الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

قصة، مترجمة عن الاندونيسية بتصرف, غرفة ومطبخ وحمام، ( احلام الفقراء ! ..)

Share

كان ذلك منذ خمسة أعوام . .

وكنت فقيرا معدما . .

كنت أحلم ببناء كوخ من سعف النخيل . . من القش . . او من اكياس الاسمنت الورق . . أو من خشب صناديق السيارات . .

يالله . . . ما اوسع خيال الفقراء والمعدمين!..

وفى يوم من الايام . . وضعت قروشا فائضة عن حاجتى فى البنك فناولنى موظف البنك دفترا يذكر فيه رصيدى ويناولنى دفتر شيكات مطبوعا اسمى على كل ورقة منه . . ولست اعرف في حياتي سرورا غمرني كسرور ذلك اليوم . . كنت أرى ان كل ورقة من هذه الشيكات قد تساوى اكثر من القروش التى وضعتها فى البنك . . فأقول فى نفسى : يالمغفلين الذي يرضون بحفظ رصيد الفقراء لديهم ! . .

ومرت بي أيام كنت أرى فيها وجه الدنيا كالحا قاتما . . ذلك لانني لم أجد الدنيا تنصفني أيما انصاف فالذكاء والفهم يلازمان الفقر والعوز والجهل والغباء يرتعان في بحبوحة من

" الثراء والرفاهية والرخاء . . هذا كقاعدة عامة ! . . ولكنني مصمم على أن أخوض معركة الحياة بكل ما أملك من مواهب لاصرع الفقر والحاجة . . ولكن للحرمان والالم فضائل ومميزات كبرى أيضا . . انه يوسع الآفاق والادراك ويساعد على التأمل والتخيل

وقترت على نفسى .. وحرمتها كل لذائذ الحياة . . واقنعت نفسى أن كل ما ليس بامكاني الحصول عليه انما هو ترف وبذخ وضار . . أقنعتها ان الشوكولاته تربك المعدة والفاكهة تجعل فى المعدة حموضة . . ولبس ثوب الحرير او الساعة الذهبية مظهر من مظاهر التخنث . . واقتناء سيارة خاصة جريمة كبرى لان ذلك يمنع الرجل من ممارسة رياضة المشى وهى أرخص انواع الرياضات . . اقنعت نفسي أن غرفة واحدة . . واحدة فقط وحما عاديا . . عاديا جدا ، ومطبخا مساحته متران مربعان فقط . . كل هذا البناء كاف للانسان العادى . . ولو كان البناء من اللبن او من شجر النخيل . .!

وتأملت موكب الحياة !

هذا فلان الفلانى . . كان بالامس زميلي . . وكنا نعمل معا فى مكتب واحد . . وكان ( مكتبه ) الى جانب مكتبي .. وكنا نمشى ( مشوار ) المساء على ارجلنا وكنت احاول اقناع نفسي واقناعه ان كل شىء على غاية ما يرام . . وأن كل انسان ينال ما يستحق فى الحياة . . ألم يقل المتنبى

وما الجمع بين الماء والنار في يدى

     باصعب من ان اجمع المجد والفهما

ثم أرى فلان الفلانى هذا بالذات يبنى البيت الفخم . . ويشترى الاثاث الفخم . . ويركب السيارة الفخمة . . وربما يتزوج زواجا فخما كذلك . . فتختل القيم فى نفسى . . ولكن ماذا أفعل أنا على مكتبي . . أعمل بجد واخلاص . . واقتر واحرم نفسى من كل اطايب العيش لاخنق القرووش فى البنك ، ولن يتيسر لى الغرفة والمطبخ والحمام التى احلم بها ليل نهار . أأسرق ؛ ! ولكن كيف ومن اين . .

ومضت أيام ذقت فيها كل انواع ( البهدلة ) . . فهذا قميصى وسخ ومرقع . . وهذا جوربى ممزق ومهلهل وهذا بدني مبقع ببقع سوداء أفركه بيدى فتتدحرج ( فتائل ) الوسخ . وعذرى مقبول لدى نفسى . . ليس لدى الوقت ولا الصابون ولا الماء الكافي لا نظف بدني . . وهذا حذائى لم يذق طعم ( الدهان ) أبدا وهذا شعري يتساقط منه ( السيبان ) والقشر الابيض بمناسبة وبلا مناسبة وأحكه بأظافرى المستطيلة القذرة . . ويطول حتى يصبح كشعر الفلاسفة فيعجبني هذا المنظر " المزري " . . وأقول فى نفسي اننى سعيد بهذا المظهر الذي يعطيني انطباع الرهبة والوقار الفلسفي

