أخرى تكون معقدة الحديث فى ظاهر الامر على شئ ما - كالكلام فى التناسخ مثلا - لكنه يجعل باطن الحديث كما يقول الطغرائى فى كتابه " مفاتيح الرحمة " يجعل باطن الحديث منصرفا الى علم الكيمياء حتى لا يفطن الى هذا العلم الكيمياوى عنده الا من يريد لهم هو أن يفهموه حيث يكون المؤلف احيانا صاحب ظاهر وباطن وهو أمر مألوف فى المؤلفين القدامى فقد يظهر المؤلف شيئا ويخفى شيئا لذلك يقول صاحب " أعيان الشيعة : ان من أهم مصادر معرفته الالهامات الباطنية التى اقتبسها عن امامه جعفر الصادق وهو على ما يظهر ان جعفر معلم جابر هذه الامور وهو شيخه وامامه وموجهه وراشده وناصحه ، لاحظ فليب حتى صلة جابر بالصادق وذكر انه ادعى مذهبا خاصا فى الزهد .

بعد كل ما تقدم فى ذكر جابر يمكن لنا ان ننجى بجانب الرأى الذى نجده فى كتاب الصلة بين التصوف والتشيع للاستاذ كامل الشيبى بأن صلة جابر بالتصوف اسمية لانه لم يكن صاحب مجاهدة أو ناطقا بأقوال زهدية وانما

نقل عنه اشتغاله بالكيمياء ، استنادا على املاء السيد هبة الدين الشهر ستانى وهو من مجتهدى الشيعة المعاصرين روى لنا عن استاذه شيخ الشريعة الاصفهانى ان تسمية جابر بن حيان بالصوفى ليست منسوبة الى الصوف وانما النسبة الى سوفيا اليونانية بمعنى الحكمة فقيل : سوفى ثم أشبع العرب السين فصارت صوفى وصوفية ، وقال : وأول هؤلاء المسلمين جابر بن حيان المشهور بالصوفى ولم يكن هذا الفيلسوف العظيم حاملا لاى مبدأ من مبادئ الطريقة الصوفية فان كون جابر أول من اطلق عليه لفظ صوفي فى الاسلام بصطدم بعقبتين : الاولى انه لم يكن زاهدا بالمعنى المفهوم من الزهد نائيا عن المشاركة فى الاحداث والاعراض عن المادة يضاف الى ذلك اننا لم نسمع عنه كونه من البكائين أو العباد المتنسكين . أما الاتجاه الثالث فأعارض فيه الاستاذ كامل الشيبى فى كتابه المذكور لشكوكه فى وجود جابر بن حيان مستندا على خلو كتب رجال الشيعة والصوفية من ذكره باعتباره حلقة فى سلسلة وهو يرجح أخيرا بأن شخصية جابر  لا تعدو ان تكون أسطورة وهنا أرد القول : بأن جابر كان منزويا كغيره من الزهاد حيث صرف جل وقته فى الاشتغال بالكيمياء والحكمة كما ان هذا الانزواء أيضا يرجع لظروف العصر والبيئة التى عاشها جابر بن حيان .

كما ان لجابر طلاب أخذوا عنه كالخرقى ، وابن عياض المصرى المتوفى سنة 187 ه 803 م ( 30 ) كما ان الرازى يقول فى كتبه المؤلفة فى الصنعة قال: استاذنا أبو موسى جابر بن حيان - ولقد قال فيه الاستاذ برتيلو المؤلف الفرنسى صاحب كتاب " تاريخ الكيمياء فى القرون الوسطى " : ان اسمه بنزل فى تاريخ الكيمياء منزلة اسم ارسطوطاليس فى تاريخ المنطق ، واضافة على ذلك مصادقته وصلته بجعفر الصادق ولعل فى ذلك صلة الاختصاص

ما دام الامام الصادق (31 ) له اهتمام بصناعة الكيمياء - وكما اكرر أيضامرة أخرى الرأى : بأن رجلا فاضلا يجلس ويتعب فيصنف كتابا يتعب قريحته وفكره باخراجه ويتعب جسمه ويده بنسخه ثم ينحله الى غيره ... وأية فائدة فى هذا وأية عائدة والرجل له حقيقته وأمره أظهر وتصنيفاته اعظم وأكثر ، حيث ق عندما حذر قارئه فى مواضع كثيرة من رسائله الا يهتم احد بدراسته الا اذا جمع مؤلفاته كلها حتى لنراه يتهكم أحيانا على من يكتفى ببعض من كتبه ليستخلص منها مذهبه كاملا ، فالجزء كما يقول : " لا يسوغ الحكم على الكل " .

اشترك في نشرتنا البريدية