الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

قصة الاذاعة السعودية

Share

الاذاعة السعودية حديثة العهد ، وعمرها - الآن - لا يزيد على ثلاث سنوات وبدأت كما يبدأ كل كائن حي ، ولكنها عندما كانت جنينا أمدت بالغذاء الصالح والرعاية والعناية ، حتى إذا قدر لها أن ترى الور كانت وليدا تمتاز بقوة البنيان ونبات العظم ووفرة الصحة ؛ ثم مشت فى طريقها فاذا هي تستوى فى خلال ثلاث السنوات ، وتبلغ مبلغا حسنا ليس منتهى الصبوات ولا آية الآمال ، ولكنه موضع الرجاء ومحط الاعجاب ، لأنه يطمئن الى أن القمة غير بعيدة .

كانت الاذاعة السعودية فكرة عند حضرة صاحب السمو الملك الأمير سعود ولى عهد المملكة العربية السعودية، حتى اذا نضجت ، وانتهى تكوينها ورضى عنها ولى العهد المعظم المعروف بفهمه السليم وعقله الكبير وإفادته من التجارب ونتاج القرائح والملكات وآثار المدنية والحضارة ، أخرجها إلى الوجود كائنا حيا صالحا للحياة ، له ظل ممدود ، وذكر مرفوع ، واسلم وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان هذا الكائن الحي ، وأراه وسائل تغذيته وطرق تربيته كما أراه الطريق الذي يسلكه ، وأقام له الصوى ، وأراه من يهتدى بهم ويستعين . وابن سليمان - كعهدنا به - أمين ، وكعهدنا به نشيط مجد دؤوب ، فاستعان بكل من توسم فيه المعرفة فى هذا المجال حتى وفق فيما أسند اليه من عمل .

وتدين الاذاعة السعودية لحضرة صاحي "السمو الملكى الأمير العبقرى الموهوب فيصل . وابنه فخر الشباب العربى الأديب الشاعر الأمير عبد الله الفيصل بالفضل العظم فيما أحرزت من نقدم لأنها اهتدت بخبرتهما وتجاربهما ومشاهداتهما وما لديهما من معرفة وثقافة فى الحقل الاذاعى ، تلك الثقافة التى كوناها من الدراسة والعلم وزيارة مختلف الاذاعات العالمية الكبيرة . واسترشدت بعقلهما ، فإذا المشروع الاذاعى يبرز فجأة الى الوجود ، ويتلقى العالم من راديو المملكة السعودية إذاعة عربية اسلامية قامت فى خير بلد لتشارك فى إعادة مجد

العرب وعزة المسلمين ، وتضع برامج النهضة ، وتشارك فى تمهيد الطريق الذى يفضى الى المعرفة والفهم والحرية ، ويذكر العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بواجبهم ، وتبصرهم بأمورهم دون مواربة أو التواء.

وكانت الاذاعة السعودية عندما بدأت لا تزيد مدتها عن ساعة تشغلها قراءة ما تيسر من آي الذكر الحكيم ، وإذاعة حديث أو حديثين قصيرين ثم الأخبار ، ويتخلل ذلك - أحيانا - إنشاد بعض الشعر بدل حديث من الحديثين .

ولبثت الاذاعة كذلك فى عهد مديرها الأول الأستاذ الكبر الشيخ ابراهيم الشورى الذى يحسب له فضل التأسيس والتكوين، ومشب فى طريقها قدما، وتلقت رسائل التقدير من مختلف الأقطار، والاقتراح بإضافة مواد وبرامج  جديدة ، فاضاف اذاعة الصباح.

ثم تسلمها الاستاذ السيد محمد شطا وعمل على انهاضها وأيسر بها . ثم تسلمها الأديب الشاعر الأستاذ ابراهيم فودة .

والحق ان الاذاعة فى عهدها الجديد ، في عهد مديرها الثالث خطت خطوات مسددة موفقة ، وتقدمت تقدما كبيرا فى كل شئ يتصل بها، وما أدل على ذلك من تعددها بعد أن كانت مرتين: مرة فى الصباح، وثانية فى المساء .

نعم، كانت مرة كل ليلة باللغة العربية فاصبحت مرتين كل مساء، ومرة بالصباح، ورابعة بعد الظهر، وكان البرنامج أسبوعيا فصار شهريا ، وكان المستمعون قليلين، ولكنهم كثروا، وأصبحت إذاعة مكة اثيرة عند كل مستمع عربي بل كل مستمع مسلم، ففي البلدان الاسلامية التى لا يتكلم أهلها العربية يحرصون كل الحرص على الاستماع حتى لا تفوتهم تلاوة اي الذكر الحكيم من مكة حيث نزل قسم كبير من القرآن.

كما أن مديرها الحالى اهتم بالاذاعة الخارجية، فتولى القسم المذاع باللغة الأردوية والقسم المذع باللغة الاندنوسية بالاصلاح.