والعمق . . فاتخذ وضعية جيدة .. واذا جلست مع اناس بسطاء . . تراهم تربعوا واخذوا سمة الاحترام والهيبة وأطل احدهم برأسه وسأل : ما رأيك يا أستاذ بكذا او كذا وقد يسألوننى أسئلة محرجة . . يسألوننى مثلا أسئلة فلكية او طوبوغرافية . . او سياسية او اجتماعية . . عميقة . . فأشحذ الفكر . . وأدلى باقوال مبهمة غامضة . . يسهل تأويلها على عدة وجوه . . وأشتط بالحديث فابتعد به عن نواحى الزلل واصل به الى مواضيع مأمونة مضمونة . . فيعجب الناس من هذه ( اللباقة ) و ( الكياسه وسرعة الخاطر . . ولكن أدرى ينفسى من الناس جميعا ، اننى اقرب الى الغباء منى الى الذكاء . . والى الجهل منى الى العلم . .

لماذا كنت قاسيا كل القسوة على نفسي . . لماذا كل هذا التقتير والشد واغلال اليد الى العنق ؟ ! . . لاننى كنت وراء غاية . . اريد بناء غرفة ومطبخ وحمام على أرض أملكها ( والملك لله ) ولكن كيف أبنى وانا لا أعرف من فن البناء شيئا . . لا أعرف المربع من المستطيل . . والمتر المربع من المتر المكعب ! اذن سأدرس . . سأسال صديقى المهندس فلانا . . سألصق به اسبوعا استدرجه ليحدثني عن كيفية البناء ووضع الاساس فى الارض . . والمواد المطلوبة لذلك . . وعن ايهما أقوى على الدهر : اللبن ؟ أم الحجر ؟ أم آجر الاسمنت ؟ وعن التكاليف المطلوبة وهل رصيد القرووش الذى فى البنك ساوى هذه التكاليف المطلوبة ام لا

آه . . ياللجهل والفقر ما اقبحهما انثى اغبط هذا المهندس الذي اذا

أتاه ( زبون ) يريد بناء بيت امسك الورقة والقلم ورسم له مأراد . . وبعد دقائق يتناول الرجل الورقة المخطوطة ويدفع ثمنها قدر راتب شهرين او ثلاثة من رواتب . . هذا إذا كان البناء بسيطا . . واذا كان ضخما فخما ربما دفع راتب سنتين من سنى عمرى الضائع . . والعملية أبسط مما تتصورون . . ان تطبيق هذه الورقة المخطوطة على الارض أمر هين كذلك عند المهندس والمقاول ولكنه عندى وعند الجهلة أمر شاق عسير . . اه ليت أبوى ضربانى ودفعانى دفعا للمواظبة فى المدرسة على الدراسة لاميز بين المتر المربع والمتر المكعب ، بين الخط الافقى والخط العمودى ، بين المثلث والهرم ؟ ! اذن لكانت لدى المبادئ التى بها أقلد هذا المهندس فاسرق منه رسما او رسمين خارطة او اثنتين . . ثم استطيع بناء الغرفة والمطبخ والحمام

ولكنني مصمم على بناء الغرفة والمطبخ والحمام .

وقد بنيتها جميعا . . وأنا الآن أسكن فيها ، ستتساءل : وكيف كان ذلك ؟ ! . .

ستقول : سرقت .

فأقول : معاذ الله . .

ستقول : اذن استدنت مبلغا ما من صديق او وجيه ( وبلعته ) عليه.

فأقول : اتريد ان تقول أننى نصبت على صديق او وجيه بمبلغ اصبح فى خبر كان . . ومن أين يقرض الصديق او الوجيه . . فقيرا بائسا محروما مثلى . . لا انى ما نصبت على احد من الناس .

ستقول اذن : تذللت . . وتمسحت بأعتاب زيد او عمرو . . فأشفقوا عليك . . ومنحك كل منهم منحة . .

فأقول : حتى ولا هذا . .

فأقول حتى ولا هذا . .

اذن ؟ . . وارتسمت على وجه صاحب علامة استفهام عريضة . . لا . . لا ياصاحبي . . حتى ولا هذا ولا ذاك . . فلا زلت أعزب أعيش وحدى . .

اذن كيف ! . .

يا صاحبي لا تسل كيف . . اعرق وجاهد ز . وحدك . . اعرق . . واشحذ فكرك . . وتمثل دائما ببيت أبى الطيب المتنبى:

وانما رجل الدنيا وواحدها

                  من لا يعول فى الدنيا على رجل

وبالوسائل الشريفة . . تسطيع أن تصل الى ما يصل اليه غيرك . . أو الى بعض ما يصل غيرك اليه . . وتكفى حينئذ ذل الحاجة والاستجداء والتذلل وتستطيع الحصول على الخبز والجبن وتعيش مرفوع الرأس موفور الكرامة عزيز الجانب . . ومع امثالنا . .

اشترك في نشرتنا البريدية