لنبدأحياتنا
من جديد
سمع فجأة وقوع جسم أعقبه بكاء وعويل عرفت فيه ( سعاد ) انه صوت ابنتها عائشة ، فاطلت من أعلى فرأتها ملقاة على ظهرها عند أسفل السلم تبكى وتنتحب فى ألم مرير ، فهرعت اليها صارخة وهى لا تكاد تصدق عينيها :
- عائشة . . اهذا أنت ؟ . لطفك يا الله كيف حدث هذا ؟ كفى بكاءا يا ابنتى فسوف يزول ما أصابك . . لماذا لم تحترسى لنفسك وطالما نصحتك ان تأخذى حذرك من هذه الدرج المنتصبة كالسلم فى الصعود والهبوط منها . . هيا معى الى فراشك فسيزول سريعا كل ما تشعرين به من ألم . . ! !
ولكن الاصابة كانت أقوى مما كانت تظن فلم تتمكن عائشة من الحركة فحملتها أمها حملا الى سريرها وهى لا تنفك عن الصراخ والبكاء . .
سمع صالح صراخ ابنته وبكاءها ، فأقبل مسرعا وما ان رآها على تلك الحال ، وأبصرها تتحسس قدميها فى بكاء متواصل حتى أيقن ان الامر غير عادى وان من المحتمل ان يكون قد أصابها كسر أو خلع فى احدى قدميها ، فلا بد اذن من احضار الطبيب لعلاجها والكشف عن حالتها ، ووثب الى ذهنه فجأة ما سمع من خبرة احد الاعراب بعلاج وتطبيب العظام فتناول سماعة الهاتف فى الحال واتصل بابنه فى المتجر وطلب اليه أن يذهب الى العم ( لافي ) ويأتى به سريعا الى المنزل .
وبدون أن يدري ( رشاد ) حقيقة ما حدث ، نزل على أمر والده وذهب الى بيت العم لافي
وطلب اليه ان يصحبه الى المنزل لامر ضرورى جدا ، فحاول الشيخ أن يعرف منه ما حدث ولكن على غير جدوى ، فلم يسعه الا أن يحمل عدته ( وهي عبارة عن منشار دقيق ومجموعة من القطع الخشبية ، واللفائف والسيور الجلدية الخ . . ) على كتفه ويمضى فى أثره . . .
كان بكاء الفتاة وعويلها ما زال يعلو ويزداد عندما أقبل رشاد ومعه الشيخ الى المنزل ، فتقدمهما الوالد الى المريضة وهو يفسح لهما الطريق بين حشد النساء اللاتى أقبلن من كل صوب لدى سماعهن بالخبر ، وراح الشيخ يتحسس قدمى المريضة ويديها وكل اجزاء جسمها فى خبرة الطبيب المتقن للصنعة والكل يتطلع اليه فى انتظار ما ينتهى اليه تشخيصه من قرار . .
وكان ما انتهى اليه قرار الشيخ أخيرا وجود كسر فى أحدى القدمين ورضوض مختلفة في جميع أجزاء الجسم ، وفي الحال وبدون أى تردد مضى الشيخ فى اداء مهمته فأفرغ جعبته ونثر ما تضم من أدوات ثم تناول قطعة خشبية عريضة وأخرج مديته من حزامه وأخذ يشذب أطرافها ويرقق
أعطافها وكان قد أمر أن يسخن زيت فمضى يدلك مفصل القدم فى شدة والفتاة تتلوى فى يديه من الالم ثم ضم الساق المصابة الى بعضها ووضع عليها القطعة الخشبية التى أعدها وربطها ربطا محكما ، وطلب أن يبقى الرباط على حاله كذلك عدة أيام حتى يعود ويكمل علاجها ، وبعد ان نصح بأن يدلك جميع جسمها بالزيت وتمنع من الحركة بقدر الامكان جمع أدواته وانصرف الى حال سبيله .
كان لعلاج الاعرابى الشيخ وتطبيبه الاثر الحسن فى ازالة ما تشكو منه الفتاة من رضوض ، فقد غلب عليها النوم من فرط الاجهاد والتعب فنامت بضع ساعات ، ولم تعد تحس فى اليوم التالي الا بالالم البالغ في قدمها عند محاولة تحريكها . .
مضت الايام وشفيت عائشة من مرضها ولكن قدمها لم تعد لحالتها الطبيعية فعاشت عرجاء ، طوال حياتها ، وكانت تلك العاهة سببا فى انصراف انظار الشباب عنها فلم يتقدم لخطبتها أحد ، بالإضافة الى ما تعانيه من آلام نفسية بما تبدو به من حالة غير مرضية بين اترابها ، فأثر ذلك كثيرا عليها وتعاودتها الاسقام التى لم تمهلها طويلا فماتت مأسوفا عليها . ولا تسل عما ترك موتها من سيئ الاثر على والديها ، فقد كانت ابنتهما الوحيدة وكانا لا يألوان جهدا فى تدليلها والعطف عليها واجابة كل مطالبها وكانت على ما بها من علة تفرط في الاناقة واستعمال ادوات الزينة . . فمات والدها بعد سنوات قليلة من ذلك ، ولحقت به والدتها بعد زمن غير بعيد ، كأنما آثرا أن
يجتمعا بابنتهما فى الآخرة بعد أن لم يمهلها الموت للبقاء معهما فى الدنيا ! ! وهكذا وفى فترة وجيزة من الزمن طوى الموت جل أفراد هذه الاسرة الواحد بعد الآخر ، ولكن القدر ترفق فأبقى منها على ولدين كانا هما كل ما بقى من أفراد تلك العائلة السعيدة . .
وكان الوالد رحمه الله لم يمت حتى زوج كلا من ولديه وترك لهما بعض المال ليستعينا به على الحياة . .
جلس الاخوان بعد أن فرغا من تناول الطعام يحتسيان أكواب الشاى الساخنة ، وسبح التفكير بكل منهما كأنهما يفكران فيما يثقل كاهلهما من أعباء الحياة بعد وفاة والدهما الذي كان يكفيهما مؤونة العيش ويؤمن لهما اسباب الرزق ، ذلك بالاضافة الى ما أصبح لكل منهما من الاولاد والبنات ، فالتفت رشاد الى أخيه الاصغر وقال :
- اخي الحبيب . . اذا كان والدنا قد توفى فهذا لا يعنى اننا سنفترق أو انه لم يعد يوجد ما يجمعنا ويحفظ سمعة أسرتنا ومالها من مكانة ومقام فى المجتمع . . فعلاقة الاخوة التى تربطنا تكفى لان تجعلنا نعيش مع بعضنا كما كنا نعيش مع أبوينا لا يفرق بيننا الا الموت . .
ووضع كل من الاخوين يده فى يد الاخر وانحدرت عبرة كبيرة من عين كل منهما كانت مدادا لتسجيل هذا العهد الشريف بينهما وظلا صامتين برهة من الزمن ولسان حالهما يقول :
- لنبدأ حياتنا من حديد ، وليسدد الله خطانا لما فيه الخير والصواب .
