قصة من خيال الواقع
. . فى ثنايا احد الازقة الضيقة الملتوية القذرة . . حيث المياه القذرة تهطل من البيوتات القديمة المتهالكة فتكون مستنقعات وبحيرات متناثرة كثيرة تنساب منها مسايل وانهار صغيرة لينعم جميع سكان ذلك الحي البالى بتلك القذارة التى تعودوا عليها مذ تنسموا عبير الحياة . . فى هذا الحى هناك بيت صغير وما اكثرها فيه . . يتألف من غرفة واحدة جد صغيرة تكاد لا تكفى لثلاثة أشخاص . . كانت جدرانها متداعية هالكة . . سقفها من جذوع النخيل المغطاة بطبقة من الطين ) أو النورة البلدية ( طبيعة بيوت او بالاصح اكواخ ذلك الحى . . ثم هناك ركن من فناء صغير جدا اعد ليكون مطبخا متواضعا لا توقد النار فيه الا نادرا . . وهناك ركن آخر بنى له جدار ليكون له ساترا ليسمى بعد ذلك بالحمام او بيت الخلاء . . كان هذا هو البيت او الكوخ كما
قلنا عنه آنفا . . كان رث الهيئة والحال تماما كأهله الذين يقطنونه . . ومن هم الذين يسكنونه ٢٠؟
انهما اثنان . . أم وابن لها فقط . . كان الابن فى العشرين من عمرها . . وامه في سن الاربعين او اقل من ذلك . . لكنها تبدو اكبر من ذلك بكثير . . فتقاطيع وجهها بما فيه من أودية وأخاديد عميقة كثيرة متداخلة فى بعضها حتى لتكاد تصبح اخدودا واحدا . . وعيناها الذابلتان كعينى ميت . . وذلك الشعر المشتعل شيبا . . بل ذلك هو جسدها الناحل الذى لم تبق فيه السنون الا العظام . . هى أم تدثرت بثوب جلدى رقيق . . وتلك الخطوات المرتجفة القدمين حتى ليبدو للناظر ان ريحا مجنونة تتلاعب بخصلات شعر متدلية على كتفى الدهر . . اذن لقد كانت سلمى عجوزا تقوس ظهرها . . وجفت المياه فى عروقها واشاجع يديها . .
. . وابنها الشاب . . لقد كان منظره يوحى بقصة السنين العجاف التى مرت به وهو بعد فى ميعة الصبا . . كان ناحل العود . . مغير اللون اسمر . . كثيف شعر الرأس . . غائر العينين . . اذا مشى ما تحسبه الا خيطا رقيقا تتقاذفه الريح يمنة ويسرة . . فى صوته بحة قوية . . فيه قليل من الذكاء ولكن هذا القليل يغلبه فيض من الغباء . . هذا الغباء يجعله هادئا ساكنا كالاموات لا ترمش فيه جارحة فكأنما هو تمثال من جص لم يكتمل صنعه بعد . .
كان لا يعرف من الناس الا قليلا اهمهم بائع الخبز الذى لا يراه الا مرة او مرتين فى الاسبوع . . وبائع اللحم الذى لا يقف على حانوته الا مرة فى كل شهر على اكثر تحديد . . ولكن له علاقة طيبة مع صاحب البقالة الهرم ذى العين الواحدة . . كان يكثر من الجلوس عنده لانه يعرف حاله البائسة . . وكان يقرضه كثيرا وما اكثر القروض وما اقل ما يرد تلك الديون او القروض . . وكان احمد لا يخاف من غضب الهرم الذى لا يعرف الغضب ولا ان يطالبه بديونه فالعم سعيد لا يطالب احدا بحقوقه لانه طيب القلب متسامح يعرفه كل سكان الحى بحبه لفعل الخير ومساعدة المحتاجين حتى ان احد ابناء الحى قال له مازحا عليك ان تعلق لوحا فى الدكان يقول ) دكان فى سبيل الله ( .
وكاد العم سعيد ان يصدق لطيبة قلبه . . . وكان أحمد كثيرا ما يجلس عند العم سعيد حينما يشعر بالفراغ والضيق وما اكثر الفراغ وما اكثر الضيق . . فأحمد لا عمل لديه يجنى من وراءه القوت فليس فى يديه ) صنعة ولا مهنة ( وليس
عنده حظ من العلم يعينه فى دروب الحياة فكل الذى يعرفه هو قراءة اسمه والفاتحة والآعداد من الواحد الى العشرة . . لم تكن به رغبة فى العلم وما وجد دافعا له او مشجعا يحفزه الى التعليم ولو فى غير نطاق المدرسة او الكتاب . . فظروف بيئته التى يعيش فيها من بيت وحى تساعده على خمول الذهن وركود النفس وعدم الاهتمام بما يجرى حوله كانه فقد صفة الشعور والاحساس لتبلد عواطفه واحساسه . . لذلك كان أشبه بانسان هجر الدنيا وتربى منذ نعومة اظفاره بين الكهوف والجبال يرعى العشب ويرتوى من ماء المطر . .
