الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

قصة، الشعر

Share

للشعر عندنا قصة ، احفل تاريخا ، واعمق جذورا ، واوسع ازدهارا , وأقوى آثارا - من " قصة القصة " . فلم لا نصدر اذن ، عددا خاصا " بالشعر " كما صنعنا حينما اصدرنا عددا خاصا " بالقصة " .

مبدأ القصة

تبدأ " قصة الشعر " في هذه البلاد ، منذ عهد الجاهلية . . فمن هذه الربى ، ومن هذه الوهاد ، نبتت أول " شجيرة للشعر " . . وفي هذه الوهاد والانجاد ، نمت الشجيرة نموا رائعا ، فسرعان ما عظم جذعها ، وامتدت جذورها الى الاعماق ، وانتشرت غصونها النضرة إلى الآفاق ، وعمت ثمارها اليانعة ، وازهارها العاطرة الاقطار والتخوم .

وحينما جاء الاسلام ، وحمل " مشعله " الوضاء ، الى الآفاق التى يطبق عليها ظلام دامس - أولئك الفاتحون الميامين من صحابة الرسول عليه السلام ، وتابعيهم الاكارم ، حملوا معهم ايضا

بذور " الدوحة " العظيمة ، التى زهت واينعت ثمارها - من بلادهم ، الى بلاد الدنيا . . فغرسوا هذه البذور الصالحة فى كل بلد حل به ركبهم الميمون . . غرسوها في الشام ، وفي العراق ، وفي مصر ، وفي المغرب الأقصى ، والأدنى ، وفي الاندلس ، والهند وفارس وبخارى وفي كل البلاد التى سعدت بهم ، وما زال احفادهم يوالون سقيها ورعايتها ، وتنميتها ، ونشر عرفها الطيب حتى تكونت منها حدائق غن وارفة الظلال ، زاكية الثمار ، تضفي على العالم بهاءا وجمالا ، ومتعة وتسديدا .

واذن ، فهذه البلاد هي ، بلاريب ، مهد طائر الشعر ومجثمه الذي منه

درج وحلق الى الآفاق . . واذن فلا بدع ان يكون للشعر فيها قصة حافلة ، يطول شرحها ، ويبهر فخرها ، وتموج باعلام البطولة فصولها . .

أبطال القصة

وسنحاول في هذه الافتتاحية ان نستعرض استعراضا سريعا موجزا فصول هذه القصة الحافلة ، ربطا للحاضر بالماضي ، وتمهيدا لتحقيق الامل المنشود ، في المستقبل المجيد .

وان من نافلة القول ان نذكر اسماء قدامى ابطال قصة الشعر في هذه البلاد ، في زمن الجاهلية ، وفي صدر الاسلام ، أو أن نشيد بتراثهم الضخم الحافل الذي كان " الشموع " النيرة الاولى فى عالم الشعر بحق فى سائر أقطار الدنيا . . فقصائدهم سائرة مسير الامثال ، ومن ذا الذي لا يعرف " زهيرا " الحكيم ، و " حاتما الطائي " و " قيس بن الحطيم " و " ابا ذؤيب الهذلى " و النابغة الذبياني " ملك الشعراء المتوج في مملكة " عكاظ " و " طرفة " الشاعر الشاب ، وغيرهم من ابطال قصة الشعر المشهورين ؟ .

ومن ذا الذي لا يعرف " حسان بن ثابت " و " لبيدا ، و " الخنساء " و " كعب بن زهير ، و " ابن الزبعري " و " امية بن ابي الصلت " و " الاعشى " وغيرهم من اعلام الشعر فى صدر الاسلام ؟

ومن ذا الذي يجهل العرجي ، وابن أبي ربيعة ، واضرابهما ؟

كيف صوحت البلاد

وكان من نتائج ما حدث من انتقال الفاتحين الماهدين من هذه الربوع الى اقطار العالم لنشر الهداية ، ان نقلوا معهم بذور دوحة الشعر الى تلك الاقطار ، فصوح منها موطنها الاصلى فيما بعد . .

