( ولد المؤلف من أبويين صينيين ، والتحق بمدرسة عليا بضاحية ميامى الامريكية فكان من المتفوقين بها فمنحه الرئيس ترومان لقب مواطن أمريكى فى حفل أقيم بمدينة واشنطن بالولايات المتحدة الامريكية وكان ذلك فى عام ١٩٤٧ ، ثم تخرج فى عام ١٩٥٢ من جامعة هارفرد وقد كتب هذه القصة وهو لا يزال طالبا بها بكلية الحقوق ، ويصف المؤلف فيها ما واجه من مشاكل فى الزواج أوقعته فيها التقاليد الصينية العتيقة )
أنا مسافر اليوم الى « هنج كنج » موطن آبائى واجدادى اجابة لدعوة والدى ، وسأبحث لى عن زوجة هناك حسب العوائد والتقاليد الصينية المتعبة ، أختارها من بين عدد من الفتيات الصينيات اللائقات ، تقوم باختيارهن لى جدتى العجوز البالغة من العمر ثمانين عاما التى لم يقع عليها عينى منذ ولادتى حتى الآن . وان كنت أحس فى نفسى أننى لن أجد فى هنج كنج الزوجة التى أريدها . .
لقد ولدت فى أمريكا من أبوين صينيين ، وأعتبر نفسى أمريكيا ، لا صينيا ، لذلك فاننى أريد أن أتزوج فتاة امريكية اختارها لنفسى على الطريقة الامريكية ، لا أن تختار سواى سواها على الطريقة الصينية ، وهذه هى أول مرة أغادر فيها أمريكا التى ولدت بها منذ خمسة وعشرين عاما ولكنى كابن بار والولد الوحيد فى
العائلة أرى لزاما على ، اطاعة لوالدى أن أحاول - على الاقل - أن أجد فتاة صينية أقع فى شراك حبها ، وهذا التعارض بين رغبتى فى أن أكون ابنا بارا طائعا لوالدى ووالدتى ، ورغبتى فى التزوج على الطريقة الامريكية تعارض لا بين ثقافتين فحسب ولكن بين الشرق والغرب ،
بين شعبين لهما عوائدهما وتقاليدهما القديمة المتوارثة ، وكى يدرك القارىء مدى ما أنا فيه من ورطة يحسن أن يعرف شيئا من تقاليدنا العائلية . .
وشيئا عن أسلوب نشأتى وتربيتى ، فأنا طالب الآن بكلية الحقوق بجامعة هارفرد بمدينة كمبردج التحقت بها بعد أن قضيت سنتين فى التنقل فى الاعمال بالسلاح الجوى الامريكى ، وكنت أفكر كأى شاب فى مستقبلى ففكرت فى الالتحاق بكلية الحقوق ، كما فكرت على الخصوص فى الزواج
ومن الطريف اننى قد عبرت تعبيرا حسنا عن آمالى وأنا فى السادسة عشرة من العمر عندما كنت بالمدرسة العليا بمدينة « فلوريدا » فى ضاحية ميامى حيث أعطيت موضوعا بعنوان « أذكر ما كان يخالجك من آمال فى المستقبل فى سن الثانية عشرة من العمر » فكتبت أقول :
« اننى أفكر فى الزواج فى المستقبل لاعتقادى بأن كل رجل أو امرأة يجب أن تفكر فى ذلك ، لأن الزواج وسيلة من أهم الوسائل للتعبير عن الحب وتحقيق السعادة الدائمة ، ولأننى أحس كلما قابلت رجالا أو نساء غير متزوجين أنهم يشعرون فى اعماق نفوسهم أنهم غير سعداء . .
أما عن الزواج فليست لدى أية فكرة متى وأين يكون ؟ ومن هى التى سأتزوجها ؟ ولكننى أعرف أننى سوف أتزوج فى يوم من الايام . .