هذا هو أحمد . . وسلمى أمه المسكينة . . كانت لا تفارق سجادتها تلك التى لم ترفع عن مكانها قط . . ولا بقيت عليها ذرة غبار لكثرة ما تصلى عليها صاحبتها . . وما كانت هذه السجادة بحاجة الى ما يروى ظمأها فقد كانت ادمع صاحبتها تروى غلتها . . وما كانت بحاجة الى دثار يقيها غول الشتاء ولهيب الصيف فقد كانت تكفيها سجدة واحدة تدفع عنها البرد والحر ساعات طويلة . . لقد كانت سلمى تعسة شقية . . تنبت الآلام في حفافى حياتها كما تنمو النباتات الطفيلية على شطئان المستنقعات . . ويلد الشقاء التعاسة فى قلبها فيملأ آفاقها بالاحزان ويحوم فى سمائها طائر اسود بشع الهيئة ينوح وينعق فيفزعها من هنيهات غفوتها التى تعد على أصابع يد واحدة . . وينتشر عبر افق ماضيها وشاح قاتم يحجب عنها اشعاعات شمس الحياة الوضاءة . . ويمنع عنها نسمات الربيع الرقيقة الهفهافة . . فهى تعيش فى صمت . . صمت اصطبغ
بلون الوشاح وانها لتخفى فى نفسها اشياء وأشياء . . وتعرف كل شئ عما فى نفسها حتى عن سبب وفاة زوجها الذي قضى نحبه فى حادث اغتيال . . قتل بسكين حادة مجنونة فوقع على الارض وما مرت عليه لحظات حتى فارق الدنيا وقد اودعها ابنه من زوجته المتوفاة . . تاركا زوجته الجديدة وفى أحشائها جنين ، سيولد بعده بأشهر قليلة . .
مات الزوج كما يموت اى زوج . . وبكته زوجته كأى زوجة فرق بينها وبين زوجها الموت . . ولكن احمد الصغير لم يبك لانه صغير . . كل الذى يعرفه هو ان اباه ذهب الى السماء أو سافر الى السماء . هكذا اخبروه وهكذا يقول . .
ومرت أشهر العدة على سلمى والايام العشرة التالية وسلمى هادئة لا يظهر منها الا الاسى والبكاء . . واحمد لا يبحث عن ابيه لانه ولد بعد وفاته بشهرين فلا يعرف أباه الا من حديث الناس . . اما سامى الابن الثانى فقد عرف انه فقد اباه ولكنه لم يبكه كثيرا . . وانجردت بضعة اشهر كانت سلمى تتشوف الى شىء ما . . وتتحرق لوعة الى شئ تعرفه وهو على كل حال ليس زوجها . . نعم هذه هى الحقيقة . . فقد كانت سلمى لا تميل الى زوجها كثيرا . . بل . .
ولكن . . ما لنا والتحدث عنها وهى الاولى بذلك . . فهى اعلم بما في داخل نفسها وما يكتنف اعماقها . . ثم ها هوذا ابنها احمد فى احدى ليالى الشتاء القارسة يجلس بالقرب منها وقد هرب النوم من اجفانهما : وكأنه خاف من زثير الرياح الهوجاء المحملة بالمطر المتبعثر لشدتها . . ها هو ذا
يسألها عن ابيه واين هو ؟ . . ولماذا هما يعيشان هذه الحياة البائسة فى هذا الحى البائس . . ؟ ثم اين اهلهما . . هل اكلهم الذئب . . ام هوت بهم الريح فى مكان سحيق . .
كانت هذه الاسئلة من احمد . . واما اجابتها فلم تكن في البدء الا نشيجا من اعماق مكلومة . . ثم ها هى ذى تقول ولم تنطفئ لوعتها . . ولم تجف دمعتها : لقد كنت أعيش مع ابيك فى رغد من العيش وستر من الله . . وكان له ابن من زوجة توفيت كانت من قبلى تاركة وراءها ذلك الابن فى ميعة الشباب . . وعلمت بذلك فعقدت العزم فى نفسى بأن ارعاه واعتنى به حتى لا يقال عني كما يقال عن سائر زوجات الآباء الاخريات . . خاصة وانه فقد امه . المتوفاة . . ومرت اشهر زواجنا الاولى . ورضى ابوك معاملتى الطيبة لابنه الذى كان يهبه كل عطفه وحبه لانه كان يشبه امه المرحومة فكان يذكر اباه بأمه ويبسبب ذلك فقد حرمت من عطف زوجى الذى لم يحاول قط ان يشعرنى باننى زوجته . . وحبيبته . . ولو ساعة واحدة . . نعم . .