كان ذلك بالتحديد في القرن الرابع الهجرى ، وقد خلت البلاد بسبب انتقال اولئك الفاتحين من بلادهم الى بلاد اخرى ، من كل نشاط ديني او اجتماعى او سياسي او عمرانى او اقتصادى او ادبى ، ثم مضت البلاد فى متاهة من الفوضى واختلال الامن وشلل المقدرات حتى كادت تفقد كيانها وذاتيتها في غمرة الاحداث والحوادث وهكذا صار في المؤخرة من كان في الطليعة ، وهكذا انعكست اوضاع العالم الاسلامي . وهو لا يشعر بالسبب المباشر . . ان الرأس صار ذنبا والذنب صار رأسا ، فلا غرو أن تتدهور الامور ، وان يكون العالم الاسلامي ، لقمة سائغة للغزاة والمحتلين ، واخيرا للمستعمرين . . .

عصر البعث

ثم . . ثم بدا عصر البعث العربي فى اعقاب حرب الدولة العثمانية مع ايطاليا . . فكانت بلاد العرب تموج بحركات الاستنكار لالتواءات " الرجل المريض " كما تموج بحركات اليقظة والشعور بالذاتية . . ونفخ شعراؤها في ابواق التبشير بتفتح الوعى العربى وبانطلاقه من القيود والسدود ، واسترجاع مجده السليب ، فنال رشاش من هذا البعث العام ، هذه

البلاد ، ولم تتمكن من مسايرته ولا من تتبع خطواته بما يغير دفة اتجاهها ، من الوراء إلى الامام ، بحكم استحكام القيود والسدود التي تحيط بها من دولة الاتراك اذ ذاك . . وكان من آثار انتقال عدوى الشعور بالذاتية والوجود ان رأينا العالم الشاعر " ابراهيم الاسكوبي " ينظم قصائده السياسية من " المدينة المنورة " يزجى  بها نصحا وتوجيها للدولة العثمانية التى تشاءمت من انبثاق هذا الوعى المتفتح الذي سبق اوانه ، فزجت بالشاعر الممتلئ

اخلاصا واعتدالا بالسجن فى بلاد الغربة ، وما رحمت كبر سنه ولا قدسية موطنه ، ولا علمه ولا ادبه . وهذا كله امر ذو بلل بالنسبة لتاريخ قصة الشعر فى ديارنا ابان الاغفاءة المديدة ، فلم يسبق لشاعر من شعراء ذلك الجيل ولا ما قبله على ما نعلم ان سلك في شعره هذا السبيل الشائك الذي كان يعتبر فضولا ونزقا وشططا من الشطط ، وحمقا ورعونة ما بعدهما حمق ولا رعونة ولا طيش وهذيان .

وخلفه على هذه الأمانة ، الشيخ محمد العمري العالم المدني الجزائري الأصل ، فقد كان شاعرا اسلس له الشعر الجزل عنانه ، ومع انه كان ينظم قصائد المديح لولاة الامر في العهدين التركى والهاشمي ، فانه قد كان مع ذلك يجول جولات موفقة احيانا في عالم الشعر الاجتماعي والإصلاحى . . واخيرا السياسي . فى نفس قوى طويل ، واسلوب رائع متين ، واسلوبه وان كان " كلاسيكيا " فهو ينبض بالحيوية والاشراق ، وقد

ساءت العلاقة بينه وبين الحكومة التى خلفت الدولة العثمانية على الحجاز فى مبدأ تملكها لزمام السلطة . . واستمر ذلك الى أواخر عهدها . . اذ كان قد نظم في أواخر العهد التركى قصائد يوجه فيها التقريع الى رجال حكومة الثورة العربية الهاشمية ، وهذه القصائد في بلاغتها وقوتها كنز ثمين ، وان كانت معلومة البواعث والاهداف اذ ذاك . . نظم في بني حرب الذين كانوا يغيرون على اطراف المدينة قصيدة رائعة جدا لازلت احفظ منها قوله فى مطلعها :

