الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

قصة الافندي, تعريف وتحليل

Share

" ستكون قصة الافندي لكاتبها الاستاذ الاديب محمد سعيد دفتر دار هدية المنهل الى قرائه فى عامنا الحالي ان شاءالله " . . وهذا تعريف وتحليل لها "

إذا كانت القصة من انفع الآثار الادبية واسماها على تصوير التقاليد والعادات الاجتماعية والخلقية ولابراز التعبيرات والخواطر فهي اداة صالحة لارتقاء النفس واعلانها الى مكانتها اللائقة وهي تصور الحالة الاجتماعية بريشة الفنان البارع الذي يعرض لنا صورا من المجتمع تنقد وتحلل وترسم لنا السبيل لاصلاح ما فسد وتمجيد المثل العليا في جانب من جوانب حياتنا الاجتماعية وتشيد بالخلق الطيب وتدفعنا الى تعشقه واعتناقه وترفع بانفسنا عن النقائص الخلقية فى تعبيرها عن مساوىء النقص ومضاره ، وقد كانت القصة ولا تزال تحتل مكان الصدارة فى ادبنا بل في آداب من سلف من الامم ذات الشأن وهي من الأدب الرفيع الذى لا غني لامة متقدمة عن الاخذ بنصيب وافر منه ولقد ترجم العرب قصصا عن الفارسية والهندية . . وطالعونا بادبهم القصصى فى آثارهم الخالدة ، فما قصة عنترة ، وذات الهمة والف ليلة وليلة واخبار ابن ذي يزن الا احدى الروائع التي خلفها لنا الادب العربي وخلدتها قرائحهم المبدعة وهذه القصة التى نعرف بها للاستاذ الجليل محمد دفتردار تصور لنا الحياة الاجتماعية التى كان يعيشها سلفنا

منذ عهد قريب افتقرت فيه الفهوم إلى وعي ثقافى وادراك ادبي نتيجة لما ساد هذا الوطن العزيز من حرمان اهله من هذا  النصيب الذي كانت اسبابه القائمة وقوف السلطة العثمانية في طريق التعليم وسعيها لعزل هذا الوطن الحبيب عن مسايرة ركب الامم المتقدمة ابان ذلك العهد المضطرب ، فكان لا بد للطبع الحجازي ان يتأثر بهذا الحرمان وكان لا بد للمجتمع الحجازي ان يضطرب لهذا الاضطراب من مصدر السلطة الحاكمة حينذاك وهو المجتمع الذي عاش بفطرته السليمة يمجد القيم ويدعو لها ويشيد بمكارم الاخلاق فى عاداته وتقاليده المجيدة الموروثة من اسلافه الامجاد ، فاذا كانت قصة ) الافندي ( وقد برع الكاتب القصصى البارع والشاعر المجيد الاستاذ محمد دفتردار في اختيار هذه الشخصية واستطاع ان يصور لنا ذلك العهد صورة صادقة عن طراز من الناس في هذا المجتمع يعيشون في قمة المجتمع يتأثرون بالرخاء ويمرحون فيه حتى لا يخشون من ورائه فقرا ولا يحسبون حسابا لتقلبات الإيام ، هذا الطراز من الناس قد يكون ساذجا لانه يعيش بمعزل عن المجتمع ويتعالى عن الناس فلا يزاول عملا او مهنة

ترفع به عن حاجة إذا ما ضاقت السبل وتعسرت الاسباب ، هذا الطراز من الناس حمل لقب ) الافندية ( من الالقاب التركية التى كان العهد العثماني يخلعها على نفر من الناس يعيشون تحت اوهامها ويغطون في نومهم تحت كابوسها الثقيل يعييهم ان يزاول احدهم البيع والشراء والتعامل التجاري لانهم يجدون في هذا نزولا عن مستواهم الذي نشأ وعاش فيه اباؤهم واجدادهم ومزاولتهم لمثل هذه الاعمال الحرة والمهن الشريفة انتقاصا لاقدارهم ونزولا لاعتباراتهم العالية . وظل هذا الوهم يجثم كابوسه على صدور هذا الفريق من الناس كما تصوره لنا القصة حتى يطوح بهم في الوبال ويقذفهم الى هاوية الدمار ، وهم لا يتعظون بالأحداث ولا يرتدعون بالكوارث والآلام ، يريدون ان يعيشوا مع وجاهتهم في أوهام تقليدية وضلالات موروثة واختار بطل هذه القصة من الادلاء بالمدينة المنورة ، ينتظر في كل عام وقت ورود حجاجه فينال منهم المنح والعطايا ويصرفها في اسباب اللهو والمجون بين مجموعة من الناس فيهم النصاب والمهرج وصائد اللقمة ، حتى اذا ما توقف الحجاج بسبب من الاحداث العالمية استهدف ذلك المستهتر وعائلته الى فقر مدقع وآلام من البؤس والحرمان ، وما نحن بشانه بالامس عن هذه الفوارق الاجتماعية فقد تركت منها اثرا ورواسب لا تلبث ان تزول نهائيا من مجتمعنا بعد ان انفسح مجال التعليم للحاضر والباد واتجه الوعى اتجاها صحيحا للسير بأسباب الحياة الى أوج الكمال فان كانت الرواسب قد علقت ببعض النفوس وما هي باقية ولامستمرة ببعض النفوس فما هى بباقية ولا مستمرة لانها فى طريق غروبها وزوالها من مجتمعنا المتجه الى اهدافه النبيلة وغاياته

