كان الظلام دامسا عندما افاق حسين ، ونظر حوله يمنة ويسرة فلم يلق الا السكون ، ولولا دقات قلبه الخافتة لكان السكون مطبقا مخيفا ، واراد ان ينهض ولكن جسمه المنهوك لم يستطع نهوضا ، فبقى مكانه ريثما يجمع بعض قواه المبددة .
انه لم يمت ، فما زال فيه دماء يتردد ، وها هو ذا يمد يده الهالكة نحو (( زمزميته )) ويبل حلقه ، ويفتح عينيه كأنما يبحث فى هذا المتسع الرحيب من الارض عن شىء . . . ثم يفركهما بكلتا يديه ويطرد منهما النعاس والاعياء ويبدأ يصحو الى نفسه ، وتتبين فى ذهنه معالم الحوادث التى مرت به . .
انه ما يزال يذكر رفاقه الثلاثة ، الذين كانوا معه . . ويذكر عندما استشهد الواحد منهم تلو الآخر ، ويذكر كلماتهم عندما فارقوا هذه الحياة . . .
يذكر كل هذا ويذكر استبسالهم فى الدفاع واستشادهم فى الهجوم حتى ان ثمن كل منهم كان بضعة رجال من الاعداء المدججين بالاسلحة الفاتكة التى تنطلق كشرر جهنم فلا تبقى ولا تذر . .
وزحف حسين حتى أوى الى حفرة احتمى بها من الطوارىء واخذ يفكر فى النجاة والفرار ، غير ان جسمه لم يعد فيه من القوة ما يمكنه من الانطلاق سريعا الى حيث النجاة والسلامة . . الا ان حب الحياة نفخ فى روحه وبدنه قوة فاخذ يمشى فى هدوء ويسترق الخطى فى صمت ، فقد سمع اصواتا هامسة تنبعث من مكان قريب ووقف مصغيا يتسمع . . انهم اعداؤه اليهود يتحدثون ، ولكنه لا يتبين الحروف ، والالفاظ . .
وعاد الى رفاقه الثلاثة ودفنهم سريعا ، واخفى بنادقهم التى نفذ منها الرصاص ، وتناول بعض الطعام ثم اتجه بغريزته نحوى احدى الجهات ، وحث الخطى ، ولكنه لم يتبين مايطمأن اليه ، ونظر الى ساعته فاذا بينه وبين الفجر ثلاث ساعات هي كل ما لديه من ذخيرة تنجيه وتبعده عن مناطق اليهود ، فحث خطاه ، وابصر فى الظلام شبحا فاخرج مسدسه وصاح قف والا قتلتك . . فوقف الشبح . . وتقدم حسين اليه فرأى فتاة رائعة الحسن . . وبعد حديث قصير مشيا معا . .
انها اخبرته . . انه فى ارض عربية احتلها اليهود ، والطريق الذى
يسلكه يفضى به الى مناطق يهودية ، ولا بد ان تنتقم لاسرتها التى قتلها اليهود ، فهي تسعى لتحقيق ما تفكر فيه ، انها تعرف هذه المنطقة وتعرف هذه القلعة التى تبعد ميلا عنهما ، وطلبت منه ان يمضى فى الطريق الذى اشارت اليه ويتركها وشأنها . . غير ان صاحبنا وجد ان ما يجمعه بهذه الفتاة اكثر من صلة فهى تريد ان تنتقم من اليهود الذين قتلوا اهلها ، وخطيبها ، وهي عربية مسيحية . . ولا تريد ان تعود الا بعد ان تنتقم وهو وان كان مسلما الا ان لديه ما لدى هذه الفتاة ، ولكنه يريد ان يعود الى مخيم العرب بما لديه من اخبار ويستعد للكفاح من جديد .
واراد ان يثنى الفتاة عن عزمها فما استطاع فرأى ان يصحبها الى مهمتها . . . وصعب عليه وعليها السير فقد لغم اليهود الارض ، ولكنهما كانا يمشيان فى حذر حتى بدت لهما القلعة في انوارها الخافتة
ووقف حسين لحظات يفكر ، وامتدت يده فى غير وعى الى خريطة كانت معه واخرج منها لغما وقنبلة زمنية ، واتجه نحو القلعة في حذر وصمت واذا هو تحتها ، وتسمع فاذا بجنود اليهود ثملين يترنحون ، فقد امضوا ليلتهم يشربون نخب انتصارهم على قرية عربية عزلاء فتكوا بكل حى بها . .
لقد تعب حسين والتهب فى حلقه الظما المشتعل فاستراح قليلا استعدادا لما ينوى ان يقوم به ، له وللفتاة
لقد صمم ان ينتقم لرفاقه وللقرية العزلاء ولنفسه ولفتاته فتسلل الى مخزن الذخيرة التى دلته عليه الفتاة بعد ان قتل الحارس الثمل ووضع تلك القنبلة الزمنية التى استخرجها من خريطته ، ورجع ادراجه . .
وما كادا يهبطان السفح ويمشيان بضع دقائق حتى انفجرت القنبلة ودوى المكان دويا يصم الأذان وسد الغبار الافق ، ورأى على نار الحرائق بعض فرسان اليهود يسرعون فرارا ، فاختفيا تحت تل من التلال يرقبان اليهود . .
انهم ستة . . وها هم اولاء يقبلون نحوهما . . فاستعدا للدفاع واشهر كل منهما مسدسه . . واذا بالفتاة تبادر اولهم برصاصة فيسقط من فرسه ، وتنثنى الى الثانى باخرى فترديه . . واطلق حسين رصاصة على اثنين آخرين . . وفر اثنان . .
فنهض حسين والفتاة وركبا فرسين وتبعا الفارين حتى قتلا منهما واحدا وفر الآخر الا ان الفتاة اصيبت في فخذها برصاصة طائشة فتت العظم ومزقت نسيج اللحم ، فحملها حسين معه على فرسه حتى وصلا القدس وهنالك اسعفت الفتاة وقرر الاطباء الا خطر عليها . .
ولبث حسين مع الفتاة شهرين حتى شفيت ثم اسلمت وكانت له زوجا طيبة تشاركه هناءة ايام السلم كما شاطرته اهوال الحرب . .
مكة المكرمة

