الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

قصة الشعر العربى على ارضنا حتى العصر الحديث

Share

أثر الاحداث في العقول والانفس

لقد كان حادث احراق الاساطيل العثمانية فى نافارينو من بلاد اليونان سنة 1827 ، بما فيها من العمارة التونسية والعمارة المصرية ، كان هذا الحادث حجر الزاوية الذى انثنى عليه التفكير العربى ، واستفاق

اثره العالم الاسلامى عامة والعالم العربى خاصة ، طار عن اعينهم الكرى الذى خيم ، فارتج الفكر العام وفتح المدركون بصائرهم ليتحققوا من حالتهم الحقيقية وليقدروا الواجب للخروج من الركود واعتزال أوهام العظمة والعصمة . . . فقد عاشوا قرونا فى الاوهام ، حتى لم يبق فى الدهر متسع لما هم فيه .

ثم كان الحادث الثاني ، من احتلال الفرنسيين لمدينة الجزائر ، ثم أخذهم الطريق على الباشا التركى الذى ارسل به الباب العالى على قطعة حربية مما نجا من بقية الاسطول ، وكان يحمل العلم الابيض ، اذ تنحصر مأموريته بتسوية الخلاف بين السفير الفرنسى والداى التركى . . ولكن القوات الفرنسية اخذت عليه طريقه وقادته الى مرسى طولون ، على قاعدة اساسية من " الحق للقوة " . فاصبح فى قبضة فرنسا مع داى الجزائر . . .

وهكذا رأى المفكرون فى أطراف العالم العربى ، ان الامر لم يعد يحتمل التاويل . . . وجاوز حدود الاحتمال ، فالمسالة لم تعد محل اخذ ورد وأقاويل تتناطح . . . انكشف الستر ، بل هتك ستر التشبث بالماضى ، ولا مناص من تسمية الامور الواقعة باسمائها ، فلا محل لاستماع جعجعة الرجعيين الذين كانوا يجعجعون في معاهد التدريس بمثل قول الشيخ الباجورى ( مصر 1783 - 1861 ) فى متن " الجوهرة " :

فكل خير فى اتباع من سلف         وكل شر فى ابتداع من خلف

فلقد كانت الوقائع متتالية والتيار عظيما ، بحيث رفع له العلماء والادباء أعينهم ، واختلجت في انفسهم الخوالج ، ولم يكن هناك محل للشك فى الواقع المحسوس ، وانما الحيرة كل الحيرة ماذا عساهم يقولون للامة !

فى ذلك الجو القاتم سمعنا استاذ الادب فى المدرسة الحربية فى تونس محمود قابادو سنة 1836 يعلن ما لم يكن يجسر انسان على ان يقوله لنفسه . لقد صارح قابادو الامة ورجال الدولة التونسية بحقيقة الواجب ، ولا غرو فلقد كان استاذ الادب واستاذ العلوم الرياضية فى المدرسة الحربية التى كانت

قد تأسست حديثا . . . الحقيقة . . . الحقيقة الهائلة : يجب ان نوجه وجوههنا نحو الغرب ويجب ان نتجه اليها وندرس ما عندها . . . ندرس ما عندها ، لا لنحكم عليه ، بل ندرس ما عندها لكي نقلد اروبا فيما تعمله وتاتيه ، فكل خير في الاقتداء بها ، ولا بد لابنائنا ان يسافروا اليها وأن يدرسوا ما عندها , وان يرجعوا الينا بما جهلناه :

فمن لم يجس خبرا وملكها    ولم يتغلغل فى المصانع فهمه

فذلك فى كن البلاهة داجن    وفي مضجع العادات يلهيه حلمه . .

فهم غرسوا دوح التمدن : فرعه ال   رياضي والعلم الطبيعى جذمه . .

لقد فاتنا في بادى الرأى صوبنا    وأشفى - لعمري - ان يفوت ختمه

تباعد شوطا مقدم ومقهقر   اذا لم يحن منه التفات يزمه

" فلا بد ان نصدف عما كنا عليه من الفات وجوهنا للماضى ، لكى نلفت اليوم وجوهنا الى المستقبل ، الى الامام عوض الوراء ! " هكذا يصيح قابادو فى جيله .

