الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

قريتنا تحتضر

Share

- والأرض يا بنى ؟ . . . الشمس وهاجة والسماء ضنينة . . . والقحط فى أرضنا الذليلة . . . والجدب فى عيوننا العليلة . . . والسقم فى أجسامنا الهزيلة . . . - الارض تحتاج الى الماء والمال يا أبى ! . . .  مهر غال

- الصبر يا بنى ؟ . . . لن تنسانا رحمة المولى . . . قالها بصوت بائس وسكت . . . أبى يعشق الارض ولو كانت عقيما . . . - الصبر خضوع وموت . . . والجوع قاتل فتاك . . . والامل فى التغلب على الوضع السئ ضئيل . . .

أحكم شد الصرة الصغيرة التى حوت كل ما يملك من ثياب ورغيفين من الخبز ، ولبس أفخر ما عنده : قميصا ومجعدا وسروالا من الخاكى ، هكذا يلبس ابناء المدن ! . . .

- اننى أخاف عليك يا بنى . . المدينة فم يبتلع الرجال ، وستضيع فى جوفها كما تضيع حبة رمل فى صحراء شاسعة ، بل ستذوب فى وسطها كم يذوب السكر بالشاى . . .

- لن أكون الا كما ترغب يا أبى . . . وانحنى على والده فقبله قبلة سريعة ، وحث الخطى متحديا لطمات الشمس المحرقة ، يسحبه الامل البراق . . انه يخشى أن لا يلحق بالقطار . . . ينحنى ويلتقط حجرا نائما على الارض ، يرمى به كلبه الذى كان يتبعه بالحاح عنيد . .

- قلت لك ليس للكلاب مكان فى المدينة ؟ . . غير أن الكلب يحيد عنه ، ويصر على الالتحاق به . انه هو أيضا يتوسل اليه

أن لا يغادر القرية . . . أن يمكث مع أهله . . . أن يربط مصيره بمصيرهم . . انهم جميعا فى حاجة اليه . . .

- سيفوتنى القطار هذا اللعين ! . . . تحسس يديه الغليظتين المشققتين . . لكم تألم منهما المحراث والفأس والمسحاة وحبل بئر القرية ، فما أنجبت الارض . . انحدرت عيناه الى الاسفل . . . اطلت عليه قدماه المشققتان كخشبة يابسة . . ما الذى يعجبه فى هذه القرية ؟ الوجوه كالحة صفراء ، أكلتها التجاعيد . . ان النظر اليها يقشعر له البدن . . شيوخ وعجائز وأطفال صغار حفاة عراة . . . هؤلاء هم سكان القرية . . . والعائدون - وما أندرهم - يرفلون فى أحسن الملابس ، يحملون أجمل الهدايا

الا قليلا . . . يلتفت . . . الكلب ما زال يتبعه لا هثا . . والقرية ساكنة سكون الاموات . . لقد لفها النوم فى واضحة النهار . . الشمس ألقت بكل لهيبها فأحالت التنفس الى أمر مرهق . . العرق يتصبب منه غزيرا . . .

- حرام عليك يا أبى ! . . تلومنى على الذهاب ؟ . . ألا تريدنى أن أعيش ؟ . . لقد قلت لى :

- ان القرية تحتضر . . لقد تركها أبناؤها . . أغرتهم المدن . . لم يبق فيها غير الشيوخ والعجائز . . ان الارض ليست عاقرا . . تريد رجالا . . تريد أن تثمر . . فأجبتك :

- اننى قطرة . . والقطرة لا تروى أرضا عطشى . . لقد حملنا البؤس سنوات فما طلع الفجر . . .

قلت : - قبور أجدادكم تناديكم . . . تتوسل بكم أن عودوا ؟ . . ألا تسمعوا نداءهم ؟ . . ألا تسمعوا نداءنا ؟ . . لكننى رفضت قائلا : - لن أعيش بين قبور متنقلة . . . اننى أريد أن أعيش . . أريد غدا مشرقا

. . . بعدا وسحقا لحياة الظلام والشقاء . . ان قريتكم مشؤومة ، غادرها أبناؤها فتفتحت لهم كنوز العمل والوظيف . . قلت : - ستنانا ؟ . .  - لن يكون ذلك يا أبى . . سأتدبر أمورى وأجد عملا ، وأبعث اليكم أموالا تطردون بها شبح البؤس ، وتحاربون بها الجوع والعراء . . .