وسيكون لى بيت وزوجة حبيبة وأطفال سعداء مع كل ما نحتاج اليه من ضمان لاستتباب أسباب الراحة والرفاهية وكل ما أرجوه أن تكون مقاديرنا الماضية والحاضرة والمستقبلة مما تحقق صدق الوطنية وخدمة البلاد والشعب وأن تكون حياة زوجية سعيدة قائمة على الوئام والحب فى جهاد دائم لخدمة الامة واصلاح المجتمع »
والآن وقد مضت تسع سنوات على ذلك أرانى مازلت أفكر فى ذلك وفى صورة جدية ، لقد فكرت فى الزواج وانا فى السادسة عشرة من العمر ، وأمامى وقت طويل لتحقيق ذلك ، أما
الآن فأنا فى الخامسة والعشرين أواجه مشكلة واقعية جديرة بالحل وعدم التأجيل ، ولك أيها القارىء أن تعرف عنى اننى شاب عصرى متفرنج وان يكن أسمى هو « جونج » وابواى من الصين ، فأنا اتكلم الصينية والانجليزية باللهجة الشرقية وأجيد استعمال العصى فى الأكل واعرف العوائد الصينية ، واعرف الحكمة الشرقية والتعاليم الغربية الحديثة . . لقد كان اسلافى من قرون يقومون بحراثة الارض فى الصين ومع اننى انتمى اليهم الا اننى أول خلف ولد بالدنيا الجديدة ، وتربطنى بالاسلاف بوساطة أبوى روابط وثيقة الا أن قلبى يميل الى الغرب . . الى أمريكا البلد الذى وهبنى أنا وعائلتى أسلوبا جديدا فى الحياة . .
لك أن تتصورنى اذا شئت رجلا متحررا عاطفيا فى مقتبل العمر يهوى التحدث الى الناس بمختلف اشكالهم والوانهم ، رجلا متوسط الوزن والطول . . لا يتخير غير المخلص من الاصدقاء ولا يميل لغير المرأة الطويلة الشعر الاصيلة الجمال الحسنة القوام ذات الأنوثة الغنجة المدللة . . ومع أنه نال درجات مدرسية عالية بجامعة هارفرد الا أن الدراسات هواية فيه ، فليس افضل عنده من لعب التنس والفوتبول أو سماع موسيقى دافى بروبك الباردة الحنون ، انه رجل اجتماعى يحب الاجتماع بالناس ، ويميل للحفلات ، ونحو ذلك ، كما تحفل به حياة الشبان من المرح والانطلاق . لك أن تتصور كل ذلك
لترى انه ليس فى شخصى شىء غير عادى ، فأنا رجل متوسط كغيرى من الزملاء والاصدقاء بالكلية الذين بينهم عدد غير قليل آباؤهم من الدنيا القديمة ونشأتهم كانت خليطا من الدنيا القديمة والجديدة ، فمن بينهم اليونانيون والبولنديون وغيرهم ولكن من غير أن يشعروا أن عليهم أن يختاروا شريكات حياتهم من اليونان أو بولندا أو غيرها أو أن يتزوجوا باشخاص من سلالتهم ، أما والدى فهما من آسيا التى تختلف عوائدها وتقاليدها كثيرا عن أمريكا وأوربا ، والتى يخص الوالدون فيها أبناءهم بالرقابة الشديدة مدة تنشئتهم ، ولذا كانت مشكلتى من التعقد بمكان لقد سافر جدى ( جولين جونج ) الى الولايات المتحدة عام ١٨٨٥ وهو فى الثالثة والعشرين من العمر ، ومع انه كان يتكلم اللغة الانجليزية فقد استهل حياته بأمريكا بفتح محل لغسل الملابس فى بوسطن ثم فى فول ريفر ولكنه وجد هاتين المدينتين مزدحمتين صاخبتين فسافر الى الجنوب الى البانيا ثم الى تيفتون ، وكانت أعمال الغسل منهكة حقا تستغرق كامل أيام الاسبوع فلم يكن جدى يستطيع أن يحضر جدتى الى امريكا لتشاطره الحياة والعمل بها لذا فقد كان فؤاده دائما فى الصين لا بأمريكا فأخذ يقتصد ويجمع القرش على القرش وحاول الرجوع غير مرة الى الصين حتى استطاع ذلك فى عام ١٩١٧ فعاش بها إلى أن مات فى أرض آبائه واجداده عام ١٩٢٥ وكان والدى مثل كثير من الامريكين مغرمين
بالسفر والتنقل والهجرة الى حين من الحياة المقفلة المحدودة الى أرض وحياة جديدة مليئة بأسباب وفرص الكسب وهنالك سبب واحد يجعلنى احترمهم كثيرا ذلك هو ما كانوا يتمتعون به من شجاعة وقوة الاحتمال اشبه فى ذلك بمؤسسى أمريكا القدامى الذين جعلوا منها أمة عظيمة .
