" عبد الرحيم " واحد من اولئك الجاويين الكثر الذين يؤمون هذه البلاد المقدسة للتفقه فى الديانة الاسلامية وهو شاب قميء يعتم بشال مطرز بيض ، يؤثر العزلة والانفراد على مخادنة الناس ومصادقتهم ، واهبا حياته للكتاب والمحفظة ، وكان أهله يجرون عليه مرتبا سنويا يكفل له شيئا من بلهنية العيش وسعة الحياة ، وفي الحرب العالمية الثانية امسى فى معزل عنهم لا يتصل بهم بسبب ولا هم به يتصلون .
واحس عبد الرحيم - لأول مرة فى حياته - بالعزلة والانفراد ورأى أشباح الفقر والعوز ترقص حواليه مهولة مروعة ، وحلت به الطامة بنفاد آخر قرش يملكه فى جيبه فاضطر للحصول على مال - ان يبيع بعض امتعته التى كان يعزها ويرعاها وبدأت ديونه بعد ذلك تتسع بامتداد الحرب واتساعها .
وفي يوم من الايام عاد عبد الرحيم الى منزله مهيض الجناح فقد نهره ذلك " الفوال " السمين نهرا انما لان اخر ميعاد ضربه لا يفاء ما عليه له من دين قد مر عليه يومان ، وهذا اشد ما ابتلى به فى حياته ، ولما كان عزيزا ابيا لا يرضخ لضيم ثارت شجونه ، واستعبرت عيناه كمدا وغيظا وقال وهو يغمغم : - إن الله مع الصابرين إن الله مع الصابرين
ودخل حجرته طارحا كتابه مكفكفا دمعه وهو يردد بين الفينة والأخرى : - ان الله مع الصابرين وفجاة نهض من مكانه ، وضرب بيده الى سجادة بالية أهدته اياها أمه
قبل سنوات سبع ، وبيد مرتجفة افترشها على اخلاق الحصر واستوى فوقها دامي القلب واستقبل القبلة وقلبه ملئ بالهموم والاشجان القاتلة ، وعلى غير شعور منه مضى فى سنة نوم عميقة فسمع صوتا رفيقا هادئا يقول له :
- دونك يا عبد الرحيم . . هذه جنيهات ذهبية . . خذها ولكن بشرط - أعطنيها . . وهات شرطك :
- ستمتلئ لك هذه الصحيفة بالجنيهات الذهبية يوما بعد يوم ولكن بشرط ان تنفق كل ما فيها قبل ان تغرب الشمس - هاتها : فقد قبلت الشرط
وفى قفزة واحدة كان عبد الرحيم عند الصفيحة المهجورة بصدئها النحاسى مطلا بنظراته الحيرى ممسكا برأسه صائحا :
- حقا هذه جنيهات صفر لامعة فهل أنا واهم أم انا فى حلم من الأحلام ؟ ! واغترف بيده مقدارا منها يتبينها ويستوثق من أمرها ، وقد غمرته موجة قوية من الفرح وان كان يشوبها شئ من القلق . وتحدث قائلا :
- لا يصح ان تبقى هذه الجنيهات فى هذا المنزل ، فالقفل ليس جيدا ، والباب متهافت واهن لا يصمد لمن حدثه نفسه بالعدوان . . وبدأ يفكر فى حلول كثيرة فاضناه التفكير وأعياه !
- هل أحملها الى شيخنا ؟ ولكن من يقنعه بصحة ما أقول ؟ هل اودعها عند ذلك البقال الرقيق الحاشية الذى حال بينى وبين الفوال ؟ وكيف أوصلها اليه والفوال رابض كالنمر المتوثب فى سبيلي ؟ . . هل أنتظر حتى يجن الليل ؟ ولكن آه . . فقد آليت على نفسي ألا أستبقيها الى الليل . .
وأخيرا اعتزم ان يبتاغ قبل كل شئ ، قفلا قويا للباب ، ثم يفكر بعد ذلك فى طريقة الانفاق .
وتناول جنيها واقفل الباب بدقة واحكام وتلفت يمنة ويسرة ووثب الى الى السلم يهبط كالممرور ، وما ان خرج الى الهواء الطلق حتى تبين الشمس تستقيم فى كبد السماء فخشى ان يدهمه الظهر ولما يشتر القفل فغذى المسير ومرق من أمام
دائنية ثابت الخطو والجنان ، فقد أصبح ايفاؤه لديونهم شيئا مفروغا من امره ولم يقف الا على حانوتى الخردة وانتقى قفلا غالي الثمن فنظر اليه الرجل مستخفا وقال : - اذا كنت لا تملك ريالين فدع عنك هذا القفل .
وحار عبد الرحيم فى امره فقد كان - حقا - لا يملك ريالا او ريالين ، وما خطر بباله قط ان يمر على الصيرفى لابدال الجنيه بالريالات ، وفي عودته اليه مضيعة للوقت ، ومضناة للجسم ، فاختصر الطريق ورمى بالجنية الذهبى للحانوتى قائلا : - خذ هذا ثمنا لقفلك .
وفغر الحانوتى فاه دهشة ؛ وقبل ان يفيق بارحه عبد الرحيم مختفيا بين الزحام ، وسرعان ما آب الى غرفته بعد ان اختبر الباب والقفل ، والقي نظرة عجلى على الصفيحة فتبين له انها كما تركها ، وقام للمرة الثانية ليتاكد من اغلاق الباب - كما ينبغى - ثم جلس القرفصاء على الحصير الخلق وسبح فى عوالم التفكير .