بحيث نرى اندفاعة عجيبة وتحضيضا جازما ، لاعتناق الطريقة التقدمية وان نترك منهاجنا القديم من " الرجوع للماضى واتباع السلف " ونرى تحضيضا جازما لاعتناق الطريقة التقدمية الثورية المتجهة نحو " الابداع " ، وهو يجزم ان هذا الابداع يجب ان يعم الحياة الفكرية والعملية ، بما فيها من سياسة ورياضيات وثقافة وأدب ، ويعم الحياة المادية ، بما فيها من صنائع ونظم واستكشاف ، لكى نجاريهم في جميع ما صاروا اليه :

لقد قتلوا كلتا الحياتين خبرة   فمن لم يجارهم فقد طاش سهمه (1)

التطور في الادب

وهكذا نجد نسمة التجديد قد عصفت بنفوس المشرق ، منذ القرن السالف . وكان اثرها فى الادب بارزا - ومن سوء الحظ ان كان اثرها ابرز فى الادب منه فى المصانع والعلم - . فدخل في الشعر عنصر كبير من التحضيض والتوجيه السياسى ، تبدلت

به مواضيع الشعر تماما من الاحاسيس الفردية الى المدارك الاجتماعية ، فى ذلك الدور الاول (2) ظهرت بوادر هاته النهضة الجديدة لتقليد الغرب واقتباس ما لديه لابداله بما لدينا .

كان من اعلام هذا الدور وعناصر هاته المدرسة ، فى تونس " الشيخ محمود قابدو " ( 1812-1871 م ) ، ثم فى بر الشام " الشيخ ناصيف اليازجى " ( 1800-1871 ) ، حتى ظهر فى مصر " محمود سامى البارودى " ( 1839-1908 )

بحيث رأينا السياسة والاجتماع يأخذان قسما وافرا من ادب هؤلاء المجددين ، بل ربما راينا هاته المواضيع الجديدة تستقل بقصائد كاملة عند بعضهم ممن تقدم بهم الزمن وهضمت انفسهم الحقيقة . على ان هاته المواضيع الجديدة قد بقيت الى هذا القرن يفوح بها قصائد الرثاء والمديح والغرام ، من المواضيع القديمة فتسوغ من طعمها عند قراء الجيل . . .

الحيوان الجديد يهيمن على الارض وما فيها

وميزة هذا الدور الاول ، من تطور الادب ، قد كان لها ناحية سلبية وناحية ايجابية . فهى من الناحية السلبية : قد زعزعت مقام الادب اللفظى وزحزحت ظله ، من انواع البديع وعلم البيان ، وتعمد الاغراب فى الالفاظ وتعمد اجمال المعانى المبهمه والمغلقة ,

وصوغ التشطير وتخميس القصائد ومجاراة قصائد يعينها من عمل " السلف " ومن الناحية الايجابية قد عبرت عن روح اليقظة فى الشعور العام ، بحيث ظهر " الحيوان الاكبر " ليحل محل " الحيوان الصغير ، الفرد " . فقد كان الشاعر " يمدح الفرد " ويرثي " الفرد " ويهجو " الفرد " ويعبر عن احساساته الذاتية بصفته " فردا ، كما خلقه الله فى بدائيته . بينما أصبح الشاعر في العصر الجديد قد استشعر بوجود حيوان آخر ، اعظم من كل عظيم ، واقوى من كل قوى ، واغنى من كل غنى ، وأولى بالتوجه من كل قادر ! " هذا الحيوان الجديد الذى نزل الارض بعد ان بادت الحيوانات الزواحف الجبارة التى كانت تستبد بسيادة كوكبنا هذا فيما قبل التاريخ ، من الكواسر البائدة . . وبعد ان تغلب الانسان الفرد على النسور والاسود والثعابين والحياة والنمور بفضل حيله ومصنوعاته وآلاته ، عندما كان الانسان يعبد تماثيل الجبروت ويتغنى ببطولة الصعلوك بشر ابن عوانة فى خرافة المقامة التى خلدها لنا بديع الزمان الهمذانى

أفاطم لو شهدت ببطن خبت     وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

اذا لرأيت ليثا ام ليثا          هزبرا اغلبا لاقى هزبرا

فهذا العملاق الجديد قد قضى على كل العناترة والفاطمات ذوات الهمة (1) ليهيمن هو على الدنيا فيرث الارض بما فى خباياها وبحارها ، ويتطلع لان ينفذ لاطباق السماوات العلى ، ويستعمر النجوم !