أما أبى فقد ولد فى قرية صغيرة عام ١٩٠٠ قرب كانتون وبقى بها حتى استدعاه جدى وهو فى الخامسة عشرة وفى عام ١٩٢٤ رجع والدى الى الصين لنفس السبب الذى أسافر له الآن ، ليختار زوجة له ، فكان يشعر فى نفسه ما اشعر به الآن من حزن ولم تكن الفتيات الصينيات بهذه البلاد متأمركات كثيرا كما هن الآن كما لم يخطر ببال والدى حينذاك أن يستفتى حكمة والديه أو يجادل فيما لهما عليه من حق تزويجه بمن يريدان وكانت والدتى فى السابعة عشرة عندما اقترنت بوالدى فى حفل صينى فخم زين فيه المنزل من الخارج بالمصابيح المتألقة وبألوان وصور الافاعى والوحوش الاسطورية المخيفة استجلابا للحظ ، كما استعملت فيها الصواريخ المتألقة المندفعة فى الفضاء ثم ترك والدى عروسه ورجع الى أمريكا ثم استقدمها اليه بعد عامين من ذلك ، لقد اشتغل بغسل الملابس بمدينة تيفتون ثم فى ميامى ، ثم قرر أخيرا أن يفتح محلا صغيرا للبقالة التى هى مهنة عائلتنا فى الوقت الحاضر ،
ويبدو لى أن والدى قد احسنا فى تربيتنا وانشائنا واعطائنا فرصا لم يتح لهما مثلها قط فهما يعملان أيام
الاسبوع كلها بالمحل ، واننى اعرف اننى مدين لهما بشىء كثير ولا استطيع أن أفيهما حقهما من التقدير والشكر كما يحس اخوانى الاربع مثل ما أشعر لقد ولدنا جميعا : هيلين وأنا وليليان ومايو جويل ويونيو على الترتيب ، ونشأتى كرجل بين هذا العدد من النساء هى قصة فى ذاتها ، فكنت كلما ذكرت لاحد هذا العدد يهتف بى « يالله ! لابد أنهن افسدنك !! »
وحقا لهم ان يستنكروا فطالما كنت وانا صغير أسائل أمى وأبى : أبى لماذا لا يكون لى أخ صغير ألعب معه ؟ أما الآن فأنا لست أنقم شيئا على اخواتى الاربع بل أننى أدين لهن بالشكر ،
فقد تعلمت بفضلهن كيف أعامل الآخرين ، علاوة على ما أعتقد أننى عرفت فيهن عقلية المرأة وأدركت الشىء الكثير من تصرفاتها ، فقد كنا فى المدرسة وفى الحياة اليومية نتبع دائما تعاليم والدينا التى تنص على أن الانسان يجب أن يحترم من هو أكثر منه سنا وخاصة والديه ومعلميه كما بعثا فينا الاقبال والرغبة فى التعليم فسرنا على ضوء ممارستها ونصحائهما الذهبية ، لقد كانت أمنا وكان أبونا فخورين بنا فجهدنا فى ادخال السرور الى قلبها وعملنا ما فى وسعنا على ارضائهما ، فهيلين الاخت الكبرى كانت طالبة من الطراز الاول مضت فى تعلمها فى نشاط واجتهاد فائقين بجامعة فلوريدا فانتخبت نائبة فى رئاسة الكلية ، وقد حازت مدالية ذهبية فى التفوق بها ، وكانت هيلين أول من واجه منا مشكلة الزواج ،
وأنا أعرف أنها تشعر كما أشعر . . ففى هذه البلاد كل انسان حر فى الزواج بمن شاء رجلا كان أو امرأة ولكنها لم ترد أن تكون أول شخص فى عائلتنا يخرج على التقاليد التى حرص والدانا على انشائنا عليها . .