- وكيف تصلنا أموالك ؟ . . - سأرسلها الى حانوت العم فرج . . هكذا يفعل أبناء القرية . . حانوت العم فرج يقوم مقام مكتب البريد فى القرية . . . ما أحوجه الى الاصلاح ، انه متداع للسقوط . . . تواطأت المسافة مع الشمس المحرقة هكذا شعر . . رجلاه تلهثان والكلب وراءه يلهث . . جلبة وآمال فى رأسه . . والمحطة لا تطل . .

- أريد أن أعيش . . أن أتنفس . . أشعر باختناق فى هذه القرية البائسة . . بالامس كانت قريتنا حافلة بأبنائها . . أما اليوم فقد أمست عجوزا . . بالمدينة مواكب وبالقرية مواكب . . وما أبعد ما بينها . . وتطل عليه المحطة القابعة قبوع الدهر . . الغارقة فى الانعزال . . تحيط بها أرض بور أكلتها الاشواك ، وشجرتان من الصفصاف تثبت هويتها ، استظلت تحتهما جماعتان تنتظران القطار . . .

- الى أين ؟ . . هل ثاروا مثلى على بؤس قراهم فطلقوها ؟ . . هلموا معى الى مدينة الاضواء والانوار ؟ . . - الى مدينة الالوان الجميلة . . مدينة الخبز الوافر والخير والرفاهية . . الى تونس حيث الجوع والعراء ليس لهما مدلول . . . هكذا حدثنى أبناء قريتى الذين ذهبوا اليها . . .

انه لا يعرفها . . . لم يزرها . . بهره حديثهم . . لم يعد يقاوم الرغبة الملحة فى زيارتها . . بل فى العيش فيها . . أكدوا له أنهم بامكانهم أن يتحصلوا يوميا على المال . . عوائد أعمالهم يومية . . أما هو فلا يراه - وهو فى قريته هذه - الا نادرا . . فى المواسم . . قالوا له : حياة المدينة هى التى تحقق الرفاهية والمتعة . . .

دخل المحطة ليقتطع تذكرة الذهاب بينما قبع الكلب فى الخارج . . ان أمله فى اقناع سيده بالعودة لم ينقطع . . . - مسكينة هى أمى . . . ثلاث دجاجات تعبت فى تربيتها . . . هى كل ثروتها . . بعتها فى سوق القرية - طبعا بعد ترخيصها - مع أربع صيعان من الشعير . . . هذه التذكرة ستوصلنى الى تونس . . . بقى لدى دينار ونصف . . سأتصل بأبناء القرية هناك . . لقد وعدونى بالمساعدة والعون . . .

قطع عليه تفكيره صفير قطار هائج يكبح جماحه ليتوقف عند المحطة . . . امتطى عربة الدرجة الثالثة . . واستأنف القطار سيره . . وتحول الى نقطة صغيرة تختفى حثيثا عن نظر الكلب الذى قفل راجعا ، بعد أن يئس من رجوع سيده . . .

عربات القطار تتأرجح يمنة وشمالا . . جسمه يهتز بعنف . . كل الاجسام تهتز . . الرؤوس لم تعد قادرة على الاستقرار على وضع واحد . . وقع أصوات السكة الحديدية مزعج . . الاشجار تتراكض مع القطار . . القطار يسترجع أنفاسه عند كل محطة ، ثم يستجمع قواه ويستأنف سيره . . أدخلت السرعة التى تبعده عن قريته فى نفسه شعورا غريبا . . قد يكون خوفا . . سرورا . . أسفا . . أو هو مزيج من كل ذلك . . أحس بالجوع . . وخزته أمعاؤه . . تردد مرات ومرات قبل أن يخرج رغيفا من الصرة فيقطع منه جزءا يلتهمه بخجل . .

صاح مراقب التذاكر : - تونس . . . وصلنا . . .  بهرته المدينة . . البناءات متواصلة كأنها سلاسل جبلية لا تنتهى . . الناس كأنهم فى يوم الحشر . . . السيارات . . العربات . . المغازات . . . - تاكسى . . تاكسى ؟ . . . - قليبات . . قليبات ؟ . . . - حمال . . حمال . . حمال . . - طوط . . . طوط . . . - انتبه يا ولد ؟ . .

سواقر . . شوينقوم . . سواقر . . شوينقوم - نداءات . . تزمير . . أصوات اختلط بعضها مع بعض وتجاوبت فى آن واحد . . أحس بصداع قاتل . . رأسه يدور . . البناءات شاهقة تناطح السحاب . . كوخهم صغير يكاد سقفه يلامس الارض . . أحس بخوف . . عليه أن يحتاط من أولاد الحرام والنصابين الذين حدثه عنهم أبناء القرية . . ان المدينة تعج بهم . . أين سيجد أحمد ابن عمه وصالح وعبد الله وفرحات أبناء القرية . . لقد تركوا له عنوانهم . . انهم يسكنون فى . . لقد نسى . . أين الورقة ؟ . . أين العنوان ؟ . . آه انه فى جيبه . . .

