الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

قصة، قلب الاسد

Share

كنا جماعة تربطنا  روابط الصداقة ووشانج الادب وكانت الندوة فى نشوة حديثها الممتنع والحديث يجرى عذبا يفيض من مناهل الادب العربى والقصة تدور حول بشر بن عوانة وقصته مع الإسد وقد تشعب الحديث فنونا حول واقعية القصة وخيالها الخصب وطلب الى صديق لنا اشتهر بقوة الذاكرة وغزارة الحفظ ان يتلو لنا قصيدة بشر التى سجلت بطولته العارمة فاندفع ينشد فى نبرة قوية وشعور ملتهب :

أفاطم لو شهدت ببطن خبت وقد لاقى الهزبر اخاك بشرا ؟ إذا لرايت ليثا ام ليثا هزبرا اغلبا لاقي هزبرا الى أن قال :

فخر مجندلا بدم كانى

هدمت به بناء مشمخرا

وفي غمرة الاعجاب ببراعة القصة وروعة القصيدة ند بيننا صوت يدوى كان يستمع الى المناقشة . في صمت المتحفز وسكوت المتحدى واراد احدنا مداعبته قائلا لعل في مغامراتكم البدوية ما تطرفنا به يا أخا العرب ! فارتسم على محيا

الاعرابي شعور غريب وسرح بطرفه برهة وجيزة كانما يجمع خيوط قصته الجميلة من خيوط الشفق البعيد وافتتح الحديث في نبرة هادئة ولهجة رصينة فقال :

لقد وقعت مثل هذه القصة تماما فى قرية من قرى تهامة منذ اكثر من عشرين عاما ، ولا يزال شباب القرية وعذاراها يتناقلون حديثها الممتع وبطولتها الخارقة فى عزة وشموخ .

وكانت هذه المقدمة الوجيزة كافية لاستثارة اشواقنا إلى معرفة القصة و مراسلها واسترسل الاعرابى يقول : هبط سبع مفترس من السهل الى الوهداى الى سهل تهامة فعبر الاودية وتسلل المزارع وما زال متغلغلا حتى انتهى به المطاف الى قرية صغيرة تقع فى منحنى الطريق بين صبيا وجازان يظلل مساكنها الأراك ويحجبها عن الطريق شجر السلم تسمى قرية ( الطمحة ) واحتل النمر هذه البقعة الجميلة وقد زال فيها مملكته المنشودة ودنياه الجديدة رأي الاشجار الكثيفة منتشرة هنا وهناك ورأى الكلأ وقد غطى ما تبقى من الرمال الفضية فاستهوته هذه

المناظر الخلابة التى لم يألف مثيلا لها فى الجبال حيث المغارات والكهوف والحجر الصلد .

قرر النمر بأن يقتطع هذه البقعة من الارض ولا يمكن أى مخلوق من مشاركته فيها مهما كان الثمن فافترش الاعشاب اللدنة وبدأ النسيم البارد يهب من نحو المشرق مؤذنا بقرب الصبح وما هي الا لحظات حتى سطع القمر فى غلالة اضوائه ينتشر على السهول الملأى بروائع النبت .

وعندما فض النوار كما يقول التهاميون اقبلت احدى الفتيات حلوة كالصبح وندية كالنسسيم تتقدم مواشها الى المرعى مزهوة بشبابها الغض وانوثتها الدافقة وفجأة تفرقت مواشها يمنة ويسرة فى رعب فالتفتت لمصدر الفزع فرأت النمر بثوبه المطرز وشكله الرائع وهو لا يزال يحتضن العشب فعادت من حيث أتت لا تلوى على شئ كانت مسرعة فى خطاها حتى قربت من مزرعة ترددت اليها غير مرة ورأت صاحب المزرعة يقتص اثرا غريبا فى مزرعته وكان بوده ان يرى من يساعده على اكتشاف هذا الاثر الذي يشبه اثر سقب وان كان يختلف عنه شكلا وحجما .

رأى الشخص الفتاة وهي مقبلة تسرع خطاها مرة وتتعثر بحقول الذرة مرة اخرى الى ان وصلت اليه فأخبرته بما رأت وظلت تروى له التفاصيل وتطلب منه ان يعود الى الحلة ليستعين باحد اخوانه او يأخذ

البندقية التى تركها معلقة بأحد مشاجب البيت لان الجنبية التى يشد بها وسطه والتى يبلغ طولها نصف متر وان كانت ذات حدين فاتكين الا انها لا تجدى نفعا فى نظر الفتاة

وظل الفتى سائرا يستمع التفاصيل ولم يجب ولكنه فى هذه المرة عطف عن الطريق وابتدأ يتسور شجر السدر والحناء ، لان السمرة التى اشارت اليها الفتاة لا تبعد كثيرا ورجاها بأن تغادر الساحة لان ساعة الخطر تقترب شيئا فشيئا وقفت الفتاة تنظر الى ابن عمها وهو يقترب من القبر خطوة خطوة وظلت تصعد النظر في قامته الفارعة وشعوره الكثيفة المتدلية على عاتقه

كان الفتى شابا نضرا قد بدأ يضع قدميه على أول عتبة من العقد الثالث من ربيع الحياة وقد عز على الفتاة ان تترك نفسها للمشاعر القلقة فقررت ان تسير وراءه دون ان يعلم بمكانها لعلها تقدم له بعض العون لان حياتها ستكون بعده حياة تافهة لا قيمة لها .

أما النمر فقدهب من موقعه لينتقل الى موقع آخر وكانه احس بالمؤامرة التى تدار في الخفاء للتطويح براسه كانت المقابلة قريبة جدا على زهاء عشرين مترا ، فبدأ الفتى يحل لحافا من الحبر اليماني كان قد وضعه على كتفه الايسر ليعصم به اجزاء جسمه من حقوه الى منتهى صدره غير أن

النمر ارتاب من هذه الحركة السريعة فهجم كالصاعقة واحتضنه بذراعيه الفولاذيتين وظل ينهش بأنيابه ولكن اللحاف قد وفى الجسم بعض الشئ وفى غمرة الصراع الرهيب كان الفتى الباسل يحاول اخراج يديه التى تحت عضلات النمر وبعد محاولات عنيفة تمكن الفتى من انتزاع يده اليسرى فبدأ يستعملها دفاعا عن النفس فخنق بها النمر وفي هذه اللحظة المثقلة بمشاعر الحياة والموت صعدت ابنة عمه وفتاة احلامه على ربوة صغيرة ورفعت عقيرتها بالزغاريد فأحس الفتى وكأن قوة

كهربائية تدفعه للمقاومة فضيق الخناق حتى لمس لعاب النمر يسيل باردا على يديه وقد تراخت عضلاته وضعفت مقاومته فجمع الفتى قواه والقاه ظهرا وأراد النمر استئناف المقاومة مرة اخرى ولكن الجنبية قد تألقت في أشعة الشمس وعلا بها هامة النمر فأرداه يلتغم الرغام وغربت الشمس ذلك اليوم وما غربت عن القرية اضواء بطولة الفتى الباسل واتصلت الزغاريد معلنة فرحة الخطبة وزفاف العاشقين . .

اشترك في نشرتنا البريدية