رويدا بني حرب تغاديكم الحرب .... ويجتاح ما خولتم الطعن والضرب

فانتم قدحتم بالزناد شرارها .... فأضحت سعيرا لا يبوخ ولا يخبو

كان ذلك منذ نحو خمسة وأربعين عاما . . ثم ٠٠ ثم نشأت ناشئة ما بعد الحرب العالمية الاولى ، تلك الناشئة التى فتحت أعينها على الثورة العربية ، ضد الدولة التركية . وقدم الى البلاد وفود من شتى اقطار العروبة تهنى وتمنى ، وتحيى وتبيى ، وتوجه وتسدد . . وكان من هؤلاء الشاعر المحلق ، والعالم المدقق ، والسياسي المحنك ، والقائد الحصيف . . وكان فى مقدمة شعراء تلك الوفود شاعر العروبة غير مدافع الشيخ " فؤاد الخطيب " . . وفي الشاعر الكبير روح عربية متحررة ، وقد عاد وعاد معه شعره الأسر الى مهده الحبيب ، وفي المهد بذور ضئيلة واهية من مبادئ الوعى والشعور المتخيل الحالم بالذاتية ، ورغبة هينة مكبوتة

في الاقتباس من افنان النهضة الشعرية الحديثة المنتشرة فى اقطار العروبة دون هذا البلد . . وقد اضرم الشاعر جذوة الحماسة الشعرية في ناشئة البلاد الذين حظوا بالاتصال به من كثب ، فتأثرت الناشئة الجديدة بما يراد بهم ولهم ، ورأينا بعضهم يحاول قرض الشعر بتفكير واسلوب جديدين . . وكان في طليعة هؤلاء : المرحوم محمد عمر عرب . . وترى له مساجلة شعرية على ضوء ابيات سياسية الهدف كان نظمها استاذه فؤاد الخطيب . . وكان من هؤلاء ايضا شاعرنا الكبير الاستاذ أحمد ابراهيم الغزاوي ، مد الله فى حياته . . وترى له قصيدة عربية غراء في فصل النماذج من هذا العدد .

وساعد على تنمية طاقة الشاعرية الحديثة الاسلوب والمرامي ، لدى ناشئتنا إذ ذاك هذا الفيض الجارف الوارد من طاقات الشعر العربي الحي الحديث الذي يحمل مشاعل الثورة واقباس النهضة الى كل عربي في كل صقع ويقع . . وهو من نتاج يراع شعراء معاصرين كانوا احياء . . .

يشاهدون ويسمعون ويشعرون ، فيصوغون ثمار شعورهم ومشاهداتهم واحلامهم في ذوب مشرق من الشعر المؤثر الجديد . . وفي طليعة هؤلاء : سامي البارودى ، واسماعيل صبرى ، وحافظ ابراهيم ، واحمد شوقي ، في مصر . . والزهاري والرصافي في العراق . والزركلى والغلاييني والاخطل الصغير وبدوى الجبل في بلاد الشام . وجبران خليل جبران ، وايليا ابوماضى في المهجر . . وغيرهم وغيرهم . .

ولا ريب ان كل هذا كان بمثابة الروافد لتكوين مبادئ شخصية " الشاعر الحديث " هنا ، والعزوف تدريجيا عن اسلوب الشعر القديم ذي التشاطير والمشجرات والمخمسات والمديح الاجوف والهجاء السام ، والفكر القاصر والجناح المهيض المقصوص . .