أدب القرن العشرين

فهذا الكائن الجبار الجديد انما هو " المجتمع " الذى ورث " الانسان الفرد " وورث ارباب الجاهلية وورث جبابرة المتزعمين فى مختلف اسمائهم فى التاريخ ومختلف مراكز العمران ,

حيث لبس الفرد مصلحة الجماعة والقبيلة والامة . فخضع الانسان الفرد للمجتمع

اذا فقد نشأ الضمير الاجتماعى ونشأت النظم الاجتماعية التى اضطرت الامبراطرة والخلفاء والملوك ، وغيرهم من المتصرفين ، الى التنازل عن سلطانهم المطلق الى مجالس الشورى والبرلمانات

وهكذا خضع الشعر للمجتمع ، وعبد المشاعر الاجتماعية بوجدانه ، مثلما نشأت التسابيح الوثنية لترثها المزامير الالاهية والقصائد الصوفية فى الذات العلية وامداح انبيائه المكرمين عليهم صلوات الله وتسليمه .

كما نشأ الادب الشخصى لعظماء الامم ، من المراثى والمدائح في قصائد ابن هانى ( 932-979 ) للخليفة المعز لدين الله والامراء العبيديين الشيعيين فى عاصمة افريقيا العربية القيروان وفى مقرهم من مدينة المهدية وامراء الزاب الجزائرية ، مثلما نعرفه من تسابيح المتنبى لامراء انطاكيا والعراق ومصر فهو فى المشرق نظير " ند لزميله ومعاصره ابن هاني بالمغرب العربى . ومع انهما لم يجتمعا قط ونشئا على طرفى العالم العربى ( شتان بين مشرق ومغرب ) فقد كانت عناصر ادبهما واحدة وعناصر بلاغتهما متماثلة ، لان الوحدة العربية كانت تطبع المجتمعات المتباعدة بطابع واحد من اطوار المجتمع الاسلامى فى اطرافه العربية .

وعلى غرار ذلك ، دونت آلاف الدواوين الشعرية للادب العربى فى الاعصر الاسلامية منذ عهد حسان بن ثابت ومن عهد على ابن أبى طالب ، حتى عصر الدايات ، فى تونس ، للقرن الماضى .

واذ نتحدث عن هذا اللون من ادب المجتمع فى شكل عبادة العظماء الاجتماعيين ، فانما نعنى انه كان اللون الغالب على شعر ذلك العصر ، والا فان الادب الغنائى بمشاعر الفرد ، من الحب والتغنى بالطبيعة والادب الفلسفي وغيرها من تعابير الادب عن النفس البشرية . . . قد كان متتابعا مع الانسان لن ينقطع بتبديل اللون العام الذى يستبد بعموم دواوين الاجيال ، مما يعبر عن عصره وعن واقع جيله ووجدانيات الانسان الفرد .

اذا ، فقد خضع الشعر للمشاعر الاجتماعية ، واصطبغت الدواوين بلون الكسوة الجديدة التى لبسها الجيل ، لتواكب هذا الجبار العظيم الذى ورث سيادة كوكبنا الارضى . . . فتغنى شعراء العصر الجديد باحلام الحرية الوطنية وكسر قيود الاستعباد والقضاء على الاستعمار والسيادة والاقطاع

واذا بالنبيل محمد الشاذلى خزنه دار يغنى صهره الامير الناصر باناشيد التحرر وآمال الشعب فى افتكاك السيادة واقامة الدستور ، فى تونس . واذا بالنبيل احمد شوقى ( 1868-1932 ) يدمج صلوات التحرر في مدائحه لخديويه فى مصر

واذا بالرصافى ( 187٥-1945 ) يدمدم للسلاطين بما تحته من بؤس الشعب ، ولا يسكت صوته ان اصبح نائبا عن بغداد فى مجلس المبعوثان بعاصمة الخلافة الاستانة العلية ، ولم يسكت صوته فى عصر الاستقلال ان عين مندوبا في مجلس النواب فى بغداد التى اصبحت عاصمة العراق المتحرر .

