الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

قصة :، دين .. ووفاء .. !!

Share

في هذا الكون العجيب تجرى غرائب يقف المرء أمامها مبهور الانفاس ومهما حاول أن يجدها تعليلا فلن يستطيع ان يخرج بنتيجة اللهم الا قوله : انه القدر . . أما من يسمع بها فلا ريب أنه يظن ان محدثه يتمتع بخيال خصب أوحى له مثل هذه القصة المحبوكة . . وهذه احداها . . شهدتها بنفسي . وتأثرت بها لانني أعرف الاشخاص الذين حدثت لهم :

هو رجل فى العقد الثالث من العمر . . يتمتع بمكانة مرموقة فى البلد . . ويحتل مركز الصدارة فى أسرته التى أصبح عائلها منذ توفى والده . . وقد استقر حاله . ونعمت حياته . . ولكنه لم يفكر بعد فى الزواج لئلا يصرفه عن الاهتمام بأمه واخوته . . وقد اصبحوا شبانا وشابات . .

سافر صاحبنا الى بلاد الغرب مبعوثا من حكومته في رحلة تستغرق ثلاثة أشهر . . وكانت السفرة الاولى . . وصعب على الأهل فراقه . فأقسموا ليقيمن الأفراح والليالي الملاح عند عودته بالسلامة .

وليدعن الأهل والأصحاب ليشاركوهم الابتهاج سبعة . أيام حافلة . .

وانقضت المدة . . وعاد الغائب . وحضر الأهل كلهم لم يستثن منهم العاجز والمريض . . وكان بين من حضر شاب ضن عليه الدهر أن يتمتع بشبابه فأصابه في قلبه . . فعاش لا يأكل الا بقدر . . ولا يضحك الا بقدر . . ولا يعيش عيشة حرة خالية من قيود الحمية والوقاية التى يفرضها الاطباء . . والتي يخالها المريض أشد وطأة من قضبان السجن وأمر مذاقا من عذاب الأسر . . كان محظورا عليه أن يسهر . . وأن يدخل غرفا تعج بالناس ويمتلئ جوها

بأنفاسهم . . ولكن ابن عمه عزيز عليه . . فما عليه إذا جاء مسلما . . وقضى الليلة الاولى معه . . ويتمتع بليلة ستكون بلا شك من ليالي العمر وجاء مهنئا ، ودخل الدار وانفرد الرجال في غرفة . . والنساء في أخرى ريثما يذهب الغرباء . فيلتئم شمل الاسرة والاقارب وينضم الفريقان كل الى الآخر . . وأثر المريض ان يبقى في غرفة النساء . .

حيث يستطيع الجلوس الهادىء . . فلا يضطر الى الوقوف بين الفينة والفينة مستقبلا أو مودعا . . وبعد ساعة أو يزيد شعر بضيق في صدره ظن أن جرعة من الماء تزيله . . وأن مسحة من ماء الزهر تذهب ما اعتراه . . وسارع يطلبها . . وأحضرا على عجل . . ولكن ظنه أخطأ هذه المرة . فقد ازداد الضيق واحتقن الوجه بالدماء وتسارعت ضربات القلب ثم توقفت . . نعم توقفت بين لغط النساء اللاتى لم ينتبهن الى ماحدث . ومات الرجل . . وانقلب الفرح ترحا وعمت الفوضى أنحاء البيت . ونقل الميت على عجل . . وأغلقت الابواب . وأطفئت الانوار . . وساد الصمت .

وسار الزمن . ومضت الايام وشاء الأبوان الثاكلان ان يؤديا فريضة الحج علهما يجدان العزاء في تقربهما الى الله . وانقضى الحج وعادا سالمين . . وأقاما وليمة غداء تجمع الأهل فقط . . وجاء أولاد العم-أهل العائد من الابتعاث - الذي جرى الحادث المشئوم في داره - جاءوا جميعهم ، الكبير منهم والصغير صاحب الاعمال وطالب الجامعة وكانت وليمة شهية . . حفلت بما لذ وطاب . . وأكل الجميع . . ثم انتثروا في غرفات البيت يلتمسون الراحة لمعداتهم المتخومة . . وانزوي

أحد أبناء العم في غرفة منفردة يطلب النوم فلا يأتيه . . لقد كان مشغول الفكر قلق البال . . فبعد ساعات قلائل تصدر نتائج الحقوق . . لقد حالفه سوء الطالع طيلة سنى دراسته . . وهذه هي سنته الأخيرة . . فهل ينجح يا ترى ؟ ! . . جلس يضرب أخماسا بأسداس . ودخلت اخته

عليه الغرفة . . لتجده محتقن الوجه وفي شبه غيبوبة . . فاستغاثت بمن فى الدار . . فجاؤوا على عجل . . وظنوا انها اغماءة بسيطة . . وجاء الطبيب . . وأعلن ان الشاب قد فارق الحياة . . لم يكن مريضا ولا كان يشكو ألما . . كل مافي الأمر أن الرجل قد مات وانقلب الفرح ترحا . . وعمت الفوضى أنحاء البيت . . ونقل الميت على عجل . . واغلقت الابواب . . وساد الصمت . .

وفي اليوم الثاني كان المؤذن يقول . الله أكبر . . وسارت الجنازة . . وارتفع صوت المذياع يعدد أسماء الناجحين . . وكان بينهم المرحوم فلان . .

لقد عاد المسافر من ابتعاثه فقدم له عمه هدية ثمينة هي ابنه . . وعاد العم بعد اداء فريضة الحج فلم تكن هدية أولاد اخيه اقل شانا . . لقد اوفوا الدين كاملا . .

اشترك في نشرتنا البريدية