لقد كان ابوك قاسيا مع قسوة لم الحظها . . ولكننى كنت اشعر بها وانا صاحبة القلب الرقيق . . والاحاسيس المرهفة . . لقد كنت بحاجة الى رعاية ابيك وعطفه ولكنه . . ) وانخرطت باكية حتى كادت تفقد وعيها لولا ان اسرع ابنها ورش على وجهها شيئا من الماء البارد فافاقت . ونظرت حولها قليلا ثم قالت فى امتعاض لابنها الذى كان ينصت باهتمام أبله لما تعترف به امه وما تقوله قالت له : هيا قم الى فراشك فالليل اوشك ان ينتهى . . هيا يا احمد ! . .
ولكن احمد تصلب فى قوله فقال لها بحدة ناسيا انها امه : لا . . لن انام قبل ان اسمع منك بقية القصة . .
وحاولت ان تمانع . . ولكنها لم تستطع او انها هى لا تريد ان تستطيع . . فلعلها وجدت فى حديثها الى ابنها تخفيفا من آلامها واحزانها . . واخيرا اكملت القصة ٠٠ لابنها . .
كان ابوك قاسيا معى فلم يشعرني بحبه لى ولا مرة واحدة وكنت اذ ذاك ملتهبة المشاعر رقيقة الاحاسيس . . فصرفت مشاعرى . كلها وعواطفى نحو ابنه سامى الذى كان فى الحادية والعشرين من عمره حتى استغرب ابوك من حالتى مع سامى . وبدأت الظنون تحوم فى آفاقه . . فكم من مرة جاء الى البيت فى غير موعده لكنه لم يجد ما يؤكد ظنونه . . ولكنه بقى على حالة من الشكوك والاوهام . . وكانت الايام تمر سراعا خفافا . . لكنها كانت ثقيلة على قلبى . . كنت اشعر بموت الامل الذى اعتقدته بزواجى من ابيك . . وفى كل يوم كانت عاطفتى تقوى وتزداد نحو سامى الذى احس بحبى له . . وبالطبع لم يكن منه الا ان بادلنى الحب سرا . . وكلما زاد رصيد الايام زاد رصيد الحب بين قلبينا .
وفجأة شعرت بان حياتى مع ابيك لا تجدى . . فلقد مرت ثلاث سنوات دون ان ألد منه طفلا سواك وقد ولدت بعد وفاته بشهرين . .
. . وجاء الشيطان . . وجال وصال فى عقلى . . وتلاعب به . . وبذر فى اعماقى الحقد على زوجي . . وانبت فى قلبى شعورا كان يدفعنى الى قتل ابيك . . واحسست ان الدنيا تميد بى . . وان الاعين كلها تسترق
النظر الى ، ذلك انى لم احتمل وقع تلك الفكرة الشيطانية الخبيثة على نفسى . فكنت ابتعد عن ابيك بقدر الامكان . . ولكن . . لا ٠٠ لم يكن باستطاعتى ان اتحمل اكثر . . ولم يكن بمقدورى الابتعاد عن زوجى . . وزاد من حقدى عليه ما سمعته عنه من اشاعات كانت اكثر دفعا لى لتحقيق الفكرة . . فكرة قتله . . سمعت عنه أشياء كثيرة . . وكنت اصدق بدافع من بغضى له . . وذلك من كثرة تغيبه عن البيت ومبيته خارج البيت ليالى كثيرة . . وزادت النار اشتعالا . . ولم يبق فى ، جزء واحد من جسدى الا ويشعر بالحقد الاسود على ابيك . . واردت ان احقق الفكرة . . الفكرة السوداء . . التى كانت تلازمنى كظلى الاسود . . نعم اردت . . ولكن كيف . . وانى لى ٢٠٠ وجالت الافكار بآفاقى وحامت هنا وهناك . . ولكنني لم امسك بواحدة منها . . ولكن بعد مدة ليست بالطويلة وفى النهاية عقدت العزم على شئ ما . . ) وهنا طلبت من ابنها ان يأتى لها بكأس من الماء فقد جف حلقها لكثرة ما قالت . . فقام وهو لا يحس بالبرد الذى كان آتيا مع ريح الشمال العاتية . . وكان يحق له ان لا يشعر بوطأة البرد . . لانه حنق على امه . . ثار فى نفسه . . غلى فى جسمه الدم . . ازداد قلبه خفقانا . . ودب فيه نشاط غريب . . وحامت في رأسه الافكار ليلية اللون تماما كفكرة امه الكحلية ٢٠٠
وجاء لامه بكأس الماء . . وجلس بالقرب منها يحاول ان يرى تجاعيد وجهها من خلال أشعة الضوء الباهت المنبعث من مصباح زيتى صغير قابع فى ركن من الغرفة بعيدا عن تيار الهواء الذى كان يتسرب من ثقوب
النافذة المهلهلة . . ومضت لحظات قصار بعدها قال احمد لامه : هيا . . أكملى القصة . . هيا . .
