الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

قروية

Share

كانت زوج التى أيبسها الشغل وسخط دائم وفطرة لا يرضها شئ كانت مخلوقة فظة يضطرب في أعماقها غدير أربعين سنة من السكوت وذلك كله من أجل زوجها ذى النفس الهادئة اللطيفة التى لا يعرف الغضب والحقد إليها سبيلا . وبعد يومين من حرب خفية بينهما هى تفقد الا ان صبرها كما يحدث ذلك فى جميع الاحوال . كانت تتبع زوجها بالنظر متبينة ان العمل الذى كان يتعاطاه سيطول فلم تنتظر أكثر مما انتظرت فناولت الخنازير السمينة علفها ثم التفتت إلى الرجل قائلة .

لم يبق لدينا ذرة وكان بيار منهمكا فى قطع شجرة طلح وقد أصاب منها عقدة فلم يتكلم فانتظرت المرأة قليلا ثم قالت بصوت مرتفع إنني أخاطبك فرفع بيار عينيه وقال : - ماذا فقالت : لينته العمل آخر الامر فلنا منه كفاية وحدقت فى عينيه بينما كان يتلجلج في صوتها أمر به فراغ وبه تهديد فمسح بيار العرق المتصب من جبينه فى حركة بطيئة وقال فى هدوء تام . - سينتهى العمل قريبا

ثم بصق فى يديه وبحث عن المكان الذي يمسك منه مقبض الفأس فبعثت إليه المرأة بنظرة حادة وكان هو قد انحني على الشجرة في اشارة هادئة فارغة وأمسك الآلة ليهوى عليها بضربة خافتة الصوت فاترة القوى .

ولم تجد المرأة فى الحين الكلمة التى تمكنها من صفعه فأمر ريقها غضب شديد عنيد وكانت منتصبة فى مكانها تنظر إلى بيار نظرة حقد عميق واحتقار قاس عاجز ثم أحست بالدموع على وشك الانفجار من عينيها فرجعت أدراجها وتركته مكانه

وأول فكرة جالت بخلدها هى أن تصيب الخنازير بسوء فتسمها مثلا أو تجد وسيلة آخرى أو تأتى جرما فظيا لينهار أخيرا هذا العالم المعفون ولربما لم يفت الاوان كل الفوت فمسامير النعل بطاقة المطبخ وبوسعها آن تلقى بخمسة منها أو ستة فى الذرة وفي الصباح سيحاول بيار عبثا أن ينبه الخنازير ومرت بجسمها قشعريرة وباطنها مستسلم إلى أفكار حاقدة فأحست فجأة بغضبها يهدأ وردت من جديد إلى تلك الملاحظة المعذبة وهى ان الخالق كتب عليها اللعنة فهى تتألم بجانب بيار منذ أربعين عاما من غير آن تتبين قط ما بها لكنها كانت دائما تشعر بتردد يحرقها إحراقا ويفنيها إفناء ولم يخطر على بالها حينا أنها قد تكون هى المخطئة وإن لها نفسا عنيدة متصلبة نفورا كان يمكن تعويدها الالفة بالغلظة . بالغلظة التي كانت هى متعطشة إليها طيلة حياتها كلها وإن كانت تجهل ذلك بينما كان بيار شفوقا صبورا تحطمت على صخرة طيبته أقوى الاهواء الاحقاد ثورة وهيجانا مفقودة القوى تائهة القصد فما الفائدة إذن ؟

ولقد اعتاد بيار فى عناء غير عسير طبيعة زوجته فتحمل غضبها ولم يشعر بما كانت تخفيه من عقيم العذاب فلم يحاول تهدئتها ولا تسليتها فاتخذ الحياة كما فرضها عليه الله الذى يعلم كل شىء وتحمل حظه هادىء الصبر ثابت الجنان .

ولما كان الصباح اكتشفت المرأة أمرا هائلا هو أن أضخم الخنازير وأسمنها كان مطروحا على الارض والدم سائل من خرطومه والمجاج طافح من فيه فدعت زوجها فزلزلت الارض تحت قدميه ففتح باب الاصطبل كما لو كان يريد قلعه وصاح :

- أسرعى أسرعي فجرت المرأة صائحة باحثة عن السكين لانها كانت ترى فى هذه الكارثة عقابا إلاهيا لها عن تفكيرها آمس فى مسامير النعل وها هو الان هذا الحيوان المسكين قد ابتلع شيئا وعادت بالسكين لكن اعترضها حجر فوقعت على الارض ممتدة على طول قامتها فوقفت وهى تئن وبلغت الاصطبل وكان بيار تتأجج نفسه نارا فارغ الصبر فصاح

- الماء فرجعت المرأة مبهوتة وقد أحست بخطر تباطئها فصاحت صيحة تمزق الفؤاد وانتزعت من دائرة الحائط صحفة ملآتها ماء وما كادت ترجع إلى بيار حتى ناولته إياها قائلة - ها هو الماء فنظر بيار الصحفة وعندما شعر ان لا فائدة فى أى شىء وانه ليس لديه سطل مملوء ماء ليغمس فيه رأس الخنزير ثار غضبه وكان الخنزير يلهث ثم فجأة أخذ بكر فقدر بيار بالعقل المسافة إلى البئر ذهابا وإيابا فعلم يقينا أنه سيعود متأخرا وان الخنزير يكون قد قضى .

لكن ما لزوجته منتصبة أمامه وما لها لا تأتى بالسطل وما لها تحدق فيه بعين بها مثل هذا الرعب ومثل هذا التحجر فأراد أن يدفعها عنه لكن زلت قدمه وهو يحاول ربح الوقت فأقصاها بركلة . لم يعد بيار قادرا على إنقاذ الخنزير لكن زوجه اكتشفت فيه السيد الذي كانت فى حاجة حائجة إليه .

اشترك في نشرتنا البريدية