وضع الصرة بين رجليه . . ضغط عليها بشدة ، ثم أخرج خرقة من جيبه ، فتحها وأخرج منها ورقة متآكلة ملفوفة ، فتحها وقرأ فيها العنوان بصعوبة . . لم يتعلم فى المدارس . . لقد حفظ بعض السور القرآنية عند مؤدب القرية . . تردد عليه مدة سنتين ، تخللتهما فترات انقطاع اجبر عليه فرارا من عصا المؤدب التى لا ترحم وشتائمه اللاذعة . . قلوب الأطفال تخفق رعبا وخوفا عندما يرونه ممتطيا حماره القصير متجها نحو زاوية سيدى عبد السلام ، حيث كانوا يحفظون القرآن بلا فهم . . على أنه كثيرا ما تخلف عن الذهاب لأسباب أخرى : اذ عليه أن يجمع الزيتون من شجيرات بخيلة . . أن بحصد شعيرا لا يكاد يعلو على الأرض شبرا أو شبرين . . أن يحرث أرضا يابسة كالصخور مشققة كأنها قبور معدة لتستقبل أهل القرية .

إنهم يسكنون بيتا فى نهج عاشور عدد 75 . . وما معنى هذا الرقم ؟ . .  هل حلت الأرقام محل الأسماء فأصبح كل مسكن يحمل رقم صاحبه ؟ . . ومن سيهدينى الى هذا العنوان ؟ . . كيف الخروج من هذه الورطة ؟ . . لا مفر من أن أسأل شخصا . . ليقولوا عنى غريبا ؟ . .

- من فضلك يا أخى . . هل تعرف هذا العنوان ؟ . . - نهج عاشور . خذ سيارة تاكسى ستوصلك اليه . . - من أين أجد التاكسى ؟ . . - قف هنا وستأتى اليك ؟ سمع شخصا ينادى : تاكسى ؟ تاكسى ؟ وقفت سيارة صغيرة لونها أحمر وأبيض وتحمل فوق ظهرها رقما .

- ان كل شئ في هذه المدينة يحمل رقما . . لقد عرفتها لقد ركبها السيد المنادى . . . - تاكسى ؟ . . تاكسى ؟ . . لماذا لم تقف ؟ . . هل عرف صاحبها اننى غريب . . سأنتظر غيرها . سيارات مسرعة كأنها فى سباق . . محركات تغلى غليان المرجل . . عربات تدفع أو تجر . . الناس يتقابلون ويتباعدون . .

- تاكسى ؟ . . تاكسى ؟ . . تقف سيارة الأجرة الصغيرة أمامه . . يمتطيها . . - خذنى من فضلك لاولاد عمى ؟ . . - أين يسكن أولاد عمك ؟ . . - فى نهج عاشور رقم 75 . . أتعرفهم ؟ . .

وانطلقت السيارة تبحث عن العنوان . . جابت شوارع وأنهجا . . ومرت بساحات . . . واجتازت أزقة ضيقة ، لتتوقف أمام باب صغير من خشب متآكل . . - هنا يسكن أولاد عمك . . تفضل ، انزل ؟ . . مائة وثمانون مليما . .

انها كثيرة . . مائة وثمانون مليما فى أقل من ربع ساعة . . لكنه لا يجرؤ على التصريح بذلك . . يظهر أن النقود تجمع بسهولة فى هذه المدينة . . هكذا تبادر الى ذهنه . . يفتح صرة قد حفظ فيها نقوده . - تفضل يا ابن عمى ؟ . . يقدم له الاجرة . . ويحاول النزول ، لكنه يعجز عن فتح باب السيارة ، فيساعده سائق التاكسى . . وينزل

يحجم قبل أن يطرق الباب . . لا يصدق أنه أمام مسكن ابن عمه . . كيف تم له العثور عليه بهذه السهولة وسط هذه المدينة الكبيرة . . يتشجع فيطرق الباب ويخرج أحمد ابن عمه . . . - من ؟ . . منصور ابن عمى ؟ . . أهلا بك . . . يتعانقان .

- كيف أتيت الى هنا ؟ . . كيف حال عمى ؟ . . - عائش والحمد لله . . - والقرية ؟ . . - تحتضر . . - وأهل القرية ؟ . . - ينتظرون دورهم ؟ . .