بينما مصطفى آغه ( 1877-1946 ) يميل عن البلاط التونسي تماما ، ويعرض عن انواع الادب القديم ، لينشد فى " البرى المضطهد " ومشاكل المجتمع الحديث من تحرير المرأة والخروج من رواسب الحضارات البائدة وتكسير القيود

وكان جميل صدقى الزهاوى ( 1863-1936 ) يتغنى فى اقصى المشرق العربى بأناشيد الانطلاق والتحرر من الماضى صبرة واحدة ، مرددا : كرهت كل قديم عرفته فى حياتى      فان تكن ذا جديد من الحياة فهات

شعرنا في العصر الحديث

كانت الحربان الاروبيتان ( الاولى 1914 والثانية 1939 ) قد كسرت من قيود الماضى واغلال التكتلات التاريخية ، فمهدت لثورة جديدة قد عصفت بالمجتمع والاداب وبما كان فيه الشعر وكان التقدم فى مكتشفات الكهرباء والآلات وعلوم الفيزيا والانسانيات والاخلاق . . . قد عصفت بالادب القديم فى

اوضاعه واغراضه وطرقه وبنيته .

ولا غرو فقد طويت الابعاد واخذ الناس من آذانهم لسماع بعضهم بعضا والتواصل والتحادث مباشرة ، مهما تكن اقطارهم متباعدة على مناكب الارض وقطبيها . . . فيتسامعون ويتسامرون . . . بل يرون بعضهم بعضا وهم على ابعاد ، ويصورون الاعماق القاصية والنائية مهما كانت . بحيث اصبحت الحقائق الوجودية فى متناول الاسماع والعيون لتغذى العقول والاذواق ، اذواق الخاصة والعامة ، نفوسهم وعقولهم ، على السواء ، مهما تكن اوضاعهم وبيآتهم والوانهم . بما سقط اسوار المسافات وبما تبدل من خطوات الاصوات والاضواء

وكان لتعميم التعليم وموجة التثقيف وتوجيه الشعب في تخطيطات متواكبة . . . وكان لتزاحم الدول على رفع مستوى الثقافة العامة وتوفير الكليات والجامعات التى انزرعت فى العواصم والمدن ولحقت القرى والمشاتي . . . كان لانتشار السينما والسيارة والمسرح والطيارة والكتاب والمجلة

والراديو . . . عاصفة تيارات قد اخذت الركود العقلي والنفسى وطورت من اذهان الشعوب وانفس وعقول الافذاذ والنوابغ . . .

فلا بدع ان يتأثر الشعر وتعم الثورة مواضيعه وصيغه والفاظه واوزانه وقوافيه ، بما خلق فى الانسان وجدانا وشاعرية جديدة تواكب ما اصبح فيه . وقد وفر للمواهب الامكانيات التى لم تتوفر للجيل الذى نشأ على رأس القرن العشرين ، الذى عشناه . . . وكيف لا يتأثر الشعر بهذا الانقلاب وهاته الثورة المشبوبة التى قلبت كثيرا من محارم البارحة ، فجعلتها مباحات ، بل جعلت من تلك المحارم فروضا وواجبات لا مناص للانسان ان يباركها بما خضع له من مصلحة المجتمع التى توسعت على حساب حقوق الفرد وحريته وامتلاكاته وفضلا عن ذلك ، فان الاديب لم يعد يقصر ادبه على طبقة النخبة وحدها ، بل طلب ان يكون فى متناول عموم العقول والمدارك . . . فى العالم أجمع . . . بسودانه وشقرانه وصهبه المثلوجين ومرمضيه !