شعراء التجديد لدينا

وبعد فقد ظل التجديد امدا مديدا لدى شعرائنا ، محاولات ، وتقليدا للمجددين من اعلام الشعر العربي الحديث . . في مصر والشام والمهجر . . وانا ذاكر هنا مستهل قصيدة للشاعر الكبير الاستاذ احمد ابراهيم الغزاوي ، خرج بها شاعرنا عن نطاق " المحلية " الى ميدان " الشمولية " فى سعة افق الموضوع . . وقد كان نظمها فى عام ١٣٥٣ ه بمناسبة توقيع الصلح بين المملكة السعودية واليمن . قال :

حمدنا السري غب امتشاق البواتر .... وكدنا العدى بالصلح رغم العواثر

وأصبح ما بين العروبة مسفرا .... من الحب والقربي ونور البصائر

ما اجمل قوله :

واصبح ما بين العروبة مسفرا .. من الحب والقربي ونور البصائر

ان الشاعر هنا يتحدث من " مكة " بآمال العروبة التى بدات تتحقق من ذلك اليوم . . والتي سطع نجم تحققها فى هذا اليوم . .

تماسك منها كل جزء بأصله .. فاعظم بها مرهوبة فى المغافر

واحر بيوم تم فيه ائتلافها .. ثناء الليالي والعصور الغوابر

فما الحرب ، اذ ذاقت مرارة كأسها

بأشفى غليلا من سلام مؤازر والشاعر في البيت الاخير تسبق لماحيته والمعيته الى احدث النظريات الاجتماعية التى توصلت اليها البشرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ونادى بها الشعراء والكتاب والمفكرون ورجال القانون واقطاب السياسة العالمية . . ألا وهي " ان الحرب خسارة فادحة للغالب والمغلوب معا ، والسلم كسب لهما معا ، .

فما الحرب اذ ذاقت مرارة كأسها .. بأشفى غليلا من سلام مؤازر

وسنذكر هنا ايضا الشعراء . . خالد الفرج ، ومحمد بن بليهد ، وعمر كردى ، وصبحى الحلبي ، وعمر البرى ، ومن سار على دربهم ، فى محاولة الخروج من اغلال ماضي الشعر الثقيلة الكاربة . . بمسايرة التطور الحديث ومعالجة الموضوعات الوطنية والسياسية والاجتماعية ، بدلا من الانحصار بين أسوار المديح والوصف الفج والغزل التقليدى الأجوف . .

ويأتي بعد ذلك الرعيل رعيل آخر يتمثل في الشعراء : محمد سرور الصبان ، ومحمد عمر عرب ، ومحمد سعيد العامودى وعبيد مدني ، واحمد العربى وعبدالله بالخير ، وابراهيم فطانى ، وعبدالوهاب آشى ، وحمزة شحاته ، واحمد قنديل ، وابراهيم هاشم فلالى ، ومحمد حسن فقي ، وابراهيم فوده وفؤاد شاكر ومحمود عارف وضياء الدين رجب وعلى حافظ ، وحسين سراج وحسين عرب ، وحسين سرحان ، وطاهر زمخشرى ، واحمد

عبدالغفور عطار والجشي واضرابهم ممن ستقرا اشعارهم في هذا العدد .

وتمضى قافلة التجديد الشعرى او محاولات التجديد وئيدة لتضم اليها الشعراء : محمد السنوسي ومحمد احمد عيسى العقيلى ، وحسن القرشي ، ومحمد العامر الرميح ، وهاشم رشيد ومصطفى العقبي ، وعبدالسلام حافظ ، وسراج خراز ، والخنزى ،

هل افاد الشعر في تطورنا الحديث ترى ماذا افادت البلاد من اصداء

الشعر الحديث لتطورها وتقدمها ؟ راجعت نفسى مرارا قبل محاولة الاجابة عن هذا السؤال العميق . . والمحير . . في وقت واحد . .

واخيرا رأيت من الحكمة ان اداور ، بان ادور حول الصخرة العاتية لعلى اوفق الى اجتيازها بنجاح او ببعض نجاح على الاقل . . فليس بوسعي ان اثب من فوقها وثبا . .