فتزوجت بشاب صينى درس بأمريكا اسمه « جلبرت جين » تخرج من جامعة روتجرز بنيو جرسى كما خدم مثلى بسلاح الجو الامريكى ويشتغل الآن فلاحا بأحدى المدن الانجليزية التى تجتهد هيلين فى أن تجد لها وظيفة بها كزوجة سعيدة وأم لطفلين جميلين أما ليليان فقد منحت حق التعلم المجانى بجامعة ويسليان فى ماسون التى كانت تدرس بها مدام شيانج كاى شك قبل سنتين من التحاق ليليان بها ، وكانت فى دراستها بالجامعة ماهرة فى الالعاب فأختيرت وكيلة لرئيسة قسمها ، وقد مهرت كذلك فى فن الكيمياء وبنيلها للجائزة المجانية تلك وبقيامها بخدمة الآكلين بغرفة الطعام استطاعت أن تمضى فى الدراسة بالجامعة حتى النهاية . .
وتستغل الآن معرفتها ومهارتها فى الكيمياء فى كتابة البحوث الطبية بجامعة نيويورك الطبية ، أما الاخت الثالثة مايو جويل فذات شخصية فذة وقد اعتدنا أن ندعوها عندما كانت بالمدرسة العليا باسم ( جوليا ) لمرحها وميلها للتندر والفكاهة ، واعتقد أن من عادات النساء عامة بأمريكا وانجلترا ان يسمين بهذا الاسم ، ولم تكد تحصل على جائزة التعليم المجانى من بوردو حتى سافرت اليها فى سرعة
العاصفة ، وقد كانت أول فتاة تمنح جائزة كتلك ، وقد تلقت مايو جويل خطابين هامين فى نفس اليوم قبل تخرجها من الجامعة بشهر واحد ، أحدهما من جامعة راد كليف تمنحها فيه الزمالة الدراسية ، وكان الآخر من الادارة الحكومية يعلنها بمنحها كامل الزمالة للدراسة بجامعة فلبس فى ماربورغ بالمانيا وستدرس بهذه الجامعة هذا العام على أن تعود الى راد كليف اذا تمكنت من ذلك ، أما الاخت « جونى » فهى طالبة بالسنة الثانية بجامعة نيوها مشير ، وقد منحت جائزة التعليم المجانى ، وتعمل كمساعدة بمكتبة الجامعة مقابل شىء يساعدها فى المضى فى دراستها
لقد كانت علاقتى بأبوى تختلف عن علاقة أخواتى بهما ، فعندما ولدت فى ميامى فى ٧ أكتوبر ١٩٣٠ كانت الولادة فرصة سعيدة لاننى كنت الابن الاول ، ومن عادة الصينيين تعميم خبر كهذا وابلاغه لأصدقاء والدى ووالدتى وذلك بتقديم بيض مصبوغ باللون الاحمر لأن مثل هذا العمل خاص بمناسبة ولادة الابن البكر فى الاسرة فتتقاطر هدايا الاصدقاء أثر ذلك على والدى وهى نقود ذهبية أو فضية معبأة على شكل ظروف أو طرود صغيرة . .
