الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

قصة العدد, الكاس الاثرية

Share

١

حين عدت - قبيل - العصر الى داري ، اخبرت ان صديقى ابراهيم ، طرق الباب مستعلما عن وجودي ، فلما آحيط علما بغيابي ، خط بضع كلمات فى رقعة من ورق ، ثم وضعها فى يد الخويدم ، طالبا منه ان يعطينيها عند عودتي ، فتناولت القصاصة من الصبى ، وارتقيت الدرج صعدا ، ثم نشرتها وأدنىيتها من عيني فقرأت :

عزيزي الاخ عباس

أحضر سريعا لأنقاذ أخيك وإياك وان تبطئ . أخوك ابراهيم

وطويت الورقة ثم نشرتها ، ثم طويتها ، وانا افكر فى هذا الأمر الذي الجا صديقى الى ان يزورنى فى غير اوقات الزيارة المعتادة ، والى ان يترك لى ورقة يلح فيها على حضوري سريعا لأنقاذه

ما هذه الكوارث التى يمكن أن تحل به ما هذا الهم الذي يخترم جوانبه ، فيريد انقاذه والتخلص منه ؟

كل ما اعلمه ان له عما استأثرت به المنية قريبا فهل الم الفراق ، وانفلات العادة يعصفان بنفسه الى هذا الحد ؟ بيد اني لم الحظ شيئا من ذلك حين لقي أبوه الحتف قبل سنوات خمس ، فكيف يمكن التوفيق بين هذين النقيضين

وأخيرا مزقت الورقة بددا ، واعتزمت الذهاب الى هنالك ، فتناولت طعامي وارتحت قليلا ثم وليت وجهى صوب دار الصديق

وبعد نصف ساعة كنت حيث يقطن ابراهيم منزلا فى قلب حديقة ملتفة

الافنان ، وارفة الظلال ، وكانت شمس الأصيل تكاد تميل الى المغيب ، فاطلت بوجهها السافر فى اصفرار واهن خلال جذوع النخيل السامقات وصافحت أشعة منها وجهى فى ولطف ولين وفجأة سمعت صوتا أبح ينادينى

- عباس .. عباس . . انني في انتظارك . . بالله اسرع ايها الآخ . فأجبت بصوت عال :

أين انت يا ابراهيم ما دهاك ! آه تعال أولا

وظهر ابراهيم ووجهه يحاكى شعاعا غاربا فى صفرته وانبهاته ، فتقدمت اليه وصافحته فى حرارة وانا أقول :

- ما بك - يا ابراهيم - أتشكو علة ؟ كلا - أيها الصديق - واخذت يده فى يدى ، فالفيتها ترتجف فقلت له : - ألم بك شئ ؟

آجاب وقد تقلص وجهه : لا شئ لا شئ فقلت له فى لين : - تكلم - يا صاح - وافض الي بأمرك فتنهد طويلا وقال .

ليس هو بالسر انما هو رجاء الا انه سخيف . . سخيف جدا - هذا لا يهمني

بل هو جنوني . . لا ريب فى ذلك ليكن فارتسم الإرتياح على وجهه وقال : آه انا فى حاجة شديدة اليك

ثم وضعت يدى على كتفه فى حنان قائلا : - تشجع - ابراهيم - وبح بالامر . . لا تتردد فأجاب متضرعا وتكاد العبرة تخنقه : خلصني منها أخي أجل خلصني منها ممن - يا إبراهيم - من هذه التى تتكلم عنها ؟ هي ليست بالذى فهمت - لكنني لم أفهم تماما ما تعنى فامسكنى من رسغي ورجني قويا وهو يقول : - إذن ! تعال . . تعال - يا عباس

وأخذني بيدى فاجتاز بي باب الدار ، ومررنا بدهليز طويل ينتهى الى غرفة منفردة ، أحكم اغلاقها بقفل ، فاخرج من جيبه مفتاحا ، ووضعه فى الفتحة ، ثم اداره ذات اليمين ، ودفع الباب بيديه ورجع القهقرى وهو يقول :

- أدخل - يا عباس - أدخل وهات الشئ الموضوع على المنضدة الوسطى - ولماذ لا تصطحبني ؟

- آه ! إنك لا تعلم ، بالله الا ما دخلت وحيدا حسنا ، سأنفذ رغبتك

واعتلجت فى نفسي بعض المشاعر ؛ وانتابتني رهبة من يقتحم مجهولا ، الا أنني دخلت ، فوجدتها غرفة فسيحة الآرجاء ، انيقة المظهر ، انبثت الزرابي والأرائك في شرفها ، وتهدلت سجف مطرزة من كل نافذة منها وبحثت عن المنضدة الوسطى ؛ فألفيتها مصنوعة من الخشب الجاوي ، زينت قوائمها ببعض النقوش المحفورة ، ولم أر على متنها الا كاسا معدنية صدئة حقيرة ، لاتصلح بحال لان تكون مبعث هذا الرعب لصديقى الا إذا كانت تحتوى على شئ سام خطر ، وتقدمت نحوها بخطوات ثابتات واشرفت على الكأس من بعد ، واستطعت ان ابصر قرارتها بوضوح فتملكنى العجب لأنها لم تكن إلا خالية .

اشترك في نشرتنا البريدية