اننى من الناس الذين يعتقدون ان " أطلنطيد " دولة الشعر قد غمرت قصوره الوضاءة الزاهية ، بطوفان محيط المدنية المادية الحاضرة . ومع ذلك فلا اعتقد باستحالة بعث هذا " الاطلنطيد " بذخائره وروائعه وجعله يساير تيارات المدنية الحاضرة باعجوبة إذا ما اتيحت له الفرص من ابطاله . .

ذلك ان الشعر إذا كان نابضا بالحيوية ، عارفا كيف يتغلغل في اعماق النفوس والمجتمع فانه يعتبر عندي من اهم مصادر البعث والالهام ، لا للافراد في خلواتهم وجلواتهم فحسب

ولكن للمجتمع فى معقد شؤونه وفي عقد شجونه ، وفي مثله واهدافه

والحق انه توجد في كل لغة ، وخاصة اللغة العربية الكريمة ابيات ومقطوعات واناشيد قديمة وحديثة لا يمكن ان تذيبها تيارات المدنية الحديثة بل تزيدها الايام اشراقا الى اشراق وجدة الى جدة . . وترى القلوب تتناقلها قبل الافواه ، للتوجيه وللتسلية والتسرية والاسوة والتنبيه . . وهذه

الابيات كلما تجددت العقد وادلهم ليل الحياة في ضباب الحضارة الراهنة انطلقت منها اشعاعات وومضات نيرة تنير للناس الآفاق ، وتترك القاتم وضاءا مبينا جميلا . . انها بمثابة القذائف الموجهة تنطلق في الآفاق لتصل الى اهدافها ذاتيا ، وانها بمثابة " الرادار " الذي يلتقط التيارات من ابعد الاجواء

فالشعر بهذا الاعتبار ليس من سقط المتاع الذي يستغنى عنه ، بل هو شئ ثمين وقيم للحياة ، ولا يمكن ولا ينبغي ان تستغني عنه .

أسباب تردى الشعر وعوامل بعثه

وأعتقد أن الذي أدى  الى غمر الشعر والصدوف عن خمائله هو هذا الفيض الطامى الذى تفيض به علينا دواوين الشعر وقصائده المنشورة الوفيرة الجميلة الطبعات والاخراج ، وهي في الوقت نفسه لا تحوى الا رخيصا من القول ، وغثا من النظم والمعاني والاهداف ، مما اكد القرائح واجهد الابصار ، وجعل القلوب تعزف عن كل ما عليه طابع الشعر او اسمه والدليل على هذا بقاء مكانة شعراء

معاصرين كما هي . . امثال شوقي وحافظ والزهاوى وايليا ابو ماضي .

ان الخير يخص ، وان الشر يعم . . وقد يكون في هذا الفيض الطامى الممقوت من القصائد المنشورة بالصحف وغيرها ، اشياء نفيسة ولكن ستظل مغمورة منبوذة بحكم ان الحكم للغالب والنادر لا حكم له ولا تقدير .

اذن فعلى الشعراء انفسهم تقع تبعات زعزعة موقف الشعر ، وعليهم تقع مسؤوليات النهوض به إلى فوق ، كما كان اسلافهم فعلوا اثناء ضجيج مدنية الامبراطورية العباسية التى كان يقول خليفتها للسحاب :

" امطرى حيث شئت فخراجك لنا " . ولو لم يكن للشعر مكانته حتى الآن وفيما بعد الآن ، لما سمعنا الافواه تلهج كل مرة بروائعة . . فمن هو المثقف منا او من غيرنا الذي لا يحفظ ولا يتغنى بقول المتنبي :

إذا غامرت في شرف مروم .. فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في امر حقير .. كطعم الموت في امر عظيم

وقوله :

واحتمال الاذى ورؤية جا .. نية غذاء تضوى به الأجسام

وقوله :

بذا قضت الأيام ما بين اهلها .. مصائب قوم عند قوم فوائد

وقول زهير :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه .. يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