فبعد ان كانت الاذاعة بهاتين اللغتين قليلة الجدوى لأنها لا تسمع عند الناطقين بهما فى اندنوسيا والهند وباكستان الا بعد منتصف الليل. ولأنها لم تكن كاملة البرامج أصبحت - الآن - مسموعة عندهم ، ويصغون اليها فى اهتمام

ويحرصون عليها حرصا شديدا، لأنها تذاع عليهم فى الأوقات المناسبة، ولأن البرامج كاملة؛ بها : قرآن ، وأحاديث، وأخبار ، وموسيقى والاذاعة العربية تقوم على هذه الأسس:

(١) القرآن الكريم (٢) الاحاديث (٣) الاخبار (٤) الانشاء والموسيقى (٥) التمثيليات والقصص . وبالاذاعة السعودية هذه المواد، او هى تقوم على هذه الأسس، الا انها فى بعضها متخلفة عن غيرها لاسباب تتصل بوضعها وسمعتها، اللذين يمنعان بعض أسباب اللهو والتسلية لأن لاذاعتنا طابعا اسلاميا عربيا يمنعها أن تظهر بغيره .

أما القرآن الكريم فيتلى من هذه الاذاعة باللهجة الحجازية الأصلة ، كما ان بين قرائها بعض المصريين الذين نسمع تلاوتهم من أعظم الاذاعات العربية والاحاديث جيدة ، وقد أذيع منها أحاديث لزعماء الادب الحديث مثل : هيكل باشا ، وسيد قطب ، وأحمد أمين ، والدكتور سيد نوفل وغيرهم . والاخبار فان الاذاعة السعودية تعد من أعظم اذاعات العالم فيها ، فهي لا تذيع الا أصح الاخبار وأوثقها وأجدها ، حتى إنها تسبق بعض الاذاعات فى اذاعة بعض الاخبار.

ولعلها تتفرد فى الاخبار فى ناحية واحدة ألا وهي ارسالها فى لهجة حيادية، وتعليقاتها عليها تعليقات عادلة ، لانها تنظر من زاوية الحياد والحق .

أما التمثيليات فانها لم تقدم منها نماذج صالحة كل الصلاح يل كل ما تقدم منها دليل على وجود مواهب تستطيع ان تننج الادب التمثيلى ، ولكن يحتاج هذا الأدب الى صقل ومرانه وتجربة وتهيئة جو صالح لانتاجه ، والى ثقافة تمثيلية واسعة ناضجا حتى تبلغ مبلغ مصر وغيرها من البلدان التى تذيع بالعربية . - والقصص كذلك -

واستعد مديرها الحالى استعدادا طيبا وعنى بها عناية عظيمة حتى ينهض بالاذاعة السعودية نهضة مباركة ، فأحضر المؤثرات الصوتية وكثيرا مما تتطلبه الاذاعة السعودية واحتفظ باشرطة تاريخية ذات قيمة كما ان لاذاعتنا بعض السبق فى تسجيل احاديث الملوك الضيوف وهذا لم يقع فى

الاذاعات الأخرى ، فهو محسوب لها فى سجل حسناتها او فى سجل حسنات مديرها الثالث.

ومما يسجل له - ايضا - العمل على تكوين مكتبة فخمة ضخمة تحوى من كل علم وفن المراجع التى لا غنى عنها للاذاعة.

وان لدى مديرها الحالى مشروعات ترمي الى اصلاح الاذاعة والتقدم بها وإكمال نقصها ، وجعلها إذاعة من خير الاذاعات فى البرامج كلها مما يباح لها أن تذيع به.

ولا تؤاخذ الاذاعة السعودية على النقص الذي فيها، لأنها ليست "مسئولة" عنه ، بل مرد ذلك الى حداثة العهد بالوجود، فعمرها لم يتجاوز ثلاث السنوات بعد .

وأعتقد مما رأيت فى الاذاعة السعودية من وسائل التقدم وما أعدلها من أجل ذلك أنها ستبلغ فى خلال بضع السنوات القادمة المبلغ الذي يجعلنا نستطيع ان نفخر بها ونرفع الرءوس.

إنني ذكرت في كلمتى هذه كلا بفضله إجمالا، فيجب أن لا أنسى رجلا واحدا كان سبب نهضة الاذاعة ، فكل تقدم فيها نتيجة من نتائج جهوده، ذلك هو الشيخ محمد سرور الصبان المشرف العام على الاذاعة ، والذي وهبه الله نعمة من أكبر نعمه ألا وهي التوفيق ، فهو موفق فى كل عمل يقوم به ، موفق فى كل قول يرسله، لانه يريد أن يعمل ما فيه الجدوى لأمته.

هذا الرجل العظيم فى آماله وأعماله؛ والذى لا يختلف اثنان فى كفاءته النادرة يشرف على الاذاعة ويحيطها برعايته وعنايته ، فكل ما ذكرت من تقدم من يوم بدأت حتى اليوم وليد جهوده وحدها، الرأى رأيه والجهد جهده ؛ والفضل فضله ؛ ولولاه لما كان للاذاعة هذا الصوت المسموع ، وبما بذل من من أجلها أصبح الراديو السعودى مسموعا وأثيرا عند المستمعين فى مشارق الارض ومغاربها .

اشترك في نشرتنا البريدية