انقلبت الاية ، وتحول الواقع الانسانى فتبدلت الاذواق والانفس والتعابير ، وتحرك الوجدان بشعور جديد تنغمت به السن الشعراء فى مناكب الارض وانغام جديدة قد اصبح يستطيبها ابن العاصمة من المدن وابن البادية في اقصى القطر

لقد كاد شعر اليوم ان ينكر أدب البارحة . اذ تبدل عنه فى ترانيمه واوزانه وفى تفاعيله وقوافيه وفى مواضيعه ومراميه

الحب فى الشعر الجديد لم يعد حب ليلى وقيس بن الملوح ، ولا بقى شئ من روميو وجوليات . . . بل اصبح صنفا آخر يفغر الاباء به افواههم ولا يكادون يدمدمون بشيء الا همسا وفي استخفاء ! اذ قام على الشوق المتكافء والكفاءات المتوازنه ، مما استوت فيه موسكو المتطلعة ونيورك المزاحمه ، ثم هو فى الكويت باقصى المشرق العربى على الخليج الفارسي ، وفى القاهرة المعزية وفي تونس والمغرب . . . يصلى الى القبلتين ، جميعا ، بعد ان التفت وجهه عن السلف الصالح وحياة القديسين من عهد العذراء عليها السلام .

والاجتماعيات ، التى كانت على رأس قرننا ، فى ادب آغه وصالح السويسي القيروانى ( 1878-1943 ) والطاهر الحداد شاعر تحرير المرأة والعمال التونسيين . . . كانت تقوم على الرحمة بالفقير والمطالبة بالرعاية . . . قد انقلبت الى حقوق نخضع اليها ويحميها تكافل الجيل وعمل الدولة والقضاء

والعقاب . . . والملكية الفردية قد رقمتها المصلحة العامة التى سيرتها النظم الجديدة لقطع دابر الاقطاعية ، حتى ان شطرا كبيرا من العالم قد الغى الميراث الذي كان يعتبر " احل الحلل مما لن يدخله التحريم " فأصبح عندهم " حراما " يعاقب من اخفى حقه منه واحتجزه لنفسه . الامر الذى رأينا قرنه ينجم فى وسط من عالمنا العربى فيصفق له فقهاء منه ويتغنى به شعراء فيعومون فيه على البحور القديمة والجوابى المحفورة حديثا . . . فخلق لنفسه كتبا ودواوين كنا نسميها لبضع سنوات " اباحية " فاصبحت " حرية " و " ثورة انطلاق من رواسب القدم " . ولن نغمط بعض هذا الشعر مرتبته الوجدانية . . . وراينا فيه آثارا قد لا تقل فى عالم الانفس عن تفجير الذرة فى عالم المادة . . . بما فى هذا التفجر من أنين وضحك السرور والفرج ، وبما فيه من مغانم انسانية حضرية او ما يهدد هذا المجتمع بالفناء ! ونحن لا نشك ان الذوق السليم سيكتب " بقاء الاصلح " ليعم الارض هذا العنصر الملائكي بعد ان سكنه عبيد الشياطين .

اذا امكننا فى مقالنا هذا ان نلخص قصة الشعر فى قصة الانقلابات الذهنية لهذه البشرية ، فان بسط كل هاته الادوار قد اقتضى 20 مجلدا من مخطوطنا ( تاريخ الادب العربى فى تونس ) ، ولن يسهل علينا اليوم ان نعدد ابطاله ونماذج ادبهم ، فى كل دور من تلك الادوار المتعاقبة . وحسبنا ان نلحظ ان كتابنا " الادب التونسى " الذى نشرناه منذ 35 سنة ( طبع تونس ) قد حصحصنا فى مجلدين منه 26 شاعرا ، قد توفى اكثرهم الآن ، ومع ذلك فان قائمة الشعراء التونسيين اليوم تبلغ 470 شاعرا . فلن يتسع هذا المقال لاستيعاب عناصر هاته النهضة ، ولو فى اعلامها من الشعراء ، لملاحظة الوان شعرهم واتجاهات شعورهم وبما يغمرهم من وجدان .

اشترك في نشرتنا البريدية