ويدخله أحمد غرفة معتمة ليس بها غير نافذة صغيرة مهشمة الزجاج بخيلة الاضاءة . . وثياب قديمة علقت بمسامير غليظة متشبثة بالحائط المتهرئ . . وحصر مفروشة على الأرض تغطى أجزاء منها بعض الجلود الوسخة . . وأوانى طبخ قديمة رصفت بغير نظام فى زاوية من زاويا الغرفة . . وصور لبعض الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات ، وأخرى خلاعية ، ألصقت بالجدار ، أزاح عنها بصره بسرعة خجلا . . .

آنتهت عمليات الترحيب ، واستعد أحمد لطهى الطعام . . ان اليوم دوره هو . . واخجل أحمد . . ليس فى امكانه أن يشترى لحما لابن عمه الضيف . . ماذا سيفعل ؟ . . كيف يعلل ذلك ؟ . . سيقول عنه بخيلا . . سيظن أنه لم يفرح بقدومه . . لكن الجيب خاو . . والجماعة ليست أحسن منه حالا . . سيقول له ان الجزارين لم يذبحوا فى هذا اليوم . . فى القرية يذبحون مرة فى الاسبوع . . وستنطلى عليه الحيلة . . .

- ستساعدنى فى اعداد الأكل يا منصور ؟ . . - حاضر . . أتطبخون بأنفسكم ؟ . . ومن هذا الذى تريده أن يطبخ لنا ؟ . . - لقد نسيت . . ان زوجتك تقرئك السلام وترجوك أن تتذكر أبناءك . .

تحسر أحمد ولم يعلق بشئ . . ينهمكان فى اعداد الأكل . . .  يصل صالح وعبد الله وفرحات ابناء القرية ، وتعاد حفلة الترحيب والعناق . - ما الذى أتى بك يا منصور ؟ . .

- البؤس أطردنى من القرية . .  - والنعيم جلبك الى المدينة ؟ . . - نعم ذاك ما أرجوه . . تعلو الضحكات . . فيتعحب منصور . . لم يقل شيئا مضحكا على ما يعتقده . .

ويستمر الحديث عن القرية . . وتعاد الذكريات . . وينصتون باهتمام لحكايات منصور . . ويسألونه عن بئر القرية حيث كانوا يجتمعون لجلب الماء . . وعن حانوت العم فرج حيث كانوا يلعبون الورق ، ويحتسون الشاي ، مقابل بيض أو شعير . . وعن الشيخ محمود الذى طالما جاءهم على حماره الأبيض الطويل ليأخذ الاداءات الحكومية . . فيخبرهم أن الحكومة عزلته ، وعوضته بالشيخ سالم ، لأنه ثبت أن الشيخ محمودا كان يسرق أموال الدولة . . ويسألونه عن مشاريع تأسيس مدرسة ابتدائية وجلب الماء والكهرباء والهاتف الى القرية . . فيخبرهم أنها مواعيد عرقوب وأن حالة القرية تسوء أكثر مما كانت عليه .

وينتهى العشاء ، وتنصب حفلة الشاى فيتناولون منه قدرا كافيا . . ثم بخرجون ليتجولوا فى المدينة . . تبهر الأضواء منصورا وتتيه نفسه وسط الحشود ، فيقوده أبناء قريته وهو لا يعرف من أين تبتدئ المدينة ولا أين تنتهى . . وتتزاحم الأسئلة فى رأسه ، ويزداد تعجبه من كثرة الناس . . المدينة لا تعرف النوم . . القرية دائما فى سباق عميق . . رهيب . . كالعدم . . ألا يتناول الناس هنا نصيبا من الراحة ؟ . . الشوارع مملوءة . . المقاهى مملؤة . . المطاعم مملؤة . . قاعات السنما تحتشد أمامها جموع غفيرة . . المساكن كأنها ألقت بكل سكانها الى الشوارع . . القرية معتمة يستضئ أهلها بقناديل بسيطة ، باهتة الاضاءة ضئيلة الاشعاع ، لا توضح ما قرب منها . .

يرجعون . . وهو لا يعرف كيف رجعوا . . لقد وجد نفسه فجأة أمام الغرفة . . تمنى لو بقى - رغم تعبه - الليل كله يجوب الشوارع . . . وينامون على الحصر نوم النعاج . . . يأتى الصباح ، فينهضون ليبدأوا يوما جديدا من البحث عن العمل أو التسكع فى الشوارع . . .