وعندما وصل خبر ولادتى الى جدى وجدتى بالصين بعثا إلى والدى بسوار ذهبى سجلت عليه هذه المناسبة السعيدة ، والوالدون الصينيون يسرون بولادة أول ولد فى الاسرة ويحتفلون لذلك كما ذكرت ، لأنهم
يعتبرون أنفسهم بذلك قد أدوا رسالتهم فى حفظ تسلسل الاسرة ، ولم يبق من واجبهم بعد ذلك الا أن يزوجوا ابنهم هذا ويحتفلوا إذا ولد له ابن بنفس الطريقة ، وقد حرص والداى أن يسميانى « أدموند » أو « أيدى » وتعنى الحروف الصينية التى يتألف منها اسمى « الشخص الذى يقوم بأعمال باهرة ترفع من رأس الأسرة ويشرفها » وهى الحروف الصينية الوحيدة التى أستطيع كتابتها ، ومنذ بدأت أعقل أخذ والداى يحاولان تعريفى بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقى بصفة كونى الولد الوحيد فى الاسرة وذلك يعنى الكثير من الواجبات التى على أن أقوم بها وحدى دون أخواتى ، وقد أدركت الآن أن والدى كان يتحرقان شوقا الى ابن آخر احتياطيا كما قلت عن تفاؤلهما بالاسماء ، فاسم « جون » يعنى حرفيا باللغة الصينية « اجعل الابن الثانى ابنا لك » ولكن يأبى الله الا أن أكون الابن الاول والاخير وذلك هو السبب فى أن مسألة زواجى عظيمة الاهمية لدى الأسرة بأسرها
اننى أشكر المقادير التى جعلت والدى يقيمان بضاحية ميامى التى ولدنا ونشأنا وتعلمنا بها ، ذلك المكان الطلق ، وتلك البيئة الراقية بدل أن نحيا محصورين ببلدة صينية لا نجد فيها متنفسا من الهواء والحرية فقد كنت طالبا بالمدرسة العالية بها أميل الى الالعاب الاولمبية ، كما أن الفوتبول قد علمنى معنى الشرف الرياضى والعمل الجماعى ، وقد اهتم
والداى كثيرا بنواحى نشاطى ، فكانا يوجهان خطاى فى اخلاص ويستمعان الى المحاضرات والخطب الموجهة للوالدين ليعملا لافادتى على ضوئها ، وأعتقد أن أول مرة شعرت فيها بالمسئولية الملقاة على عاتقى كالرجل الوحيد فى أسرة جونج كانت قبل سفرى الى جامعة هارفرد بقليل ، أى فى عام ١٩٤٨ ،
فقد دعانى والدى وأخذ يتحدث الى ، تحدث الند للند ، فقال : اننى أول رجل فى أسرة جونج تتاح له فرصة الالتحاق بالجامعة وأن على أن أذكر ذلك ما حييت . .
وكان أول عام لى بالجامعة مجرد تجربة ، لذا كانت الدرجات التى حصلت عليها دون المتوسط ، لم تبلغ درجات الشرف ، فأضعت بذلك على نفسى جائزة التعلم المجانى ، وقد ساءنى ذلك وأخجلنى أن أقابل والدى ولكن لم يسعنى غير ذلك فلم يغضب والدى عندما اخبرته بالنتيجة وقد خشيت أن يكون ذلك لعدم كفاءتى العقلية للدراسة ، فأردت أن أنخرط فى الجيش فحدق والدى فى وجهى ثم قال باسما : انه على ثقة أننى سأحوز الدرجات المطلوبة وان آل جونج لا يستسلمون أو يتراجعون بسهولة ، فبث ذلك فى نفسى روحا جديدة ،
وقد كانت أسعد لحظات حياتى تلك اللحظة التى كتبت فيها اليه والى أمى فى السنة التالية اخبرهما بنجاحى ،
وبحصول على درجات الشرف فى العلوم السياسية ، وتخرجت أثر ذلك من جامعة هارفرد والتحقت بالسلاح الجوى الامريكى ، وبعد أن تخرجت
من مدرسة (الرادار) التحقت بمدرسة ( الانواء الجوية الحربية ) فى فالدوستا على بعد ثلاثين ميلا من البلدة التى يقيم بها والدى ، واذكر أن أول مرة اتصلت فيها علاقاتى بوالدى كانت بعد عام من رجوعى لقضاء العطلة الصيفية بقليل ، فكنا ثلاثتنا أبى وأمى وأنا نتحدث بعد تناول الغداء كما كنا نفعل دائما بالوطن ، وكان أخوانى قد خرجن جميعهن الى السينما فسألتنى أمى فى لهجة ناقمة نوعا : الا تعجبني الفتيات الصينيات الاصل ؟ كما قالت لى : أن من الضرورى أن أفكر فى الزواج واختيار الفتاة المناسبة ، وان أعد نفسى لليوم الذى أذهب فيه الى الصين للبحث عن العروس ، كما فعل والدى . .
