) اسم الرواية التى اوفى على انجازها صديقنا الأستاذ احمد سباعى ونحبانه اختار لبطلته اسم " فكرة " لانها الفتاة التى لا تعنى بفتنتها وجاذبية جمالها بقدر ما تعنى بالفكرة قوامها المنطق والعقل السليم . وفى هذا الفصل يطالعنا نموذج طريف من حوارها وفسلفتها فى الحياة (
كانت الشمس قدا وفت على الاستواء ترسل اشعتها فى خلال الغمائم المتكاثفة فاترة هزيلة ، وكانت رؤوس الجبال على جنبات الوادى تبدو حالكة السواد طاعنة فى الفضاء بقرونها فى خيلاء وزهو
وكنت ترى فى زاوية من الافق من ناحية الشرق بقعا ارجوانية تلمع فى صفحة السماء كانها بحيرات صغيرة تصطفق فيها امواج من الدم !
وكان الدخان الساطع من المنازل الريفية المتناثرة فوق النجود الصغيرة المجللة باشجار التوت والاثل . . يلتوى قبل ان يسامت رؤوس الجبال ، وتنعقد حراشيه فى غمائم رقيقة شفافة ، وكانت الىغارى تثب ونتقل مفردة فى ثايا الوادى بين شطئان وخلجان تتعرج وتندغم وتنبسط تكتنفها عرائش العنب واشجار الرمان والخوخ بينما تتحد امواج من السيل فى اخاديد كانها الشلالات ثم تعرج وتلتوى بين الغياض والبساتين والمروج المخضلة
وكانا على مر تفع من طريق السابلة تحجبهما شجرة اثل كبيرة عن عيون المارة من رعاة الغنم وعمال البساتين
كانت " فكرة " مرتفقة جذع الاثلة . . وجديلة من شعرها تغطى جبينها ، ثم تلتوى فى هون حتى تلامس ثغرها وتتخلل بين ثنايا كانها الصدف اللامع وكان فرع من الاثلة يصارع شعاعا خافتا على وجهها الضامر فتبدو ملامحها ذابلة سقيمة
وكان ) سالم ( على خطوات منها واجف القلب مبلبل الخاطر لا يدري اية نزوة من نزوات القلب جمحت به الى هذا العبث ، واي مرض من امراض النفس قاده الى هذا النزق .
وندت منه زفرة مكتومة فتحاملت على نفسها ثم التفتت اليه وقد ادركها شئ من القلق ، ورأت نفسها تسأله فى حنان ورفق - أتتألم ؟ - لا . لا اتألم . . ولكنى افكر - فيم تفكر ؟ - انهم هنا يتهمونك بالجنون . . وقد تراءى لى ان التمس ادلتهم فى تصرفانك - ألديك فكرة صحيحة عن حقيقة الجنون ! - ابدأ ! فالمسئلة لا اكثر من تواطؤ تواضع عليه الناس . . هناك تصرفات شذت على قواعد الحياة فدلت على خلط او دخل فى القوى العاقلة عرفها الناس فيما بعد بالجنون .
- أتمنى ان الحياة سنت لنفسها قواعد ؟ ام ان شيئا آخر غير الحياة سن لها ذلك ؟ - ليست الحياة عاقلة فتنظم لنفسها ، وانما هم ابناء الحياة او ان شئت صفوتها منهم تواطؤا على تنظيم الحياة ضمن حدود لا يخرج عليها الاشاذ ، او مدخول . . او بالاختصار مجنون
- وانت شخصيا تزكي كل ماتواطأ عليه الناس ؟ - لم اقل هذا - اتقول انه اذا تواطأ الناس على ما يسمونه بالجنون فانت تخالفهم ؟ - ولم اقل هذا - ارجو تحديد ماتقول ! - مانواطأ عليه الناس يحتمل الصواب والخطأ - وانت شخصيا تحكم بما يحتمل الصواب والخطأ
- لم اقل هذا ارجو تحديد ما تقول ! لا اريد ان احدد شيئا ، ولا ان اقول شيئا وتريد ان تسمع ؟ - سأسمع . . وذلك شأنى كلما جلست اليك ١
- إذا وضع ) الحكيم - العاقل ( نواة قاعدة فى الحياة فالمفروض انه يستوحى حكمته ، فما هى حكمته هذه ؟ - انها قواه العقلية متأثرة بمجموعة كبيرة من عوامل محيطه . فعباد البقر . والبوذيون ، وهمج افريقيا فيهم حكما ، يشرعون لاممهم قواعد فى الحياة يستوحون فيها حكمتهم وقوهم العقلية المتاترة بالكثير من سخافات محيطهم . ومع هذا فهى قواعد وهي سنن فى الحياة ! وهى نظم لها رعايتها . . فاذا كنت فيهم فهل من رأيك الخروج عليهم فيها ، او متابعتهم عليها ؟
ان كنت الاول فانت مارق خار ج مجنون ، وان كنت الثانى فانت مدسوس على نفسك مغبون لغيرك
فى الهند جماعة يذبحون البقرة ؛ وآخرون يقفون مذهولين يسأل بعضهم بعضا : ما يمنع الجبال ان تميد ، والارض ان تبيد بهدا النفر الطاغى يطعن المقدسين ويطعم اهله واولاده لحومهم
هذان خصمان عاشا فى بلد واحد ، ونهلا العلم والجهل من ممين واحد واترع كل جانب منها بالحكماء المشرعين والعقلاء فمامنع الحكمة ان تجمعهما والعقل ان يستصفى الخلاف بينهما ؟ !
لاشيء سوى ان العاقل لا يستوحى حكمته خالصة ، ولا يضع قاعدته فى الحياة الامتأثرة بالعوامل الفعالة فى محيطه ، - ولو لم يكن هذا لكان ابناء الحياة على غير هذا النحو - ) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ( .
اننى لا ازكى نفسي فادعي اننى اذا كنت مجنونة فلانى أحدهما . . لا أزكيها . . لأنى إذا كنت أعقل بعض الأشياء ، واجدف على بعض القواعد . . فانى لا أزال رغم ذلك متأثرة باكثر من عوامل احاطت تربيتى ونشأتى . . وها انت تراني مثلك ! ! الى حدما عبدة لكثير مما احاط بى وينكره عقلى
أريد أن اخلص من كل هذا الى ان قواعدنا فى الحياة ليست صوابا كلها لأن واضعى نواتها كانوا لا يستوحون حكمتهم فيها مجردة من ادران محيطهم وإن الخروج عليها ليس خطأ كله ولا جنونا كله .
فاذا رأيتنى فى نظر غيرك مجنونة فكن أثبت من أن تجارى التيار . . واخلص مرة واحدة من مؤثراتك المحيطة لتستطيع أن ترانى على حقيقتى بغير عينك المجردة ، وتحكم فى شأنى بغير عقلك المشوب .