اثنان فقط يعملان :

أحمد يبيع - بدون ترخيص - بعض السلع البسيطة فى عربة يدفعها أحيانا وتجره أحيانا أخرى سالكا الأزقة الضيقة ، متحاشيا الاقتراب من الشوارع الرئيسية . . انه يخشى أعين الشرطة . . الشرطة أبغض الأسماء عنده . . صالح يعمل فى مطعم يغسل الأوانى ، يمسح الموائد ، ينظف قاعة الأكل ، يغسل المناديل . . . مقابل أجر بسيط لا يتجاوز ثلاثمائة مليم فى اليوم يخصم منه ثمن الصحون التى يكسرها . . . أما عبد الله وفرحات فما يزالان عاطلين ، وهما يجدان فى البحث . . .

تمر الأيام . . ولا يجد منصور وأصحابه عملا . . لقد تعود على المدينة . . عرف جل شوارعها ، بامكانه أن يخرج وحده عله يجد عملا ، أو يقنع بالمشاهدة . . مشاهدة المقاهى الفخمة . . واجهات المغازات الجميلة . . العمارات الشاهقة . . الناس فى أزيائهم البديعة . . السيارات الفخمة . . المطاعم الفاخرة . . كثيرا ما تحسس جيوبه ولكنها كانت تخونه فى كل مرة . . فيتحسر . . لكنه لا يثور . . عن قريب سيجد العمل ، وتتحسن الامور ، ويقتنى أفخر الملابس ، ويشرب قهوة فى ذلك المقهى الذى يسمونه : " مقهى باريس " ويرجع . . تدفعه الخيبة . . فيجد أبناء عمه - كما يقول - محتفلين . . لقد وجد فرحات عملا . . أربع قوارير حمراء تحلقوا حولها . . يحتسون خمرها فى نشوة . . ان ثمنها دين على صاحب العمل الجديد . . هكذا تعودوا أن يفعلوا . . وهكذا يفعلون فى كل مناسبة يرتفع فيها دخلهم البسيط . . أجبروه على أن يتناول نصيبه . . أن ينسجم مع الجماعة . . امتنع . . اعتذر بعدم التعود على شرب الخمر . . لكنه هدد بالطرد . . أين يذهب فى هذه الليلة ؟ . . أين المأوى ؟ . . الجيب خال . . اتهموه بالتأخر . . ما زلت قرويا ؟ . . كل أهل المدن يفعلون مثلنا . . خضع لأمر الجماعة مكرها . . .

وتلعب الخمرة برؤوسهم ، فيخرجون - كعادتهم - ليجوبوا الشوارع . . الشوارع الكبيرة . . يغنون ويعربدون ، فيثيرون الانتباه . . الوجوه توجه لهم نظرات مستنكرة . . احتج بعض المارة على هذه التصرفات .

ويلقي عليهم القبض . . لم يفعلوا شيئا . . لم يمسوا احدا بسوء . . مفاصل منصور ترتجف . . اسنانه تصطك جسمه لا يقوى على حمل رأسه . . لم

يسبق له ان مثل أمام الشرطة . . كلهم يرتجفون . . قلوبهم تخلق بشدة . . بغير انتظام .

ويساقون الى المركز . . ويسألون : - اسمك ؟ . . - منصور . . - أين بطاقة تعريفك ؟ . .  - ماذا تقصد ؟ . . - بطاقة تعريفك . . أتفهم ؟ . . - لا : :

- البطاقة التى يوجد بها اسمك ولقبك وتاريخ ومكان ولادتك وعنوانك وعملك وتحمل صورتك . .

- ليس لى مثل هذه البطاقة . . ما فائدتها ؟ . . بامكانى ان اجيبك عن كل ذلك . . اما صورتى فلا فائدة منها ، فأنا موجود بنفسى أمامك . . ويبحث الجميع . . وتتقرر اعادتهم الى قريتهم . . فيرفضون العودة ويتوسلون من أجل البقاء . . ويتعهدون بعدم العودة الى مثلها . . لكن لم تسمع توسلاتهم ويجبرون على العودة . . وينقلون الى القرية .

البؤس ما زال يهيمن على القرية . . والكلب مات . . بل مات الجانب القروى فى منصور . تخلص من نداءاته . . تحرر منها . . سمع نداء داخليا : لا تبق فى القرية . . جرب مرة أخرى . . لقد فشلت . . لكن مرة واحدة . . ما تزال قريتك عامرة . . بالقحط . . بالخراب . . أطرق الباب مرة أخرى . .

وكان رد فعل منصور صرخة دوت ارجاء القرية النائمة : أنا عائد . عائد اليك أيتها المدينة .

اشترك في نشرتنا البريدية