فضحكت فى هدوء وقلت مازحا . اننى لا ازال صغيرا ودون سن الزواج وان من الصعب على أن أقوم برحلة خاصة لذلك ويحتمل أن لا أجد هنالك الفتاة المناسبة ! فقال والدى : يجب أن لا تشك فى أن فى هنج كنج فتيات جميلات مناسبات . . كما قال : أنه على يقين أن جدتى سوف تختار الفتاة الجميلة المناسبة . . فقلت فى شىء من التضجر : أراهنك يا والدى أن فتيات هنج كنج ليس بينهن الفتاة التى تناسبنى ! . . وكانت هذه العبارة كافية لأن تجعله يرفع صوته حانقا بقوله : ان الفتيات الصينيات لسن أقل من غيرهن من الفتيات الامريكيات المتمدنات فى التربية وحسن الثقافة فوافقت فى تردد على اقتراحهما لاننى عرفت أن تعليقاتى لا تناسبهما . .
فعندما كان والدى فى مثل سنى الآن أخذ جدى على عاتقه مسألة البحث له عن زوجة بنفس الطريقة التى يتخذها القائد فى تدبير الخطط الحربية ، فكان جدى يصحب جدتى فى زيارتها لمختلف الاسر التى لديها فتيات مناسبات . .
ولم يكن جدى ضد فكرة كهذه بل كان على العكس يسر بها ويغتبط كما هو دأب الشبان الصينيين من آلاف السنين ، وقد حدث فى زيارة من تلك الزيارات الاجتماعية المألوفة أن تعرف والدى على والدتى . . لقد خرج هو وجدتى الى قرية قريبة لزيارة أسرة معروفة بأن لديها ابنة جميلة فلم يكادا يقتربان منها سيرا على الاقدام ويعبران ممرا ضيقا يقود الى الميدان حتى ابصرا فتاة تقترب ، وكانت بنتا جميلة الصورة هيفاء القد ذات شعر أسود طويل ، وكان يوما قائظا شديد الحرارة ، فكانت تحمل مظلة حرير تقيها من الشمس الحارة وقد أرخت المظلة على وجهها خجلا عند مرورها بهما ، ولم يمض طويل وقت على هذه المقابلة الخاطفة حتى عرفا أنها هى الفتاة التى رحلا لزيارتها بالقرية ،
لقد كانت من عائلة كريمة عريقة ، وان لم تكن على شىء من الثراء ، وقد تم بعد ذلك الاتفاق بين الاسرتين . .
وأجريت مراسيم الزواج . . ولكن أنى لك أن تشرح لوالديك اللذين تحبهما أبلغ الحب وتحترمهما غاية الاحترام وتحرص الحرص كله على طاعتهما وارضائهما أنك لا تستطيع أن تعمل بنصحهما وتوافق على اختيارهما فى مسألة تقليدية كالزواج
لقد كنت أبنا مطيعا بارا بهما حتى هذه اللحظة . . أما مسألة الزواج فمسألة أخرى غير الطاعة والاحترام ، أنها مسألة شخصية بحتة . .
فما العمل لجعلهما يدركان أن أمريكا هى وطنى لا الصين ؟! لقد اتجهت فى هارفرد بكثير من الفتيات الصينيات بالجامعة فى مثل سنى بل ان أغلبهن ولد وتربى فى الصين ، فقد كن يتكلمن الصينية فى طلاقة ويعرفن جميع التقاليد والعوائد الصينية ويفكرن تفكير الصينيات وان كن يعشن فى أمريكا من زمن طويل . . وكنت أرى فى مقارنة نفسى بهن أننا على اتفاقنا فى الاصل ، نختلف فى نواح أخرى ولعل أصدق تعبير فى وصف هذا الخلاف هو انهن ينتمين الى ثقافتين : صينية وأمريكية حالما أجدنى ثابت القدم فى أمريكا وثقافتى أمريكية بحتة وقد كان يعتقد الكثير اننى سأجد طلبتى بالدنيا القديمة لأن ما بأمريكا قلة يسيرة من الفتيات الصينيات فلم اوافقهم على ذلك ، وكنت أشير فى جدالى معهم الى أن أمريكا لها كبير الفضل على ، وعلى أسرتى ، وهنالك الشىء الكثير الذى تهبنا أياه فى المستقبل ، وقد أكون لم اقنعهم بصواب رأيى ختمت كلامى بقول لقد نشأت بأمريكا وسيكون مستقبلي بها لا فى الصين ، وقد حاولت أن أوضح نفس هذا الشعور لوالدى عندما اثيرت مسألة الزواج ، ولكن ولكن على غير جدوى فقد ذكرا أن جدتى بعثت اليهما بخطاب تقول فيه : انها رأت عددا من الفتيات الصينيات
اللاتى درسن بأمريكا وأن أحد أولاد خالى قد تزوج بأحداهن فى كانتون وهو سعيد بهذا الزواج ، وكانت فكرة والدى فى تزوجى بفتاة صينية مواطنه هى أن الفتيات بالصين قد تربين على أن يقمن بخدمة أزواجهن أما فى أمريكا كما قيل فكل الفتيات بما فيهن أولئك اللاتى من أصل صينى يقوم أزواجهن بخدمتهن . .