السامية ، فاذا ما برع الكاتب واجاد فى تصوير الحوادث والاحداث التى مرت ببطل القصة والدور الذي مثله في حياته المنزلية فى عهدى الرخاء والشدة وفي حالتى النعيم والشقاء فان الكاتب قد اسفر لنا عن دور في حياتنا السالفة الاجتماعية نحن بامس الحاجة لتفهمه وقد ادى بهذا الكاتب دوره في تملئة هذا الفراغ الذي لم يسبقه احد فيه ولا نغالي إذا قلنا أن كاتبنا البارع وشاهدنا المجيد الاستاذ محمد دفتردار قام بخدمة الأدب العربي في الحقل الدراسي فاصدر مجموعة لتاريخه تقوم المعارف بتدريسها لطلاب المدارس الثانوية فى المملكة فلا نغالي بما نشيد به من فضله فى هذا  المجال القصصى   الموفق

وان كان لنا ثمة ملاحظات فاننا لا نقل بهذا جهده الجليل في هذا السبيل كان من حق اديبنا وشاعرنا ان يذكر لنا الزمن الذي عاش فيه الافندي وأمثاله فهو اقتصر فيه على امر المحتسب وكنا نود وقوفه قليلا ) ١ ( عند عمل المحتسب والسلطة التى يباشرها فى المدينة وأتى بذكر الوالي دون أن يبين لنا وضع الولاة الاتراك في ذلك العهد واشار الى بعض ابطال القصة كالعم زيني وصهره الافندي دون ان يكاشفنا بوضع الاول كمطوف والثاني كدليل في حقل الثقافة والتعليم وقد يكون اجتنابه لهذا الجانب المهم من القصة ابتعادا عن وصف ابطال القصة بأوضاعهم التى لا نسر لذكرها فى حين ان تفهم الاوضاع يجلو لنا امر هذه الطبقة وغيرها فى ذلك العهد وحياتهم وملابساتهم ، كان ادى لمرشود ومشيرف نصيبا اوفر من غيرهم من الابطال وهو من

مقتضيات قصته وجاء عند حد ) الزوجة ( جواهر واكتفى بسكوتها عن انصراف الزوج ) أحمد ( عنها واهماله لها ولم يكاشفنا بما يمكن ان يكون من زوجة نابهة غيور على بيتها وزوجها ثم ليس من حقها مشاركة والدها في متاعبها وبيع حليها واذا كان اتصالها بوالدها مستحيلا لبعد المسافة فهل لا يعلم والدها عن امرها ويعقب على حياتها الزوجية واذا كانت له زيارات رجبية توقفت خلال الحرب القائمة حينذاك أليس من واجبه ان يعرف من امر صهره وابنته ما يجب ان يعرفه وهو الميسور الحال كما تذكره لنا القصة . . هذه الفجوات يمكن لكاتبنا ان يحدد اوضاعها تحديدا يكمل به جمال القصة وحسن اسلوبها الذي روعيت فيه الدقة وحسن التركيز عند طبع القصة واخراجها الى حيز الوجود اما كيف روعيت فيها الدقة وحسن التركيز فان الاستاذ محمد دفتردار قدم بعمله هذا للمكتبة العربية قصة حجازية تصور بيئتنا وعاداتنا وتقاليدنا فى البيت وفي الشارع وفي الطبقة الكبرى والوسطى والطبقة الدنيا ، بما لا يدع لدينا مجالا للشك بأن القصة قد حازت العناية والدقة فى أدوارها وأما حسن التركيز فكانت مواقف الشرف والامانة وهي تتجلى فى ختام المواقف التى تبرز

فى مجال ابطال القصة ، ولان سياق الاحداث والحوادث التى مرت بالابطال كانت ملائمة للزمن والمكان ولذلك فالقصة هى واقعية كما وصفها المؤلف فلم يغرق بها من خيال يبعدها عن جو الواقعية التى عاش فيها ابطال القصة ومارسوا ادوارهم ، وان كان ختام القصة يثير الهلع في النفس والحزن في القلب ، الا انها خاتمة نشأت من صميم الواقعية لم يكن للمؤلف فيها اى عامل من عوامل التاثير فهو لم يهول الخاتمة ليفزع بها النفوس ويحزن بها القلوب فى حادثة الباخرة التى قضت على العم زيني وآماله وعلى المصيبة التى نزلت بصهره واودت به الى الرعب والخوف وكان جميلا ان تكون هذه الماساة سببا فى تهذيب نفسية الافندي وترفعه عن المجون والاستهتار وارتقاء نفسه بواجب الفرد في  هذا المجتمع ، وحق المشاركة والاندماج بين الطبقات

اننا نشكر الاستاذ محمد دفتردار لانه عالج بقصته ناحية اجتماعية وتوفق فى  ختامها توفيقا يملك به عنان القارىء ويرفع بنفسه الى تمجيد القيم وتعشق المثل ونأمل ان يواصل انتاجه القصصى الموفق بعد ان احرز بهذا نصيبه الوافر من العناية والتركيز

اشترك في نشرتنا البريدية