ولبت الام رغبة ابنها : آه . . قلت اننى عقدت العزم . . وفعلا نفذت الخطة . . لقد كانت لحظة رهيبة ما زالت رهبتها في اعماقى الى اليوم . . ) وسكتت قليلا ثم اردفت فى هدوء نتن قذر : ومرت الايام . . ايام قليلة حين توفى ابوك . . لم يكن موته بالطبع عاديا . . فقد قتلته يد غالية عليه . . وتوفي بعد لحظات من مقتله . . ايه . . ايه . . لم يعلم بحقيقة القاتل والحادث واسبابه سواى . . وسامى . .
آه . . آه . . وصمتت هنيهة قصيرة ثم قالت فى اسى وتنهد : لقد اتفقت انا وسامى على قتل ابيك بحيث نستطيع اخفاء الحقيقة حتى عن الشرطة ولو بعد حين كى تتمكن من الهرب او الاختفاء . . ولكننا كنا أغبياء . . فقد ذهب عن بالنا ان الشرطة ستحقق معنا او احدنا . . وفعلا . . فقد حققوا معى أولا فانكرت ان يكون لى علم . . وصدقونى . . اما سامى . . فمسكين لقد كذب حتى انجو وكان هذا بدافع حبه لى . . أفلت انا . . ولكنه الصق كل التهمة به . . وسجن . . وحاولت ان اتصل به حتى اطمئن على احواله وفى البداية لم استطع . . الا انثى فى النهاية تمكنت من زيارته ووعدته بالزواج او الهرب معه . . نعم الهرب معه . . وكنت اذ ذاك اشد غفلة كانى اجهل مصير القاتل . . وفد كان هذا جنونا منى . . ولم يشأ سامى ان يقتل الامل فى اعماقى من اللحظات الاولى . فوعدنى وفرحت . . ولكن الفرحة لم تعش طويلا . . نعم لقد قتل . . قتل . . ووه . . قتل . . نعم قتلوا سامى لانه القاتل كما
أخبرهم..وتهدمت آخر آمالى فى الحياة . . وهربت من الحياة . . من الاهل . والاقرباء . . وكل الناس . . هربت منهم وقد عرفوا فى شخصى المرأة المجنونة بحب ابن زوجها . . القاتلة لزوجها . . وجدوا فى ، نموذجا مكتملا للخيانة الزوجية . . فهجرت الدنيا وتهاوت صروح الخيال التى شيدتها خلال سنوات . . علمت انه لا يجوز ان يتزوج ابن الزوج ، امرأة ابيه . . وكانت مصيبة اخرى . . ولكن بعد فوات الاوان . . فقد مات سامى ودفنت معه آمالى . . واسودت الدنيا فى عينى . . واصبحت لا أرى وجودا لى بين ظهرانى الناس . . فجئت الى هنا . . الى هذا الحى البالى القذر ، لاننى رأيت ان القمامة لا يمكن ان توضع بين الزهور والورود وان حياتى لا يمكن ان تستمر وان تدوم بين اهلى . . فالعار ، في بقائى معهم . . فتركتهم . . وعشت هنا وانت معى . . انت ابنى الوحيد . . هذه هى قصتى وسبب تعاستى . .
وأرخت رأسها منتحبة تذرف أدمعا ملتهبة . . وجاء موكب الفجر . . وانتشرت عبر الافق خيوط النور رقيقة عسجدية . . واقبل الضياء فى حلته الفضفاضة فأفعم الدنيا فرحة وبشرا . . لكن احمد لم يشعر بهذه الفرحة ولا بهذا البشر فقد ذرف دمعات ساخنات من اعماق مكلومة جريح . . وقد استقبل الفجر وهو يبكى امه التى لم ترفع رأسها بعد . . ولن تستطيع فقد فارقت الحياة . . بل فارقت ابنها الذى لم يعرف له أقارب وان عرفوه فسينكرون قرابته لهم . . وجلس فى ركن من الغرفة مذهولا لا يدرى ما يصنع الا ان يبكى ويبكى فقط . .
مكة المكرمة