ان من حقى وحدى فى مسألة كهذه تستدعى الارتباط بالزوجة كشريكة مدى الحياة أن أقررها أنا لا والدى ، فلى آرائى وأحلامى الخاصة عن الفتاة التى سأقترن بها فى يوم من الايام ، فقد تكون فتاة من أصل صينى هى التى تحوز أعجابى ويقع عليها اختيارى ولكننى لم أر ولم تجذبنى فتاة كهذه بعد . . لقد حاولت أن أعجب بهن ،
ولكن لا ينبغى أن أغالط نفسى فالفتاة المثالية لدى فى الجمال والرشاقة على السواء هى فتاة من قبيل « جريس كيلى » أو « آفا جاردنر » وهى التى لم يقع عليها نظرى بعد وفى حاجة لاعطائى كامل الحرية فى اختيارها ، ولا أظن أن طريقة تفكيرى مخالفة للصواب ، أو أننى أطلب شيئا لا حق لى فيه ولكن أنى لى أن أشرح لوالدى ما يحملنى على أن أفكر وأعمل وأشعر كأمريكى ؟ لا أظن أننى أستطيع أن أجيب عن مثل هذه الاسئلة ، ولكننى وحدى أدرى بما اعتقد لا أحد غيرى ولا يستطيع حتى والدى أن يجعلانى أفكر تفكيرا غير هذا . . لم أقع فى حياتى فريسة للتحامل أو المحاباة ،
( مجلة أمريكان مجازين )
وأعتقد أن كل من أروى لهم هذه القصة لا يشكون فى أننى على حق ، فالواقع هو الذى أوحى الى أن أمريكا أضمن لمستقبلى من غيرها . . وأعتقد أن ليس من الغرابة فى شىء أن أجد أخلص أصدقائى هم من الامريكين ، لا من الصينيين أو من هم من أصل صينى ، فأنا أختار الاصدقاء لمميزاتهم ومؤهلاتهم الشخصية لا على أساس السلالة والجنس ، كما يبدو أن ليس من الغريب أيضا أن يخبرنى أصدقائى أنهم لم يشكوا فى معرفتهم بى قط فى أننى من أصل أمريكى . . أما الضغط المبالغ الذى يفرضه على والداى ليحملانى على أن أفهم مسألة الزواج كما يفهمانها ، فمما يدعونى للتمرد والخروج على طاعتهما ، وقد توترت العلاقات بيني وبينهما ، فهما لم يدركا الى أى حد قد « تأمركت » وأنا لم أر داعيا لاصرارهما على أن أتزوج بفتاة من الصين . .
أخيرا فكرت فى الزواج تفكيرا خاصا أدى الى التفاهم بينى وبين والدى وقصر أمد ما بيننا من التوتر وهو أن أذهب الى هنج كنج على ألا أتزوج غير الفتاة التى أشعر نحوها بالحب . . . الحب الذى هو سبب السعادة ودوام الاتصال والهناء بين الزوجين . . وكل ما آمل هو أن لا أقترن بزوجة من الصين وأن لا تكون الفتاة المختارة من هنالك ليتسنى لى الرجوع الى أمريكا واستئناف البحث بها عن فتاة أمريكية كما ينبغى أن تكون . .