وقول بشار :

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن .. برأي نصيح او نصيحة حازم

وقول الزهاوى :

وان الذي يسعى لتحرير امة .. يهون عليه النفي والسجن والشنق

وقول شوقي :

وانما الامم الاخلاق ما بقيت .. فان همو ذهبت اخلاقهم ذهبوا

وقول حافظ ابراهيم :

هكذا الميكادو قد علمنا .. ان نرى الأوطان أما وأبا

مدى تأثير شعرنا في تطورنا

وعلى هذا فما هو مدى تأثير شعرنا فى تطورنا ؟ وهل اثر الشعر فى حياتنا ام لم يؤثر ؟ وما هو هذا الاثر ؟ وما نوعه ؛ وما مظهره ؟ وما مخبره ؟ وجوهره ؟

أسئلة عويصة افضل ان احيل الاجابة عنها الى الشعراء انفسهم والى الناقدين والباحثين من ادبائنا . . ذلك لأن الاجابة على هذه الاسئلة هي في حاجة الى دراسة عميقة اولا للشعر نفسه واطواره وادواره وقصائده تسندها دراسة اخرى عميقة لحياتنا ومسببات تطورها وملابساتها وملابسات هذا التطور ، ثم دمج الدراستين معا ، والخروج من ذلك بالنتائج المنشودة عن مدى اثر الشعر فيما وصلنا اليه من تطور . .

على اني اميل الى الاعتقاد بأن بعض القصائد والمقطوعات القوية الواضحة الاهداف من شعرنا الحديث كان لها مفعول محدود في هذا التطور ولكن ما هو هذا المفعول ؟

وما مدى تغلغله ؟ وكيف حدث ؟ وفيما ذا حدث ؟ ان هذه اسئلة عويصة هي الاخرى لا يتسنى لى الآن الجواب عليها . . وأفضل ان يقوم بالاجابة عنها نخبة من باحثينا من الشعراء والأدباء . . حتى يجلوا لنا حقيقة اثر الشعر في هذه الحقبة من حياتنا الحديثة التى نشعر فيها اننا على ابواب عهد جديد . .

على اني ممن يعتقدون ايضا ان طائر الشعر لدينا لم يحلق بعد في آفاق رحبة . . انه لا يزال اسير قيوده القديمة فى كثير من الاحيان ، والنفحات التى هبت عليه من الخارج لما تتمكن من رفع مستواه الى الحد المروم ، وان طريق رفع مستواه حتى يضاهىء الشعر الحديث في العالم العربى لا تزال بحاجة الى كثير من الوقت والجهد والاسباب . .

ومن الحق ان نقول : ان شعرنا لم يستعد جزءا من مكانته فى صدر الاسلام وفي الجاهلية ، وهو اما ان يكون تقليدا محضا لشعراء العرب المعاصرين ، او تجديدا محدودا في ثوب قاصر ، وفي عرض غير آسر . او فى معنى غير ساحر . . فعلى شعرائنا ان يعملوا بجد في سبيل التحليق بشعرهم الى المستوى الراقي الذي يليق بمكانة هذه البلاد بين بلاد العروبة والاسلام . .

هذا العدد . . وهذا العدد الذي نصدره خاصا بالشعر في هذه البلاد ، انما نهدف به الى اشعال اقباس الحماسة في جوانح شعرائنا ، لينتفضوا فيجددوا لنا غرس ما قصفت به الاحداث من ادواح الشعر العظيمة ببلادهم ، خاصة بعد معرفتهم لمكانتهم في عالم الشعر باليوم ، وبالامس البعيد والقريب

واذا كان احد شعرائنا يقول في انطلاقة تجديدية رائعة :

من هنا شع للحقيقة فجر .. من قديم ومن هنا يتجدد

فان لنا ان نقول على منواله :

من هنا شع في الحقيقة شعر  .. من قديم ومن هنا يتجدد

اشترك في نشرتنا البريدية