هذه هي المصطبة التى اعتدت الجلوس عليه كل أمسية ، وهذه هي الشجرة بذاتها لم يطرأ عليها شئ من التغيير سوى الشيخوخة والكبر اما اوراقها فمخضرة ، فلأجلس تحتها ولاستريح قليلا ، قبل ان ابحث عن مأوى آوى اليه الليلة ولكن . . لا أريد ان اعود الى المستشفى . . مستشفى المجانين ، لانى لست مجنونا ، أذن يجب على ان اختفى فى غير هذا المكان الذى يستطيع ان يرانى فيه المار من الشارع ، لا . . لا قدرة لى على المشى لان العدو والركض انهكا قواى, ولاسترح قليلا ، قبل ان ابحث عن
بهذا حدث محمود نفسه ، ثم ارتقى " المصطبة " والتصق من الشجرة التى ارتفعت بحذائها ، وبسطت عليها فروعها .
جلس محمود القرفصاء ، ودس رأسه بين يديه ، واخذ ينصت الى همسات النسيم التى تهبط اليه متخللة اوراق الشجر ، وكأنها تهمس بقصته قائلة:
" اني اذكرك تماما يا محمود ، ولو لم يكن معك " عائض " ذلك الطفل الذى عثرت عليه فى ظلال . على صدر امه الميتة ، ذلك الطفل الذى كان يحتضن امه بكلتا يديه الصغيرتين.
ولا يعلم أية نكبة دهمته فى أمه المسكينة . . انها ماتت هنا في هذا الموضع الذى تجلس فيه انى شاهدتها وشاهدت تلك العبرات القاتلة التى ترقرقت من مقلتيها ، شاهدتها وهى تحتضر ، شاهدتها عند نزعها الاخير كيف تجاهد لتضع ثديها فى فم الرضيع ، وشاهدتك حينما اقبلت ، وانتزعت الرضيع من صدر أمه الميتة ثم غيبته فى دارك ، وحملت أمه الى مأواها الاخير - طبعا -
اني اذكرك يا محمود ، واذكر كيف كنت روح وتغدو لتجلس فى مجلسك هذا ، ويأتى رفاقك وصحبك .. تتحدثهم بذلك الكتاب الذي لا يكاد يفارقك ولا تكاد تفارقه حتى ترتفع الشمس ، فينفض جمعكم على ان تعودوا بعد العصر وتستأنفوا الحديث الى أذان المغرب
ولما ترعرع عائض ارجات حديث العصر الى ما بعد المغرب لانك كنت تلهو ساعة العصر مع غلامك عائض. ذلك الغلام الذي لا يفتا يرمينى بالحجارة حتى ارمى اليه ببعض ثمارى
اني كنت عطوفا عليه ، حسودا لك على هذه النعمة التى اوتيتها بعد ان حرمك الله من الابناء . . وظلت تختلف معه الى هنا كل
امسية حتى بلغ مبلغ الرجال فاشترك معك في الحديث .
اني اذكر تلك الليلة البهيجية التي رايتك فيها وصحبك مبتهجين فرحين وانرت هذه البقعة بالثريات الكهربائية وفرشت حول البسط الثمينة ، ولم اعلم بسر هذا الابتهاج الا عندما حضر الماذون ، وعقد النكاح بين عائض وابنة المعلم درويش احد صحبك فى الحديث
ومرت ثلاثة اشهر لم ار خلالها عائضا . . فقد انقطع عن دارك كما انقطع عن حلقة الدرس ، وكنت اسمعك كل ليلة تحدث صحبك عن زياراتك له ، وعن تبرمك من انقطاعه عنك ، وانصرافه الى التجارة
وحلت بك تلك الكارثة التى لن انساها واحترقت دارك وزوجك فيها عند صلاة الصبح من ذلك اليوم المشئوم ، ورايتك تخرج من المسجد مذهولا تهم باقتحام النار المستعلة وتصبح وتنوح ، وتابى الا ان تج النار فاوثق المتجمعون كتافك . . واخذوك الى حيث لا ادرى ، وانت تهذى وتصبح وتشتم وتنوح كالذى به مس من الجن ، ومنذ ذلك اليوم ساد هذ المكان ظلمة وسكون ، كظلمة القبر وسكونه
هنا سمع محمود وقع اقدام مقبلة من الشارع فرفع رأسه وسرح ببصره فى طول الشارع المختنق بظلام حالك لا يستطيع المرء ان يبصر فيه شيئا ، الا اذا كان تحت الضوء الذي ينبعث من ذلك المصباح الغازي المعلق على قيد خطوات منه . . انه لا شك حارس المستشفى يستقصى اثرى ، فماذا
يا ترى اعمل ؟ لو نهضت من موضعي لا شك يرانى لان اقرب الى الضوء منه . . اذن يجب ان اختفى خلف هذه الشجرة ، لا . . لا . . ان اقل حركة منى تنبئه بوجودى هنا . . ها هو ذا يقترب . . اوه ما باله بدينا وعهدى به هزيلا ، أمن الممكن ان يمسى فى كل هذه البدانة فى خلال ساعات . . اذن ليس هو . . أه انه عائض
- عائض . . عائض . . عائض . . - ولم يحرك عائض ساكنا بل قال بمنتهى البساطة: - على الله يا شيخ
على الله . . ماذا ؟ أوقد نسيتني ؟ لا . . ان الظلام يخفى بعض ملامحى فيجب ان ادنو منه ، ثم دنى قائلا بصوت متحشرج : - أنا محمود يا عائض - هه . . محمود
ثم نظر اليه فى ذهول ، وعلا وجهه تجهم شديد ، واخرج محفظته ومد اليه يده بريال وقال بلهجة مقتضبة :
- خذ هذا واتركنى فانى على موعد مع احد اصدقائى الاثرياء فى حفلة ساهرة
ثم تركه ومشى . . وقبل ان ترسل ذكاء اشعتها على الكون فى صباح ذلك اليوم كان على باب مستشفى المجاذيب شيخ اوهن الكبر جسمه ، واشعل رأسه شيبا يطرق الباب قائلا:
- خذوني الى حيث كنت . . ما دام لم يكن للاحسان ثمرة فى هذه الحياة . .!