- يجب ان اسدد اولا ديونى ثم ابرح هذا المنزل القذر الى دار اتخذ فيها ما اشاء من حشم وخدم ، سابني على فتاة ذات دين وحسب وجمال . . ساشترى سيارة . . سافعل . . سافعل . . ولكن يجب ان يكون انفاق على بينة وبترو ، فينبغي ان اعرف حقيقة ما محتوى هذه الصفيحة من الجنيهات الذهبية ونظر اليها مليا ثم أطرق وقال :
- كلا لا ينبغى أخذ الامر بالظنة والحدس ، لابد من نقدها وعدها . وراقته الفكرة وبسط سجادته البالية وقبض على قدر من الجنيهات فى حذر وحرص وانتباه خيفة أن يسمع رنينها الجيرة الادنون
وبدأ يعد :
واحد اثنان ثلاثة أربعة . . خمسة . . الى أن اتم عشرين جنيها فوضعها جانبا واستمر يحصى فى حركة آلية - بفعل العادة - أما ذهنه فقد كانت تدغدغه احلام وامال وطفق يعد ، والاكوام تزداد ، وتزداد حتى اختلط بعضها ببعض .
وفجاة سمع وقع اقدام خارج الباب ، فانصت فى اهتمام وتوقف مليا عن
تعداد الجنيهات وحينما ابتعد صدى الخطوات عاد صاحبنا الى عمله ، غير انه نسى مقدار ما عد واحصى فرجع يعد عودا على بدء . .
وهكذا مرت ساعات ، لم ينجز فى خلالها غير جزء من الصحيفة الذهبية فداخلة الضجر والبرم ، وتلاحقت انفاسه فى الغرفة الموصدة فهب الى النافذة مستروحا ولمست وجهه نسمات الأصيل الندية فأتلع بعنقه مستطلعا ، ورأى ذماءا من الأشعة الغاربة تودع قنن الجبال الشم ؛ فانفتل مأخوذا مذعورا وهو يغمغم :
- رباه لقد دهمنا المساء ، وعلى أن انفق ما فى هذه قبل أن يؤذن للمغرب . وليست أمامى سوى دقائق معدودات . . فما العمل ؟
وتملكته حيرة قاسية ومرت بذهنه صور من أسوأ الاحتمالات - ان لم يصل الى حل حاسم سريع - ورأى احلامه فى الفن والثراء تكاد تذهب ادراج الرياح السافيات . وتصور نفسه متعمدا الى السرى خيفة ان تاخده اعين : الدائنين فى الغدو والرواح ، وتمثلت امامه اشباح الجوع والفاقة والعرى مطبقات غير بعيدات . .
انها دقائق . . ودقائق فحسب !
فهل يستطيع خلالها انفاق هذه الصفيحة الذهبية ، واضطربت عضلات وجهه واختلاط فكرى قاتل ، وقفز الى النافذة فرأى الشمس قد تقلصت قليلا عما قبل فألقي عمامته وانحط جالسا على الارض فى إعياء وقنوط . .
وبغتة اباد السكون الخارجى سعال العجوز البخارى وهو يسعى الى صلاة المغرب وحمل الاثير موجات الاصوات الى سمع عبد الرحيم فبعث فى راسه فكرة نهض لها فى وثبة المتحفز وفتح الباب بسرعة واندفع نحو البخارى وهو يصيح - ياعم عبد الرحمن ياعم عبد الرحمن
فالتفت الجار خلفه ، ولحقه عبد الرحيم قائلا له فى ضراعة :
- إصبر يا عم . إصبر يا عم أحب أن أقدم لك هدية . . فهل أنت تقبلها ؟ ووقف عبد الرحيم وهو ينتظر من جاره كلمة تريحه من عناء الضمير وتفتح له احدى صفحتى حياته : فاما سعادة دائمة ، او عناء دائم ، وبعد
لاى ما اجابه البخارى الاشيب قائلا فى صوت مبحوح :
- طيب . . وسر عبد الرحيم بابتسام السعادة له ، فان اياما باسمة اقبلت اليه - ولاريب فطار الى الصفيحة الذهبية وحملها على راسه عائدا ، وحينما شاهده صاحبه البخارى صاح :
- ما هذا ؟ ! بصل ؟ ! وقد سر عبد الرحيم من لهفة البخارى على البصل المهدى إليه ! وعاوده هدوؤه فقال كعادته :
- إصبر ياشيخ ان الله مع الصابرين . ثم انزل الصفيحة من فوق راسه وحجبها بيديه ليفاجئ البخارى العجوز بالهديه الثمينه التى لم تكن مرت بباله ، فطلب منه ان يقترب ، ومن ثم رفع يديه عن الصفيحة فى سرور وهو يقول :
- خذ هذه هدية لك خالصة منى . واطل البخارى على الصفيحة واذا بها تعج بالجنيهات الصفر يكاد بريقها يخطف الابصار فتراجع منذعرا ، وولى مدبرا وهو يقول :
- هذا حرام . هذا حرام . . هذا حرام يا شيخ . . وفى نفس الوقت ارتفع صوت المؤذن الشجى يدعو المسلمين الى الصلاة . . ونظر عبد الرحيم الى الصفيحة ؛ فاذا بها خاوية كأن لم تكن ملآي قبل ساعة . . وتقابلت في نفسه موجة من الثورة والجموح بموجة من الاستسلام والرضا ، فقال مغمضا :
- ألا يوجد فى الدنيا نوال بلا شرط ؟ وفتح عبد الرحيم عينيه فوجد انه قد غفا طويلا على مصلاه ، وكان اذان المغرب لا يزال يدعوه الى الصلاة ، فتوضا سريعا وتأبط محفظته وهو يردد : - ان الله مع الصابرين
